مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

الحنة السوداني .. مهنة اللاجئات السودانيات في مصر

رشا محمود- القاهرة- مجلة ميم

 

بقامتهن الفارعة وبشرتهن السمراء وابتسامه عريضة يحملن فى ايديهن قراطيس الحناء وادواتهن ، يجلن بين ممرات المقاهى المتناثرة على أطراف الساحة الضخمة بمنطقة المعز،  “حنة يابنات .. حنة ” هكذا تهتف إحداهن بلهجة لا تخلو من كسرة واضحة تعلن عن انتمائهن لعالم آخر ضاقت سبله، التى لم تعد تسمح سوى بالفرار بحثاً عن لقمة عيش فى دولة أخرى.. وهاقد تحولن إلى إحدى العلامات المميزة لمقاهى الحسين ووسط البلد التى اقتحمت تفاصيلها فتيات الحنة السمراوات

 

وسبب شهرة الحنة السوداني أن لونها يتحول من اللون الأحمر إلى الأسود حتى إعتبره البعض ضربا من السحر، لكن الحقيقة أن الحنة السودانية ما هي إلا حنة طبيعية تأتي من شجر الحنة المعروفة التي تزرع في مناطق واسعة من السودان. أما الشيء المختلف فهو إضافة بعض المكونات الخاصة لها مما يعمل على تغيير لونها عند استخدامها لتصبح سوداء أو بنية داكنة، وتبرع في إعدادها السيدات السودانيات أكثر من غيرهن، فهي هواية قبل أن تكون مهنةً، ويتوارثنها عن جداتهن منذ الطفولة.

 

” العروس عنا من غير حنة متبجاش عروس”، هكذا بدأت هبه بشير 38 عاماً من جنوب السودان حديثها حول عملها كـ “حنانة” ، مضيفة: “جئت من السودان فى اوائل عام 2010 مع اسرتي ، وكان لى اصدقاء قد سبقوني إلى مصر قبل عامين وثلاثة اعوام ، هروباً من النزاعات والحرب لدينا فى جنوب السودان ، ولم يكن فى مصر من مجالات عمل سوى الرسم بالحنة  فلي اصدقاء عملوا بتلك المهنة واكتسبوا دخلاً جيداً “.

 

وتضيف “بشير” : إن اهل السودان يعشقون استخدام الحنة منذ القدم بطرق مختلفة كما أنها تعد سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلًا عما تبعثه من راحة نفسية على مستخدمها. أما الآن فنستخدمها لأغراض جمالية متنوعة، ولذلك فضلت العمل بها، بعدما لاحظت ان لها فى مصر زبائنها الدائمون خاصة فى الاماكن السياحية مثلا الازهر والحسين والمعز، فضلا عن الحفلات التى ندعى لها والاعراس.

 

 

وتتابع “بشير” وهي تنهي أحد الرسومات على كف فتاة صغيرة: “بالرغم من أن رسم الحنة ي هو هوايه واحبه، إلا أن الامر ليس بتلك السهوله، فما ألقاه خلال اليوم من مضايقات ومشاكل وملاحقات امنية، يحول عملي لمهنة شاقة مريرة.. لكنها العمل الوحيد المتاح لنا ومصدر دخلنا، ونضطر للتحمل من اجل لقمة العيش”.

 

وتعيش آلاف السيدات السودانيات فى مصر منذ أكثر من 10 سنوات، لم يأتين بهدف السياحة، بل هرباً من الحرب المستعرة في وطنهن، ومن الفقر والخصاصة، فيرتحلن إلى الجوار ينشدن بعض الأمان،  وسد الرمق ومساعدة أسرهن، وربما كانت مصر محطةً على طريق اللجوء، يأملن أن ينتهي بهن إلى أوروبا..

 

لكن بعد وصولهن إلى مصر تتعرض هؤلاء النساء اللاجئات لممارسات عنصرية مختلفة في حياتهن اليومية.

 

ويتراوح سعر رسم الحنة بين 15 إلى 25 جنيها، بحسب مساحة الرسم، ونوع الحنة المستخدم. وكلما كانت الحنة داكنة كلما ارتفع سعرها.

 

وأضافت الكثير من السيدات السودانيات ثراءً وابداعاً على مهنة التجمل بالحناء، أو ما يسمى في مصر بالحنة. يمينه محمد واحدة من هؤلاء، جاءت إلى مصر من منطقة جبال النوبة منذ عام 2011 ومعها ابناها الاثنان. عملت في أماكن عدة ووظائف كثيرة، منها البيع في محلات ملابس وتنظيف المنازل. لكنها وجدت راحتها في رسم الحنة في منطقة مسجد الحسين.

 

لا تكتفي يمينة  البالغة من العمر 33 عاماً بالتجوال فى منطقة الحسين لجذب السيدات لنقش الحنة على ايديهن ، بل تبدع فى ابتكار رسومات معقدة تحملها معها فى كتالوج لتختار النساء من بينهن. وتطور عمل يمينة لتقيم حفلات اعراس كاملة بالحناء بمختلف اشكالها وألوانها.

 

العمل والتجول فى الشوارع لكسب الرزق لا يخلو من مشاكله اليومية إذ هناك حضور كثيف لرجال الشرطة، فضلا عن المضايقات التى تتعرض لها من المارة والزائرين من كلمات عنصرية تصل احيانا إلى الشتائم ، وتقول يمينة “اعاني كثيراً من  الممارسات العنصرية، والكلمات المهينة، و يتلاشى إحساسي احيانا بالأمان، فكثيرا ما تعرضت للتحرش، وما يجعلني استمر هنا هو امل اللجوء إلى بلد اوربية لا غير”.

 

 

 

 

عشر دقائق هي المدة الزمنية التي تستغرقها الفنانة “فاطمة سعد”، في تحويل أيادي فتيات صغيرات إلى لوحات فنية بنقش “الحناء”، على أحد الارصفة بمنطقة المعز، أين تتزاحم صبيات وطفلات للحصول على أيادٍ تتزين بالفراشات، والورود، وزخارف هندسية خلابة.

 

وفيما تنشغل فاطمة، بنقش أحد الأشكال الهندسية على ظهر يد إحدى الفتيات تقول: “الحناء شيء من التراث يجب المحافظة عليها، ففن النقش بالحناء لا يزال حاضراً ولكن بشكل ليس كبيرا، وأنا أعمل على المحافظة عليه من الاندثار”.

 

وتعتبر الجالية السودانية في مصر من اكبر الجاليات في مصر، وفي عام 2004، تمت جهود بهدف تحسين أوضاع المهاجرين من أبنائها، تجسدت في اتفاقية الحريات الأربعة، بين الحكومتين المصرية والسودانية، التي تهدف للسماح للمواطنين السودانيين بدخول مصر إلى أجل غير مسمى دون تأشيرة ودون الحاجة إلى طلب اللجوء.

إلا أن الاتفاقية لم توفر لهؤلاء إمكانية الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والعمل، ولم تتم المصادقة عليها من قبل الحكومة المصرية، مما ترك عددا لا يحصى من المهاجرين السودانيين عالقين دون الحصول على صفة لاجئ ودون العديد من حقوقهم الأساسية.

 

ويوضح العدد القليل من اللاجئين المسجلون الذين يبلغون حوالي 000 28 لاجئ حقيقة أنه حتى عام 2004 كانت المفوضية مترددة في منح صفة لاجئ للمهاجرين السودانيين في مصر، نظرا لاعتماد مكتبها في مصر تعريفا محدودا للغاية للاجئ يفرض على طالب اللجوء إثبات “الخوف المبرر من الاضطهاد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.