اختيار المحررينثقافةغير مصنف

معرض الجثث: قراءة في أعمال كافكا العرب

 

 

شهدت مجموعة “معرض الجثث” لحسن بلاسم منذ صدورها سنة 2015 عن دار منشورات المتوسط إيطاليا نجاحا كبيرا  ويعود هذا إلى خصوصيتها وتفردّها في الأسلوب القصصي، يقول الأستاذ عدنان المبارك في تقديمه للمجموعة: “إذا كان سارتر قد وقف طويلا عند الشرخ القائم بين الوجود والعدم، فهناك من اكتشف شرخا آخر- القائم بين اللغة والواقع. وبلاسم يصارع الأولى والثانية إلا أنّه يدير ظهره لشتّى صنوف الرومانسية والغنائية التي صارت لغة راسخة في أكثر من قطاع من قطاعات الأدب العربي”.

 

يعتبر حسن بلاسم من أشهر الكتاب العرب في الغرب وهو كاتب وسينمائي عراقي مقيم بفنلندا حصل سنة 2014 على جائزة الإندبندنت في أنجلترا وهو أوّل كاتب عربي حصل على هذه الجائزة وقد نجح بلاسم في ترويج أدبه الذي تناولته كبريات الصحف العالمية بالمتابعة والنقد.

 

من يفتح مجموعة “معرض الجثث” سيلاحظ بسهولة منذ الانتهاء من القصة الأولى غياب الأسلوب الغنائي والشعري في نصّ حسن بلاسم الذي اصطف إلى جانب مأساة الإنسان العراقي بعد ما حلّ بوطنه من احتلال وخراب. لقد نقل بلاسم جراحات الإنسان العراقي بعيدا عن اللغة العاطفية والرثائية التي تخصص فيها الكتّاب العرب بل حمّل قلمه حدّة وقسوة وكأنّه يغرس خنجره في بياض الورق ليكتشف القارئ الخراب الحقيقي في الوجدان الإنساني بعيدا عن برودة شاشات التلفزيون.

 

 

 

في هذا السياق، يصف الروائي جويديب روي أعمال بلاسم بالمذهلة والعنيفة : قصص حسن بلاسم لسيت محض توجس وإقلاق عميق فقط، بل لا مثيل لها، إنّها ضرورية للتذكير بأنّ هناك الجانب الآخر  الذي ينتظر أن يعطي الصوت للكلفة التراجيدية لهذه الحرب وغيرها من الحروب التي لا ضرورة لها .”

 

 

 

 

25 قصة حملت عناوين مختلفة ” العذراء والجندي “، “مجنون ساحة الحرية”، و” لا تقتلني أرجوك هذه شجرتي “، ” عادة التعرّي السيّئة ” و “ألف سكين وسكين” حاول فيها حسن بلاسم أن يكتب بلغة صادمة وداعرة أحيانا لعله يجذب القارئ إلى أعماقه التي أصبحت بمثابة ركاما ثقيلا لا يمكن التحرر منه إلا عن طريق الكتابة.

 

– لكنّ تقارير الطبيب تقول إنّها لم تكن ميتة بعد .. حين قطعت أصابعها ..

– أقسم أنّها كانت ميتة .. لم أكن حينها أقوى على فتح عيني من شدّة الإعياء والجوع والعطش .. حاولت أن أشرب قليلا من البول، لكن …

– لكن ماذا

– شربت دمها

– دعني أصدّق أنّك إنسان من لحم ودم .. حسنا، لم أكلت ثلاثة أصابع من يدها .. أستغفرك يا  ربّي … مثلا، لم لم تأكل أيّ جزء اخر من جسدها ؟

– فكرت أنّ الميّت ربّما يتألم أيضا، وربّما تكون الأصابع أقلّ إيلاما ..

 

 

 

 

هذا مقطع من قصة “العذراء والجندي” ربّما يكشف فظاعة لغة بلاسم ولكنّه في الحقيقة فظاعة وبشاعة الإنسان عندما يجوع أو يداهمه الخطر إنّه يتحوّل إلى وحش صغير حتى وإن كان الأمر سيؤدي به إلى التهام أصابع حبيبته، فكيف سيكون حال الدول الاستعمارية في اقتحامها للدول المستضعفة لن تلتهم الأصابع والرؤوس بل ستصبح حياة الإنسان أرخص من خرقة قماش بالية.

 

يصف النقادّ أعمال بلاسم بأنّها متأثرة بأسلوب كافكا، ومنهم براين كستنر في برنامج هذا الأسبوع ماذا تقرأ  والذي قال عنه: “حسن بلاسم، الغريزي والعبثي والمليء بالرعب، هو كافكا عراقي مع لمسة إضافية من إدغار ألان بو، حيث لا يوفر قلمه كلّ من يرتكب الجرائم دون استثناء لأحد، سواء من الأمريكيين أو من العراقيين”، يمكننا التقاط سمات الأسلوب الكافكوي إن صحّ التعبير ونحن نتجول في أجواء كابوسية ومرعبة بين قصص بلاسم التي تناولت ملامح القاع أو العالم السفلي وأيضا سبرت أغوار الأعماق الإنسانية بين أجواء المنفى والسجون  والتي نزع عنها – أي الأعماق الإنسانية -صفة الملائكية ليصبح الإنسان في عمل بلاسم في طريقه إلى القاع، لا يوجد خير إنّه أكذوبتنا التي جملت وجودنا كثيرا.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.