مجتمعسياسةغير مصنف

سجن برهان بسيس ومحرار المزاج التونسي

This post has already been read 13 times!

 

 

الحكم بالسجن على برهان بسيس الإعلامي المعروف والناطق باسم حزب نداء تونس يوم الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 أثار ردود فعل عديدة كشفت عن مزاج الكثير من التونسيين كما كشفت عن مستوى العلاقة بالثورة وبالديمقراطية.

 

الحكم على برهان بسنتين مع التعجيل بالتنفيذ حيث تم اعتقاله في نفس اليوم، طرح لدى عديد المراقبين تساؤلات تبدو مشروعة تتعلق بتوقيت المحاكمة وبسرعة تنفيذ الحكم.

فالتوقيت السياسي هو توقيت خلافات داخل حزب النداء، حيث يصطف برهان مع المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي والذي لم تعد خافية خلافاته مع أحد أبناء الحزب، السيد يوسف الشاهد رئيس الحكومة، فكان التساؤل أيضا عن مدى استقلالية القضاء وعن مدى استعمال الملفات في الخلافات السياسية حتى إن البعض ذكر بأساليب النظام السابق في التعاطي مع معارضيه بل وثمة من يحذر من مخاطر الدخول في هذا المسار إذ قد يطال أناسا آخرين في المستقبل القريب.

 

هذا الحكم تحول إلى مادة خصبة للحوار في عناوين شتى من مثل: التسامح والعدالة والمحاباة والحسم الثوري والتنازلات وحتى الخيانات والضعف والعجز وغيرها.

كتب القيادي في حركة النهضة العجمي الوريمي تدوينة عبر فيها عن تعاطفه الإنساني مع برهان بسيس ومع عائلته كما دعا رئيس الدولة إلى إصدار عفو عنه وهذا نص التدوينة:” ليس موقفا جديدا: أنا مثل كثيرين منكم ضد المحاكمات السياسية ولا أريد أن أكون ولا أحد غيري فوق القانون،ومثلكم تماما مع استقلالية القضاء، وعندما تصدر المحكمة حكمها البات وهو ليس بالضرورة مستجيب لمقتضيات العدالة المطلقة والا لما كان التقاضي على درجات ولأن درجتين أو ثلاثة قد لا تحقق المطلوب أخلاقيا وإنسانيا لكنها اكثر ضمانة من قضاء الدرجة الواحدة فإن رئيس الجمهورية بإمكانه أن يصدر العفو.مخ الهدرة تمنيت لو أن برهان بسيس ومن في وضعيته يكون حرا لا خلف القضبان وتمنياتي على رئيس الجمهورية تمتيعه بالعفو الرئاسي اليوم قبل الغد وطمأنة زوجته وأبنائه فهناك من يدفعون فاتورة لا تتناسب مع السياق السياسي للبلاد ،والعفو من شيم الكرام”.

 

 

 

هذه التدوينة بقدر ما كشفت عن روحية إنسانية لدى أحد قادة حركة النهضة البارزين بقدر ما استثارت غضب الكثيرين ممن رأوا فيها محاباة ودعوة لخرق القانون وتجاوزا للعدالة وتفريطا في حقوق الناس بل وغدرا بالثورة وبالشهداء لكون هذا المحكوم بالسجن قد كان لسانا فصيحا لنظام مستبد مارس القهر والقمع لعشرات الآلاف من التونسيين مازال أغلبهم لم يتعاف نفسيا وجسديا من عذابات تلك السنين السوداء.

 

المراقب لردود الفعل تلك يقف على استنتاجات مهمة وعميقة منها:

  •  أن الإستبداد لا تكمن مساوئه فقط في منع الحريات وتغييب العدالة الاجتماعية وإنما وأساسا في ما يخلفه في أعماق الذوات من خدوش نفسية وكدمات عصبية ومن رغبة في الثأر واستعجال للقصاص من الظالمين وأعوانهم سواء ممن ساهموا بأفعال مادية أو ممن ساهموا بألسنتهم وأقلامهم في تلميع الاستبداد وتشويه مخالفيه والتحريض عليهم.

 

  •  أن جمهور المواطنين لا يُعدلون مزاجهم على تقديرات الزعماء السياسيين فهم لا يقدرون على كبح عواطفهم ولا يعذرون قادتهم حين ينهجون نهج الترفق والحكمة في إصلاح حال البلاد وفي معالجة آثار عقود من الفساد والاستبداد، ذاك الجمهور لا يتردد في اتهام قادته بالتردد والضعف والتنازل والتفريط في حقوق المظلومين وهو ما يحرج فعلا دعاة الترفق في الإصلاح وأصحاب نظرية التوافق بين القديم والجديد أو بين الجلاد والضحية من أجل تفادي العنف والفوضى.

 

  • أن مجتمعات ما بعد الاستبداد تحتاج كثيرا من الوقت للتدرب على النسيان وعلى الحوار وعلى الإيثار والتسامح في ظل حرية مسؤولة وعدالة غير ثأرية.

 

إن مجتمعات ما بعد الاستبداد هي مجتمعات ملغومة بكل ألغام الانتقام والثأر لذلك تحتاج من النخبة السياسية والثقافية والدينية والإعلامية جهدا كبيرا في التوعية والتهدئة والترشيد وتحتاج قادة ورموزا لهم قدرة فائقة على الاحتمال والاصطبار والمحاورة والإقناع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.