ثقافةغير مصنف

ماذا حدث للمصريين؟..  عبقرية جلال أمين في رسم الشخصية المصرية

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

 

رغم ثراء مكتبته بالإصدارات الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة، لكن اسم المفكر المصري جلال أمين، الذي رحل عن عالمنا أمس، بعدما توقف عداد عمره عند 83 عاما، يرتبط بكتاب شهير هو “ماذا حدث للمصريين؟”، الذي استخدم فيه الأكاديمي البارز مشرطا دقيقا كخبراء الجراحة لتحليل الشخصية المصرية على مدار نص قرن كامل.

 

المفكر اليساري ترك إرثا كبيرا للمصريين يعودون إليه لتحليل جميع الظواهر الاجتماعية التي ذهب بعضها دون رجعة، في الفترة من 1945 إلى 1995 وامتد آثر أخرى إلى وقتنا هذا. هنا نقدم أبرز ما تطرق إليه المفكر الراحل في كتابه.

 

الحراك الاجتماعي

يحمل أمين في كتابه الحراك الاجتماعي مسؤولية تعاسة المصريين على المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية، موضحا أن علاج السياسات الحكومية لن تجدي وحدها لوقف تدهور المصريين، لأن المرض يعود للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي تعرض لها المصريون منذ عام  1952في أعقاب ثورة الضباط الأحرار، حيث دفعت الثورة عجلة الحراك الاجتماعي في مصر بشكل غير مسبوق وبسرعات عالية وبدون وعي بتبعاتها الاجتماعية والثقافية نظرا لضعف الخلفية الفكرية والثقافية لقادة الثورة المصرية أنفسهم.

 

 

انقلاب الهرم الطبقي

قلبت السياسات الاقتصادية والسياسية الكبرى مثل التصنيع والإصلاح الزراعي ثم الانفتاح والهجرة الخارجية والعولمة الهرم الطبقي في مصر رأسا على عقب لأنها دفعت بفئات واسعة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة المصرية إلى أعلى السلم الاجتماعي المصري بشكل سريع وغير مسبوق، فتحول المصريون إلى فئات محظوظة اعتلت قمة الهرم الطبقي في زمن قياسي وبدون جهد يذكر وباتت مشغولة بالتعالي على من هم دونهم وإذلالهم، وفئات أقل حظا لم يسعفها الحظ للصعود الاجتماعي وباتت هي أيضا مشغولة بالصعود الاجتماعي وبكراهية من هم أفضل منها لأنهم لا يستحقون هذا الثراء.

وبحسب أمين،  فالجميع  في مصر نسى قيم العمل والكفاح والرضا والقناعة التي كانت منتشرة في أوساط المصريين قبل الثورة على الرغم من أن الحراك الاجتماعي في مصر كان منعدما في تلك الأوقات، وعلى الرغم من أن السور الذي كان يفصل الطبقات المصرية قبل الثورة كان سورا حديديا يصعب اختراقه.

 

مراحل التمرد الأسري

وضع أمين يديه على بعض الأزمات التي تنغص حياة الأسر المصرية في مراحل مختلفة، فيعدد أحد أهم هذه الأسباب في أن الأولاد يتمتعون بفرص جديدة لم تكن متاحة للآباء بسبب تفوقهم عليهم في المستوي التعليم واتصالهم ببيئات جديدة لم تتح للأب أو للأم أية فرصة للاتصال بها، فيكتسب الأولاد ثقة بقدراتهم على الكسب والترقي الاجتماعي تفقدهم ما كان لديهم من احترام للبيت الذي نشأوا فيه.

وسلط الكاتب الضوء أيضا على محاولات الأب ممارسة سلطة قديمة دون جدوى، وكذلك تمرد البنات على محاولة تزويجها بقريب لإدراكها أن بإمكانها الآن عن طريق الزواج تحقيق الصعود في السلم الاجتماعي، او أن لديها فرصة للتعليم أو الخبرة أو المال المكتسب من الهجرة ما يؤهلها لذلك، فتطالب البنت بمزيد من التحرر لا تستستغيه عقلية الأب أو الأم التقليدية.

 

 

كيف تطورت لغة المصريين؟

يعرج فيلسوف الاقتصاد في كتابه للحديث عن التغييرات التي طرأت على لغة المصريين، فقد اعترى اللغة الدراجة ولغة الكتابة خلال ال30 عاما الماضية تغير لافت للنظر وجدير ببحث مستقل، عازيا أسبابه إلى ظاهرة الحراك الاجتماعي، فلقد بدأت الثورة منذ أيامها الأولى بإلغاء رسمي للألقاب، من بكوبة وباشوبة ولكن ما كان يمكن ان يحدث هذا لإلغاء في الحياة اليومية لولا تطابفه مع تغير العلاقات الاجتماعية.

ويستعرض الكلمات والتعبيرات الجديدة التي دخلت إلي اللغة تعبيرا عن هذا التغيير الطبقي، فقد استعير وصف رئيس الجمهورية بوصف”الريس” المرتبط بثقافة الحرفيين، وهو لفظ شاع استخدامه في الإشارة إلى أي رئيس بلاد من الإشارات القديمة مثل يا “حضرة ويا أستاذ”. ودخلت ألفاظ مثل “طنش” وفوت ومشي امورك،وماشي” في القاموس المصري.

وفي فصل آخر، يرثي المفكر حالة اللغة العربية والتدهور الذي أصابها من الخمسينيات حتى مطلع التسعينيات، فيروي أن الخطأ في انلحور والإعراب كتابة أو إلقاء من أسباب شعور الإنسان بالخجل، نظرا لأن مدرسي يجيدون اللغة العربية ويعشقونها، كما كان المناخ يحترم العربية ويرعى مكانتها. أما الآن فالخطأ في اللغة لم يعد شيئا يستحي منه الإنسان المصري عن ذي قبل، كما لم يعد التزام الكلام والكتابة بلغة عربية صحيحة مجالا للفخر.

 

 

كيف حلل أمين ظاهرة محمد رمضان؟

قدم امين تفسيرا لصعود نجوم الطبقات الشعبية في السينما على غرار سينما المهمشين التي يقدمها محمد رمضان في الوقت الحالي، فقال إن المسرح والسينما والمسلسلات التلفزيونية بدأ يتربع على عرش تمثيلها شخصيات تنتمي كثرتها إلى الطبقات الشعبية أثرت ظروف نشأنها على لغة التعبير وأسلوب الحوار ومضمون العمل الفني نفسه، كمل تاثر كل هذا باتسع جمهور المشاهدين المنتمين إلى نفس الطبقات الشعبية، فقدم لهم ما يرضيهم وما يستجيب لطموحاتهم.

 

إن فاتك الميري تمرغ في ترابه

أفرد المؤلف فصلا للوظيفة الحكومية وتراجع دروها فيما بعد، يقول فيه إنه عندما تقدم أبوه لخطبة أمه في أوائل الحرب العالمية الأولى، أي منذ نحو ثمانين عاما، كان من المزايا التي رشحته للقبول لدى أهل الفتاة، أنه كان يشغل “وظيفة ميري” أي يعمل في هيئة حكومية ، فكان مدرسا في مدرسة القضاء الشرعي، ومن ثم كان يخضع لنفس قواعد التعيين والتثبيت والترقية والمعاش الحكومية ، وهذه القواعد كانت وقتها توفر للشخص الخاضع لها حياة كريمة ومستقرة واطمئنان للمستقبل، وانتشر المثل المصري القائل “إن فاتك الميري تمرغ في ترابه”.

أما في السبعينات بدأت فكرة الميري في الإنحسار، فظهرت المشروعات التجارية الصغيرة، والإتجار بالعملة والسمسرة وأعمال المقاولات، في الجانب الآخر كان العاملون بالحكومة يعانون الظاهرة العكسية بالظبط، فحدث تراجع واضح في مركزهم النسبي، كما استمرت الحكومة في توفير الوظائف للخريجين ولكن أي وظيفة التي لا تزيد مكافأتها إلا ببطء السلحفاة في مواجهة الأسعار التي تطير بسرعة الصاروخ؟.

 

 

أسياد وخدم

تطور شكل الخادمة في مصر مع الازدهار الثقافي والاقتصادي منذ عصر الفراعنة القدامي إلى وقتنا هذا، وهو ما دفع جلال أمين لرسم هذا التطور في فصل خاص تحت عنوان “أسياد وخدم”.

فكان الخادم، في مخيلة أمين، في الماضي طفلة تأتي من الريف يدفع أسيادها قروشا بسيطة لأهلها مقابل بقاءها تحت الطلب دائما بالمنزل، أما الآن فهي تأتي من المدينة ومن القرية، كما أن لها ساعات محددة بما غير نسبيا من النظرة للخادم على أنه عبد.

يقول أمين: “الخادمة في السبعينيات أصبحت ربة منزل لديها ثلاجة كهربائية وما شابه مثلا، ولكن الآن يصادف ظواهر أصبحت تعيد الذكرى للأربعينات والخمسينات مثل انتشار المتسولين بالشوارع والتضاعف السريع في عدد الذين يبيعون على قارعة الطريق سلع تافهة، وعودة الإنقسام بين الطبقات وانتشار روح اليأس من إمكانية العبور من طبقة إلى أخرى”.

 

مركز المرأة .. الجدة ربة منزل والحفيدة سيدة مجتمع

أفرد جلال أمين فصلا عن مكانة المرأة، تعجب  فيه من الذين لا يريدون الاعتراف بما حققته المرأة المصرية من تحرر وتقدم عقلي ونفسي، وبمقارنة بين ابنته وأمه، فيقول إن الأولى لها الحرية أن تحضر للماجستير وترعى زوجها وابنها وتعمل من الصباح حتى العصر، ومع ذلك فهي تحافظ على مظهرها وتعتني ببيتها أكثر من أمه، وتكاد الثانية أن يشغل وقتها – في الخمسينات – التواجد بالمطبخ، ورغم أن أبيه كان أديبا مرموقا فإنه لم يكن يرى أي غضاضة بذلك، وكانت المرأة من جيل أمه غير مؤهلة مطلقا لكسب الرزق فكانت تتفنن في الإبقاء على الزوج “مركز الأمان الاقتصادي” ، كما كانت تعتبر أن أفضل وسيلة للإبقاء على الزوج هي كثرة الإنجاب .

أما الآن فقد أصبح الرجل يبحث عن الزوجة التي تعينه على تحمل أعباء الحياة المكلفة، ويكتفي بعدد أقل من الأولاد، غير أنه كان جيل الآباء يشعر باطمئنان أكبر للمستقبل الذي أصبح الآن مقلقا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد