مدوناتغير مصنف

لماذا لم ننجح في تأسيس حراك نسوي ذي خصوصية ثقافية؟

 

 تحاول بعض النسويات في المجتمعات المغاربية والعربية الإنطلاق من أطروحات سيمون دي بوفوار  ومن تجارب أخرى  خارج الأطر التاريخية والجغرافية التي ينتمين إليها، وكأنّهن يرغبن في بناء تجربة نسوية مرتبطة بالنسوية البيضاء التي لا تشبهنا في كثير من الأشياء..

 

وربّما كان الإنطلاق من خارج الإطار التاريخي والجغرافي سببا في عزل الأفكار النسوية في أطر ضيّقة لا تجد رواجا كبيرا في صفوف النساء العاديات والمتمسكات بالخصوصيات الثقافية والدينية، اللواتي يرين في هذه النسوية المتصدرة للمشهد الحقوقي والسياسي خطرا عليهن وعلى مجتمعاتهن شكلا آخر من أشكال صراع الثقافة المحلية مع الثقافات الوافدة.

 

هل يمكن للنسوية البيضاء أن ترفع الضيم عن النساء في  بقيّة العالم؟ وهل يمكن الإنطلاق من تجربتها في ترسيخ فكرة العدالة والمساواة بين الجنسين؟

 

 

يبدو السؤال موضوعيا للبعض كما يبدو رجعيا ومشبوها للبعض الآخر، من منطلق أنّ حقوق النساء هي نفسها في العالم  واشتراك تجارب النسوية في مجملها في الاتفاق على اضطهاد المرأة وضرورة التصدّي لهذا الاضطهاد المتلبس بأقنعة الدين والثقافة والسياسة.

 

بعيدا عن الجدال العقيم حول تشابه التجارب النسوية ومحاولة النسج على منوالها في مجتمعاتنا، سأتطرق في نص هذا الموضوع إلى ضرورة بناء تجربة نسوية مغاربية انطلاقا من تجربتنا الصميمة التي يتجاهلها البعض/ لصالح ما يسمّى بالنسوية البيضاء.

 

يتجاهل الكثير كتابات الراحلة فاطمة المرنيسي، التي انطلقت في تفكيك الأسس الثقافية دون أن تتنصل من مرجعيتها الإسلامية كإحدى مقومات هويتها، والتي تعاطت من خلالها  مع مسألة تحرير المرأة، في مقارنة واضحة بين المرأة في الغرب وفي الشرق, كما أنّها انتقدت النظرة الإستشراقية للنساء في الشرق التي كان محرّكها الجنس وساهمت في تنميط صورة المرأة العربية والمسلمة في المخيّلة الغربية.

 

 

تراثنا النسوي العربي والمغاربي حافل بإنجازات المرأة، إلا أننا نتغاضى عن هذا التراث بل ونحصره في زاوية مظلمة ومهجورة لا يمكن الوصول إليها بسهولة

 

 

انتقدت المفكرة فاطمة المرنيسي  هذه النظرة الغربية التي تظهر بوضوح في لوحات الرسامين التشكيليين الغربيين والتي أظهرت المرأة  الشرقية في موضع الغواية والفتنة، وهو ما يسقطهم في تناقض رهيب بين نظرتهم للشرق وبين مسلماتهم في تحرير المرأة. فشهرازاد الشرقية ليست مجرّد سلعة جنسية ترقص لإغراء شهريار، بقدر ما كانت مطلعة على الفكر الذي ساهم في إنقاذ حياتها.

 

استقت ما يسمّى بالنسوية الإسلامية أفكارها من أطروحات فاطمة  المرنسيي، ولكنّ الوقوع في خطر تسمية النسوية الإسلامية يساهم في تنميط صورة  النسوية العربية: فإمّا نسوية ليبرالية متفسخة عن أسسها الفكرية والثقافية، أو نسوية إيديولوجية تتعاطى مع مسألة قضية المرأة بأفكار سياسية في باطنها، وهو ما يعيق تحرر المرأة العربية لتصبح محور صراع بين الأطياف السياسية، والكلّ يرغب في السيطرة عليها من أجل خدمة مشروعه السياسي.

 

 

ما نمتلكه من خصوصيات ثقافية وفكرية وعينات ناجحة  لحرية النساء والوعي بمشاكلهن الحقيقية يجعلنا نفكر جديّا في تأسيس حراك نسوي يشبهنا وينتمي إلينا، حراك يؤمن بخصوصياتنا الثقافية ولا يعاديها، بل ينطلق من خلالها في نقد ما وصلت إليه المرأة اليوم من انحطاط واستغلال فاضح

 

 

غير بعيد عن أطروحات فاطمة المرنيسي يظهر لنا نموذج النساء الطوارق نموذجا مشرقا في مسألة حرية المرأة بالمغرب الكبير، نساء امتلكن زمام أمورهن وحافظن على أمومية مجتمعهن لتصبح المرأة صاحبة القرار في المسائل المتعلقة بها، في حرية الزواج والطلاق وولايتها على أطفالها وأيضا هي صاحبة القرار في بيتها لتتخلص نهائيا من سيطرة الرجل وتبعيتها له.

 

في كتاب جماعي بعنوان ” الجنسانية في المجتمعات الإسلامية ” تناولت الباحثة بثينة شعبان الطارقيات كموضوع بحث ومن خلال سؤال طرحته على إحدى عيّنات بحثها:

 

كيف تقارنين وضعك كامرأة مع وضع النساء الأوروبيات؟” أجابت المستجوبة بما يلي: “في السنوات العشرين الماضية، أصبحت منطقتنا منطقة جذب سياحي، والعديد من الناس، القادمين من فرنسا وألمانيا خصوصا، يمضون عطلاتهم السنوية هنا. وشقيقي في الحقيقة متزوج من فرنسية، و قد أمضيت  ثلاثة أشهر في باريس لاستشارة الأطباء المتخصصين في أمراض النساء حول حالة العقم التي أعاني منها على ما يبدو. لقد صدمت حقا حين اكتشفت مدى رعب نساء أوروبا من الاغتصاب، وكم من النساء اللاتي يتعرضن فعلا للاعتداء، وعدد أولئك اللاتي يحاولن الانتحار. وجدت كل ذلك مروّعا لان الحقيقة الكامنة في صميم كل ذلك تشير إلى الرأي البغيض الذي يعتبر النساء كائنات جنسية مستهدفة وبائسة، وضعيفة، وعاجزة. أما المرأة في مجتمعنا فلا تشعر أبدا بأنها هدف جنسي؛ بل تنال نصيبها من التقدير باعتبارها رفيقة وشريكة. والاغتصاب غير معروف في قبائلنا؛ فهو أمر مروع ومخز، ولا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن لأي مجتمع في العالم أن يحتمله “.

 

 

من  خلال هذه الإجابة التي تبدو للبعض مدهشة نتبيّن إلى أيّ مرحلة وصلنا نحن النساء في عالمنا المغاربي والعربي رغم أنّ تراثنا النسوي حافل بإنجازات المرأة، إلا أننا نتغاضى عن هذا التراث بل ونحصره في زاوية مظلمة ومهجورة لا يمكن الوصول إليها بسهولة، بل يقع التعتيم عليها وأحيانا نتعاطى معها في زاوية التراث الفلكلوري كما هو الأمر مع نساء الطوارق.

 

لنطرح السؤال التالي: لماذا نجحت النساء الطارقيات في المحافظة على مكاسبهن على عكس النساء في بقيّة الدول المغاربية، بل على عكس بعض النساء في مجتمعهن  الأمّ كالجزائر مثلا؟

 

إنّ الإجابة على هذا السؤال تستدعي شجاعة كبيرة دون أن نقع في أتون التشويه والتخوين، فحرية النساء تبدأ من وعي النساء بحريتهن وغياب هذا الوعي النسوي يعيق مسيرة تحررهن لتظهر بعض النزعات المتطرفة تؤبد استغلالهن، كخطاب شيوخ السلفية، أو كاستغلال الدولة لهن في معاركها الفكرية القديمة المتجددة..

 

هل تقع مسؤولية سجن المرأة في أطروحات دينية متشددة والتعاطي معها كموضوع جنسي، أو الزج بها في معارك الدولة ضدّ خصومها، على الدولة والجماعات الدينية المتشددة، أم أنّ المرأة لها نصيب وافر من هذه المسؤولية؟

 

ما نمتلكه من خصوصيات ثقافية وفكرية وعينات ناجحة  لحرية النساء والوعي بمشاكلهن الحقيقية يجعلنا نفكر جديّا في تأسيس حراك نسوي يشبهنا وينتمي إلينا، حراك يؤمن بخصوصياتنا الثقافية ولا يعاديها، بل ينطلق من خلالها في نقد ما وصلت إليه المرأة اليوم من انحطاط واستغلال فاضح.

 

من خلال عينات مواضيع النقاش او القضايا الكبرى المركزية في الأدب النسوي الغربي تنفذ الباحثة الفلسطينية ليلى أبو لغد مثلا إلى مناطق معتمة لدى النسوية العربية والإسلامية، وكذا لدى النسويات الغربيات في علاقة مباشرة بمحيطهن الاجتماعي وخصوصياتهن الثقافية، فتتحول الخصوصية المحلية الى إطار عام تتحرك فيه الحركة النسوية، أي أنها بلغة البحث والتدقيق، وليدة بيئتها رغم التقاطعات الكثيرة في جملة من العناوين.

 

تحتاج الحركة النسوية للبحث عن جذور محلية وخصوصية في التعبير عن نفسها بشكل ما.. الباحثة التركية ميدة يعينوغلو مثلا تجاوزت “الفنتازمات الكولونيالية والسكولائية النسوية” إلى تفكيك البنية الثقافية الأفغانية في علاقة بتناول قضايا ومشاكل تعترض نساء أفغانستان لم تكن تفهمها الإدارة الأمريكية التي رفعت شعار تحرير نساء البلد من طالبان عنوانا للغزو.

 

الأمثلة كثيرة ومتعددة والحق الأخير كما تقول غاياتري شاكرافورتي سبيفاك لدى النساء ولدى “التابع عموما” أيا كان جنسه او لونه او عقيدته يتمثل في “الحق في الرفض”، وهو ما تحتاجه النسوية نفسها للتمايز عن القوالب الجاهزة وتحاشي السقوط في اصطناع إشكاليات او حلول مستوردة لا تزيد غير تعقيد وضعيتهن وتكريس تبعيتهن، لا فقط لمجتمعهن بل لثقافات ورؤى غريبة عنهن، حتى وان رفعت شعارات “الكونية”.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق