اختيار المحررينثقافةغير مصنف

فيلم “مكتوب حبي” لعبد اللطيف كشيش: هواجس مرتبكة وبورنوغرافيا مقَنّعة

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

 

هل تكفي الشهوانية الزائدة وتقديم الجنس في أطباق متعددة لإقتلاع الإعجاب؟

وهل أن الوفاء لتيمة الجسد يمكن ان يصنع مدونة ناجحة تتواصل لعقود؟

وهل يمكن أن تكون الجوائز صكا على بياض؟

 

لعلها الأسئلة الحارقة التي تؤرق أي متابع للفيلم الجديد  “مكتوب حبي النشيد الأول” للمخرج الفرنسي من أصول تونسية عبد اللطيف كشيش ولما كتب عنه في الصحافة العالمية المختصة في مجال السينما.

 

 

وقد خرج هذا الفيلم للقاعات في ظرف دقيق يمرّ به المخرج وهو الذي عرض سعفته الذهبية للبيع في سابقة لعلّها الأولى من نوعها وهي ردّة فعل على خلافات مع الجهات الإنتاجية التي أنتجت فيلم “قصّة أدال”  وكأننا بالمنتجين تركوا كشيش وحيدا يواجه عواصف النقد ويتحمل مسؤولية الفيلم الموسوم في عنوانه الفرعي بالنشيد الأول وربما يكون الأخير بالنظر إلى ردود الفعل التي لقيها خاصة وهو الى حد اللحظة لم يرق الى منصات التتويج.

في فيلم مكتوب حبي النشيد الأول يراهن عبد اللطيف كشيش مرة أخرى على تيمة الجسد والإحتفاء به في شهوانية عالية طبعت أعماله السابقة. ورغم أن هذه التيمة هي بصمته المخصوصة إلا أنها من هنات سينما هذا المخرج.

وتبرز حدود سينما عبد اللطيف كشيش كما يراها النقاد  في فيلمه الجديد بشكل لافت فنجده يعمل جاهدا على  الركض خلف هاجس الجسد الذي جعله يكرس الكثير من المساحات للتلصص على الأجساد العارية للفتيات اللواتي يبحثن عن المتعة على الشاطىء.

 

 

ففي فيلم طويل جدا دام حوالي ثلاث ساعات وكان من المنتظر ان يكون فيلمين جالت كاميرا عبد اللطيف كشيش على الشاطىء وفي الغرف وفي العلب الليالي لتتابع أنات الأجساد الشابة الفائرة وهي تلاحق الحب وتقتنص لحظات المتعة المسروقة.

كما أن البطل أمين الذي ينكمش داخل دائرة خجله بدا يخفي في نفسه وجع مشاهدته لصديقته أوفيلي في حضن طوني صديقه أيضا وربما هذا ما يجعل هاجس الجنس يلاحق سينما كشيش الذي جعل المشهد الحميمي يأخذ حيزا أكثر مما ينبغي وهو ما يذكر أيضا بفيلمه “حياة أدال”.

 

 

يلاحظ في سينما كشيش ولعه بالشباب منذ البدايات وكما في فيلمي “الهروب” او “الكسكسي والبوري”، وهو الذي قدم حفصية حرزي وسارة فوراستي، ومع تقدمه في السن بات هذا الإهتمام عبئا  على أفلامه حيث بات هاجسه تصوير ” تضاريس ” أجساد  الفتيات.

 

 

وكما في فيلم “فينوس السوداء” بالغ المخرج الفرنسي من أصول تونسية في التلصص على جسد تلك المرأة السوداء باحثا  عن جسد مختلف وعن طقوس للجنس مغايرة، يبالغ في “مكتوب” في جنسانية فاقدة للمعنى وللوظيفة في أغلب الأحيان.

وكما كرس كامل  فيلم “فينوس السوداء” لتيمة الجنس وفي “حياة أدال” أيضا نجده يخصص  فيلم “مكتوب حبي النشيد الأول”  لهذه المهمة، فنجده موجها لهذا الغرض حيث الهاجس الجسدي هو الموضوع الوحيد لهذه الفسحة الصيفية.

 

 

وكما تعرض كشيش في “حياة أدال” الى الكثير من الإنتقاد بشأن مبالغته في التركيز على الحياة الجنسية لبطلتيه المثليتين، لم يسلم هذه المرة من سهام النقد التي توقفت عند قصوره الإبداعي والجمالي واقتصاره على المشاهد الجنسية الفجة.

ففي فيلم مكتوب نجد البطل أمين أسير خيالاته وهواجسه العميقة  المتصلة بالليبيدو طوال مشاهد الفيلم التي لا تخلو من الملل  وهو يتابع مغامرات صديقه الجريء الراكض خلف متعه الحسية، او وهو يتلصص على الأجساد المتجلية في عنفوان شهواني.

 

 

ولعله كان من الأفضل والحال هذه  للمخرج وللمشاهدين أيضا   لو امتلك كشيش  الجرأة ليقدم فيلما بورنوغرافيا صرفا ناعما أو فجا. لكنه اختار المواربة ليخفي  وبصعوبة  هواجسه خلف  سيناريو كسيح،  وهو ما جعله يبدو  مزعجا ولا يخلو من النفاق.

ولعل هذا ما قاد إلى الفشل الذريع لهذا الفيلم كما يفسره النقاد، الذين يرون أن المخرج راهن كثيرا على بعض الأوفياء للسينما التي يقدمها  والذين  بدا لهم ” مكتوب حبي النشيد الأخير” ،  قصيدا غنائيا شهوانيا  لكن كشيش الذي تركه المنتجون لم ينجح في اقتلاع الاعجاب.

 

 

والجدير بالذكر أن أحداث الفيلم تدور في  اإطار مكاني وزماني معلوم هو عام 1994 و مدينة  سات الواقعة جنوب فرنسا التي يعود  إليها البطل أمين الفرنسي من أصول تونسية ليلتقي  عائلته حيث يقضي وقته مستمتعا بالشاطىء وبالمقاهي وبالأكلات التونسية التي يقدمها المطعم الذي تمتلكه الأسرة. وهي الإطار الملائم الذي جعله كشيش ليوغل من خلاله في متاهة الجسد مرة أخرى.

 

 

يحدث هذا ضمن قصة بسيطة وخالية من التشويق او الجمالية الفائضة فنجد أنفسنا أمام شخصية بلا أبعاد للبطل الذي يتلمس طريقه في مجال الفن وهو مكبل بعقد جنسية كامنة في أعماق لاوعيه.

ومن المهم الإشارة إلى أن  فيلم مكتوب حبي ، النشيد الأخير ينضاف الى مجموعة أفلام  المخرج عبد اللطيف التي دشنها عام 2000 بفيلم خطأ فولتير ثم  الهروب عام 2004  ثم  الكسكسي والبوري عام 2007 الى جانب فينوس السوداء عام 2010 وحياة أدال عام 2013 .

وهذا المخرج مولود بتونس في  7 ديسمبر عام 1960 وهو مخرج وكاتب سيناريو وممثل أيضا. وقد حاز عديد المرات على جائزة سيزار للسينما الى جانب السعفة الذهبية لمهرجان كان التي حازها عن فيلم حياة أدال.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.