اختيار المحررينثقافةغير مصنف

أنا وحاييم:  تعايش في زمن الحرب  

بقلم: عمار لشموت

 

 

“أنا و حاييم” هي رواية تتحدث عن الذاكرة والحنين والنوستالجيا والبدايات وقصة تعلقنا وعشقنا للمكان الذي نولد فيه ونكبر في فضائه تاركا بصماته بداخلنا ما تبقى من الأيام.

 

تبدأ الحكاية من لحظة الوقوف أمام بناية قديمة لعائلة بنميمون في صورة سينمائية، بعدها يفيض السرد بدون انقطاع في لغة شعرية جميلة مع استرجاع شريط ذكريات الطفولة إلى الوراء وإعادة التاريخ.

 

يكتب كل تلك المحطات التي مرّ بها أرسلان حنيفي برفقة بنميمون حاييم. أرسلان هو ابن “قايد” في منطقة سعيدة وابن زهيرة بنميمون العائلة اليهودية التي انتقلت من ولاية الأغواط إلى ولاية سعيدة، تتقاطع مسارات حياتهما بدءا من الطفولة مرورا بالمراهقة إلى غاية الحرب وما بعد الحرب، كل من موقعه شاهد على أحداث وتواريخ رسمت مسار حياة.

 

محطات طفولية مشتركة ومعاناة ومآسي متقاسمة من عنصرية ورفض وتهميش، البداية من المدرسة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية. “الانديجان” ،”لاراب” ، “ليهودي” هي صفات ونعوت تلاحقهما أينما ارتحلوا واستقروا، نعوت كانت بواعث الإرادة في تجاوز العقدة العرقية والازدراء والاحتقار الكولونيالي ، فكانا أحسن الطلبة وبرهنا على تفوقهما عن باقي التلاميذ الأوروبيين والأقدام السوداء.

 

 

 

خطوة تلو خطوة، تتولد علاقة محبة وصداقة حميمية تجمع أرسلان وحاييم وتقذف بهما الأقدار إلى النجاح في شهادة البكالوريا وتفتح الآفاق الجامعة على مصراعيها أمام هذا الثنائي، اختار ارسلان الفلسفة فيما اختار حاييم الصيدلة.

 

 

صاحب العمل الروائي الحبيب السايح يصطحب القارئ إلى بعض التفاصيل الصغيرة الجميلة عن عادات مدينة سعيدة والحياة الريفية عبر رسم العادات والتقاليد وطقوس المدينة ويبحر في الوصف الرومنسي لجمالها ويومياتها وحضور الأمكنة.

 

 

يتنقل أرسلان وحاييم إلى الجامعة في مدينة الجزائر العاصمة، أين يكتشف عوالم أخرى، المدينة الأوروبية ووضعية الأهالي المأسوية والعنصرية والازدراء من طرف الأوروبيين والأقدام السوداء تجاه الأهالي والمسلمين، يرسم الروائي معاناة قاطني هذه المدينة المتسعة على الأوروبيين، الضيقة على الأهالي.

 

كانت الجامعة محطة أمام أرسلان وحاييم في بداية نشأة الوعي السياسي والإحساس الوطني النضالي، فقد كانت منبر النقاشات واللقاءات وفضاء لطرح الأفكار عن الحرية والاستعمار والعدالة والإمبريالية والحرب والسلم.

 

رسم الحبيب السايح بذكاء معالم الشخصية الوطنية التحررية وحدد الصورة عن ملامح المناضل الوطني الثوري . أرسلان، الصادق،حسيبة ووصال شخصيات من عائلات بورجوازية أو أبناء قايد يمتلكون ثقافة و لغة مزدوجة.

 

يقول أرسلان عن نفسه “شخصيا كان لي ما أندمج به في تلك العوالم المستنسخة من باريس لأني أملك اللغة والمكانة الاجتماعية والمال أيضا فأكون أفضل من كثير من الأقدام السوداء والأوروبيين من الطلبة “، بينما يقول الصادق “أنا من عائلة معلمين أبا عن جد”، في حين روت لنا حسيبة أن “والدها كان تاجر”.

 

الحبيب السايحي

 

 

عاد صاحب رواية “كولونيل الزبربر” بقرائه إلى أجواء ما قبل الفاتح من نوفمبر وما بعد ليلة عيد الأموات، اشتعلت نيران الثورة وأعلن البركان فيضانه، إذ يقدّم السايح صورة عن تصاعد الكراهية والحقد والثأر الاستعماري ويعرّي موقف المثقف الفرنسي المقيم في الجزائر، الذي بات يخاف من انهيار قيم الحضارة الغربية والتراث الإغريقي على أيدي “الأنديجان” والإرهاب والمخربين.

 

كما رسم أيضا المواقف حول الثورة من طرف الكولون والصحافة والطبقة المثقفة الأوروبية وتحول العمل الروائي إلى مادة تاريخية تستقصي ردود الفعل الشارع الأوروبي وموقف الأهالي وظروف اندلاع العمل التحريري.

 

في ثنايا الرواية، اختار أرسلان العمل المسلح كوسيلة تحررية بدل من العمل السياسي والنضال السلمي قناعة استسلم لها بعد تجارب سياسية فاشلة ويوضح صاحب العمل سياقات هذا الخيار.

 

 

من حين لآخر، يتوقف السايح عند بعض المشاهد التي تكشف فظاعة الحرب وقساوة الفراق والوداع.

 

يعود أرسلان إلى سعيدة ويبقى حاييم في العاصمة لإتمام الدراسة وينظم أرسلان إلى خلية سرية لجبهة التحرير ويقدم دعما ماديا للعناصر الثورية ويلتقي حاييم في المدينة بعد سنتين ويدور نقاش حميمي بينهما عن مأساة الحرب والحياد.

 

يقول حاييم “ها هي المدينة التي كان يتراءى أنها ستظل هادئة يمتد إليها اللهب فتفزع لهذه الحرب التي يبدو أنها ستفرق بيننا بشكل ما ، لوقت أو للأبد”.

 

ما يلفت الانتباه في كل الحوارات التي تجمع أرسلان و حاييم هي البحث عن القواسم المشتركة التي تجمعهما خصوصا ما تعلق بالوطن و الانتماء إلى نفس الأرض ورفض العنصرية والكراهية ويبتعد النقاش الديني كليا عن تجاذب الحديث الذي يدور بينهما.

 

حينما تلتحق زليخة بالثورة وتصعد إلى الجبل بعد إقدامها على عملية فدائية، يأخذنا الراوي إلى دور المرأة في الثورة التحريرية ووقوفها جنب الرجل في مواجهة آلة الاستعمار والكولون، فالمعاناة في الأخير مشتركة بين الذكر والأنثى.

 

وما إن تضع الحرب أوزارها ويتحقق النصر وحلم بالاستقلال، تفتح مرحلة تحديات جديدة، تبدأ بمعاناة حاييم الذي ينعت باليهودي ومطالبته بالرحيل كباقي الأقدام السوداء والأوربيين.

 

لقد حاول الحبيب السايح في هذا العمل الروائي كسر وتحطيم الكثير من الكليشيهات عن الثورة التحريرية وإعادة بناء مفاهيم جديدة حول الثورة المسلحة وعن خيارات ما بعد الثورة وعن مستقبل الوطن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.