مجتمعالرئيسيثقافةغير مصنف

الكورسيه أو مشدٌّ الخصر: قصة جسد مسجون وقوام فاتن

 

تقول المغنية  الفرنسية”فران والين” في أغنيتها الكورسيه ” الكورسيه يُمكن أن يُقدّم الكثير للمرأة، فهو يساعدها على عرض ما تتمتع به من مؤهلات جسدية للرجل، لا سيما وإن كانت تمتلك المُنحنيات الجذابة”. 

 

ورغم أن المشاهد المصاحبة للأغنية تبرز مدى العذاب الذي تعيشه المرأة أثناء إرتدائها للكورسيه (مشد الخصر)، فإن هذه الأغنية تخبرنا الكثير عن إحدى الصور النمطية التي تضعها المرأة لجسدها رغم التعب والإجهاد فقط لتنال إعجاب الرجل… 

 

بدايات ظهور الكورسيه 

لكل عصر وحضارة صورة نمطية للشكل المثالي الذي يجب أن يكون عليه جسد المرأة، ويُعد شَدٌُ مناطق معينة من جسد الأنثى وسجنها بقطع من اللباس قصد تطويعها في شكل معين أو إخفائها، من أشهر الأحداث في تاريخ الموضة النسائية والتي بدأ رواجها في الحضارات الغربية القديمة،فكان يقع تغيير شكل جسم المرأة عن طريق ارتداء “الكورسيه”  الذي يشمل الصدر والجذع،أو مشد الخصر وحده،ليجعل قوام المرأة شبيها بالساعة الرملية أو رقم ثمانية.

والكورسيه “Corset” هو قطعة مُكّملة للزي النسائي،كان أول ظهور له حسب كتاب “الكورسيه قصة ثقافية تاريخية” في القرن الخامس عشر بأوروبا،ووقع ارتدائه أعلى التنورة النسائية في إسبانيا،ثم انتشر في كامل أوروبا وأصبح جزءًا رئيسيا من الزي النسائي في فرنسا ولاسيما إبان الثورة الفرنسية.

لم يكن الكورسيه عند أول ظهور له معروفاً بهذا الإسم،فقد ظهرت كلمة كورسيه لأول مرة في عالم الموضة فقط في أواخر القرن ال18 وهي مشتقة من الكلمة الفرنسية كور “corps”،أي “جسم”،وكان قبل ذلك يسمى بأسماء مختلفة حسب كل بلد.

 

يُروى أيضا أن جذور هذه القطعة تعود لروما القديمة، وقد كان سبب الرئيسي لظهورها في بداية الأمر هو قمع صدر المرأة،لأن الرومان كانوا يعتبرون الصدر الكبير والبارز علامة من علامات القبح وكبر السن، ولذلك ارتدت المراهقات مع بداية بلوغهن لفائف من القماش المدعّم أحياناً بمواد صلبة للضغط على صدورهن ومنعها من النمو.

كما عَمدْن إلى إكمال لفّها على خصورهن،فقد كان الصدر الصغير والخصر النحيل،أيضا من علامات الجمال والأنوثة فارتدت الرومانيات تحت دعائم الصدر حزاما من الجلد لتنحيف الخصر.

وكذلك فرض اليونانيون على المشاركات في الألعاب الأولمبية ربط صدورهن بأقمشة،وإخفائها تحت مشد لحجب انحاءات أجسادهن لتتماهى مع أجساد الرجال أثناء المباريات ولا تجلب الأنظار.

الكورسيه في عصر النهضة 

من الضغط على الصدر وقمعه تحوّل الأمر تدريجيا في عصر النهضة و تحديدا فيي منتصف القرن 15 إلى الضغط على الخصر وشده ليستقيم الجذع ويترفع الصدر إلى أعلى وينكشف شي منه،فقد تميزت ثياب هذه المرحلة بفتحة صدر واسعة وخصر ضيق و تنورة على شكل جرس أو حرف A.

واعتبر الصدر المشدود والمرتفع،من علامات جمال الثريات،فتاخذت هذه الموضة وهذا المظهر مسحة طبقية أيضا،فسيدات القصور يلائمهن هذا اللباس لأنهن لا يُرضعن صغارهن ويتركن المهمة للمرضعات حتى يحافظن على هذا شكل الممشوق وعلى الصدر غير المترهل والنضر.

فأصبح الكورسيه قطعة تختص بيها سيدات المجتمع الراقي، ولم يسمح للنساء العاديات والعاملات بارتداء هذا المكمّل من اللباس، إضافة إلى أنه كان لباساً مقيداً وخانقاً، ويفرض على من ترتديه أن تسير بطريقة متعبة فمن الصعب الجلوس به أو حتى التنفس، ناهيك عن القيام بالأعمال منزلية أو العمل.

 

 

إلا أن النساء الثريات قضين الكثير من الوقت والجهد لارتدائه واحكام شده بشكل صحيح و كن أيضا يعانين من صعوبات أثناء نزعه إلا أن كل هذا  الألم لم يمنعهن من هجرانه.

كما دُعّمت مشدات الخصر في تلك الفترة بمواد صلبة، مثل الأخشاب أو الحديد، لتقوم بكبح الخصر وتدعيم صدر قصد ابرازه جيدا، وقد راجت بعض الروايات تاريخية التي ترجح أن الملكة ” كاترين دي ميديسي”، زوجة ملك فرنسا هنري الثاني، هي من فرضت الكورسيه على النساء لكرهها الخصر العريض.

لكن كان لهذا الأمر أثر على الهيكل العظميلنساء ذاك العصر، وتسبب في تشويه الأضلاع والعمود الفقري لدى اللاتي ارتدينه لفترات طويلة من حياتهن، وهو ما خلصت له الخبيرة في علم الانسان “ربيكا جيبسون” بعد بحث اجرته حول تأثير الكورسيه على جسد المرأة،مستنتجة بأن الكورسيهات كانت مثل أجهزة التعذيب المؤلمة وأنها تسببت في حياة مؤلمة للنساء.

وقد جاء تصريحها هذا في موقع فوربس  بعد فحصها لـ7 هياكل عظمية موجودة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس،وفي مركز علم الآثار البيولوجي في متحف لندن، لنساء عشن مابين القرن 17 والقرن19، واحتوت هذه الهياكل على أضلاع مشوهة وعمود فقري مصاب بإنحراف غير سليم، وهو ما سببه الضغط على المدى الطويل على الأضلاع والفقرات، مما يمكن أن يصيب بالكساح.

القرن الـ19..

في القرن التاسع عشر حذّر الاطباء من خطورة ارتداء الكورسيه ومشدات الصدر لفترات طويلة، للأثر الذي يمكن أن تخلّفه على أضلع الصدر والعمود الفقري والرئيتين، ولكن لأن الجمال يستحق الألم كما يقال، لم تخف النساء من هذه التحذيرات.

ورغم انتشار هذه الموضة الجارفة في نهايات القرن 18 وبدايات القرن19، ثارت بعض الحركات النسوية على تنميط جسد المرأة عبر هذه القطع مثل الكورسيه، وعلى هذا الإرهاق الذي تعرض نفسها إليه لتحقيق الجمال، واعتبرن الكورسيه شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة لأنه جعل منها متخشبّة ومثل الدمية، تتحرك في حدود معينة، فلا تستطيع أن تعمل أو أن تدخل في زخم الحياة الحقيقة إلى جانب الرجل…

 

 

وبدأ الاستغناء عن الكورسيه يظهر تدريجيا، لاسيما مع ظهور عدة عوامل أخرى تزامنت مع تلك الحركات النسوية،كخروج المرأة للعمل واندلاع الحرب العالمية الأولى التي تسببت في التحاق أغلب الرجال بالجيوش، ممّا تطّلب أن تنخرط المرأة في الحياة العامة بلباس مريح، إضافة إلى الاتجاه العام للدول الأوروبية في تقليل النفقات وعدم تصنيع سلع غير ضرورية مثل الكورسيه.

شيئا فشيئا اختفى الكورسيه، وفي المقابل، ظهر أول مشد صدر حديث منفصل عن الكورسيه في ألمانيا، سنة 1899، وسجلت الألمانية “Christine Hardt” أول براءة اختراع لمشد صدر نسائي.

وقد مر هو كذلك بعدة تغيرات أثرت فيها الأوضاع الاجتماعية ومتطلبات المرأة التي تتغير عبر كل عصر.

الكورسيه القرن العشرين

بعد اختفائه  أثناء الحرب العالمية الأولى وطرده من الموضة في عشرينيات القرن 19 حين أطلقت كوكو شانيل سلسلة الملابس المنسابة، اقتحم الكورسيه من جديد عالم الموضة في الخمسينيات، حين رغبت النساء في مظهر الخصر النحيل الذي روّجت له صيحة Dior New Look ورجع الكروسيه بقوة إلى خزانة النساء في بدايات القرن العشرين.

ومؤخرا باتت هذه القطعة من الموضة في الواجهة من جديد خصوصا مع ترويج العديد من المشاهير لها، مثل كيم كردشيان وهيفاء وهبي.. .فغدا شكل الساعة الرملية للجسم حلم أغلب النساء، وأطلقت مصممة الأزياء “غريزابيل ماران” سنة 2017 سلسلة من الأزياء تضمنت قطعة الكروسيه ترتدى فوق الملابس وهو نفس ما فعلته “كلوي وتيبي”  عبر عرضها لتشكليه من الكورسيهات معززة للصدر في ربيع 2017.

ولانغفل طبعا عن تشكلية ريهانا “Fenty x Puma” و التي احتل الكروسيه فيها مكانا مميزا.

 

 

 

رغم تغيّر المواد و الأقشمة التي أصبح يُصنع منها الكورسية حتى يكون مريحا أكثر لجسد المرأة، إلا أن الأطباء لايزالون يحذورن من ارتدائه لفترات طويلة لأن ذلك يمكن أن يضرّ بالجهاز الهضمي ويؤثر على عملية التنفس.. ولذلك تنصح النساء دائما قبل اختيار أي مشد أن يأخذن بعين الاعتبار معالم خصوصية أجسادهن ليكون مريحا ويحافظ على عملية التنفس بعمق، فلا ينبغي على المرأة أن تعاني من ضغط كورسيه أو حمّالة صدر مشدودة أو كعب عال، لترضي الجميع على حساب جسدها وراحته…

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.