ثقافة

إسماعيل فهد إسماعيل: رائد الرواية الكويتية في خدمة القضايا الإنسانية

This post has already been read 23 times!

 

مثل إسماعيل فهد إسماعيل، (1941-2018)، ظاهرة أدبية فريدة، استطاعت أن تتمرد على فضائها العائلي ثم الوطني والعربي نحو المجد العالمي.

 

 

ويعدّ رائد الرواية الكويتية ومؤسس هذا الفنّ، الذي تميز منذ بدايته بأسلوب كتابة متفرّد ومجدد، اخترق جسد الرواية العربية وقادها نحو مواكبة عصرها حتى تجاوزه.

تعرف على مجال الفكر والأدب في سن صغيرة، ولم يتجاوز حينها ال4 سنوات، ويعود ذلك إلى فترة حرم فيها والده من نعمة البصر فلجأ إلى ابنه ليقرأ له بعض الكتب.

مكنته هذه الطفولة من التميز في سنواته الابتدائية التي تجاوزها في سن 11، فلم يجد إعدادية تقبله ليواصل تعليمه في مدرسة للبنات، حتى تكونت ذاته المثقفة والراوية.

 

 

وفي كتاب خصصه رفاعي طالب لـفهد اسماعيل “كتابة الحياة وحياة كتابة”، يقول فهد في إحدى حواراته “قراءة ألف ليلة وليلة بما فيها من خيال وبطولات كانت سببا لتمردي على سلطة الأب، وفي الوقت نفسه، كان سببا لأصبح راوي الحي”.

ومع مرور الزمن بدأت شخصيته الأدبية في التشكل، فكتب مجموعته القصصية “البقعة الداكنة” عام 1968، ثم روايته الأولى “كانت السماء زرقاء”.

قال عنها الكاتب صلاح عبد الصبور “أدهشتني الرواية ببنائها الفني المعاصر المحكم، بمقدار اللوعة والحب والعنف والقسوة والفكر المتغلغل كله في ثناياها”.

وقال عنها الأديب السوري نبيل سليمان ” هذه الرواية مثل غزل البنات، حلوى ملونة، خفيفة كالنسمة، ولا تكاد تلامس الحلق حتى تذوب وجدا وقطرة ولذة”.

 

 

فقد ارتبط الأدب عند إسماعيل فهد إسماعيل بسياقه الاجتماعي والأوضاع السياسية التي عاشتها المنطقة العربية.

ويعتبر الأدب أسلوبا لنقد الواقع بأبعاده المختلفة في ظل هيمنة الثقافة الاستهلاكية على مختلف الجوانب الحياتية ومنها الأدبية  فلقّب برائد الرواية الملتزمة أيضا.

شغل الرقيب الداخلي تفكير الكاتب الكويتي، فهو يؤثر من  جهة على حرية المبدع الذي يهتمّ أن تنتشر أعماله في بلده ورد فعل الرقيب “السلطة” تجاهها.

وأكد الراحل في مختلف حواراته ولقاءاته الفكرية أن الصراع لم يكن خارج دائرة الثقافة باعتبار أن مرحلة الصراع الأيديولوجي في منطقة الشرق الأوسط استدعى وجود رقابات للأنظمة أو دينية أو اجتماعية، فحمّل ذلك المسؤولية إلى الكتّاب العرب.

 

 

وكان إسماعيل في ذلك الوقت أمام تحدي ضرورة التأثير وثنائية الالتزام بقضية شعبه والاندفاع من أجلها دون أن يغفل الجانب العقلاني وفسح مسافة بينه وبين الأحداث من أجل إدراكها، لأن الأدب بالنسبة إليه هو وظيفة اجتماعية بالأساس.

أثر توجهه الماركسي على كتاباته بالالتزام بقضايا المجتمع ونقد السياسات العربية مع إلمامه بالوضع العالمي وتأثيرات الأدب الروائي فيه. إلاّ أنه لا يقصي الجانب الآخر من الالتزام وهو ضرورة الامتاع.

ويبدو هنا تأثره الكبير بالفيلسوف اليوناني، أرسطو، في أول كتاب نقدي له “فن الشعر”، الذي يعتبر الأثر المؤسس لما يعرف اليوم بـ”النقد الأدبي”، حيث كان للمسرح الشعري أهمية كبرى في الفضاء الاغريقي.

ويقول اسماعيل فهد أسوة بأرسطو، إنّ هناك وظيفتان أساسيتان للمبدع هما:- المتعة والإفادة. فبغياب المتعة لا تكسب القارئ وفي غياب الإفادة يفقد الابداع قيمته. وإذا ما تمّ تطبيق النظرية على المجال المسرحي، يصبح هناك نوعان من المسرح مسرح الصفوة التراجيدي، والمسرح الشعبي الجماهيري، وفق رأيه

ورغم أن ارسطو اصطف إلى جانب الصفوة ، فإن الجماهير تميل للمتعة وهي نزعة ثنائية لا يمكن انتزاعها من الإنسان.

 

اسماعيل فهد والأدب الملتزم

يرى الكاتب الكويتي أنّ لالتزام عملة ذات وجهين لأنها قد تكون عائقا أمام المبدع إذا كان ملتزما أيديولوجيا، فإن لم يكن جامعا، تصبح أهدافه عكسية.

وقد فسر ذلك خلال حضوره في البرنامج الإذاعي “صلب الموضوع”، أين تحدث عن جون بول سارتر، أب الأدب الملتزم مع فلسفته الوجودية، الذي كان ماركسي في بداياته وتمرد على هذا الفكر لأن الالتزام فيه أكثر صرامة ودقة”، ومثال الفيلسوف والسياسي الفرنسي روجيه غارودي، الذي جرّب العديد من الأيديولوجيات والأديان حتى أضحى مسلما في النهاية.

وبين أن الكتاب لن يحقق دوره اذا كان معقدا مهما كان سموّ أهدافه، لأن القارئ سينصرف عنه، إلا إذا كان مأمورا وبذلك ندخل في الالتزام الموجّه، وفق تعبيره.

كما تحدث عن البلشفية مع جوزيف ستالين، ما قبل مكسيم غوركي وغيره من الأدباء الروس، حيث تحول الأدب مع ازدهار الايديولوجيا إلى بوق للسلطة، شأنه شأن الكنيسة التي هيمنت على النشاط الإبداعي قبل عصر النهضة.

في المقابل، أكد أنّ الأدب الملتزم هو الأدب الذي ينادي بقبول الآخر والحوار رغم الخلافات، وأن يلتزم بالإنسان والسلام، خاصة في العالم العرب حيث ينفي الإنسان الآخر المختلف.

ويجب، وفق تعبيره  أن تكون للايديولوجيا وجه إيجابي، لأن الانتماء لهذا المعسكر أو ذاك هو أمر، وذلك” بأن تقول ما تريد بأسلوب يسمعه الآخر وليس فقط لقراء يمثلون نسخا منّي”.

 

كاتب سابق لعصره

مع التطور التكنولوجي والثورة الرقمية، وجد فهد نفسه أمام حتمية أن يكون مستخدما فاعلا لهذا التحول أو أديبا صاحب مواقف معادية لها. إلا أنه خير  أن يكون ليس فقط ابن عصره بل أن يكون سابقا لعصره مع ما يتمتع به من ثقافة موسوعية.

وعبر عن مواقفه الداعمة للحضور عبر مواصل التواصل الاجتماعي، وهو الذي قال إنه “على الأديب ان يكون متابعا وفي تواصل دائما مع جمهوره”.

إذ كانت هناك مخاوف من تأثير التكنولوجيا على الكتاب سلبيا وتقليص دوره، فيما يبدو أنها لم تؤثر على الأدب، وفق الراحل، بقدر ما وسّعت في انتشاره.

وكان من الرواة الداعين إلى أهمية الاطلاع على الأدب العبري من أجل معرفة العدو وتفكيره، “من حقي أن أطلع على عدوي، الذي ترجم لي 10 روايات إلى العبرية”.

وأكد أنّ النكسة عام 1967، كان لها دور ايجابي في تحقيق الإبداع الأدبي والمسرحي في مصر وانتشر في العالم العربي فصارت نهضة انحصرت فيما بعد لأنها جاءت كردّ فعل ولم تفعّل واقعيا”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.