مدوناتغير مصنف

لماذا نحب الأشخاص أكثر بعد وفاتهم؟

مدونات

 

 

لأن “الموت علينا حق” فإننا عرضة دائماً لحوادث الفقد المفجعة، والتي تكون أقسى ما يكون عندما يرحل أعز الحبايب؛ الأبوان أو الصديق المقرب أو شريك الحياة، وغالباً ما نرتمي في أحضان الذكريات التي جمعتنا بهؤلاء الغوالي كوسيلة للتحايل على شعور الافتقاد أو ربما رفضاً للانصياع لقانون الرحيل الدائم، واستحضار هذه الشخصيات قسراً في حياتنا ثانيةً.

 

ما يثير استغرابي على الدوام، هو لماذا يزداد الأشخاص جمالاً بعد وفاتهم؟!

هل نقوم بإضفاء مسحة ملائكية على أفعالهم وصفاتهم أم هم فعلاً كذلك؟

عندما أتذكر أمي الحبيبة- بعد 11 عاماً على رحيلها- لا أرى سوى ابتسامتها وحنانها الزائد ومواقفها العديدة في دعمي عند أي خلاف مع والدي، ولا أتذكر شجارا واحدا حدث بيننا أو عيبا صغيرا في شخصيتها “الطفولية الرائعة”، رغم أني في قرارة نفسي أثق بأنه كانت هناك العديد من لحظات الخصام والاختلاف كعادة أي فتاة مراهقة جامحة مع أبويها..

وإن حدث وتذكرت خلافاً يكون من منطلق كيف كانت حكيمة وصائبة حين قالت كذا.. بالنهاية وفجأة لم أعد أحتفظ منها إلا بكل فعل حسن ليزداد فقدها قسوة عليّ، والأمر نفسه مع كل عزيز رحل عني وهم كثر.

بشكل مبدئي حاولت تفسير الأمر؛ وفهم “لماذا نرى الأشخاص ملائكيين ومثاليين عقب موتهم؟”، ظننت أن ذلك قد يكون نوعاً من التعاطف مع هؤلاء باعتبار أنهم رحلوا أولاً وحرموا من متع الحياة بينما ما نزال نحن نتلذذ بها، أو لأن ثقافتنا مبنية على “ذكر محاسن موتانا”، وأنه “لا تجوز عليهم إلا الرحمة”، أو ربما لأننا مقتنعين جداً بقول ابن النبيه ” الموت نقاد على كفه جواهر .. يختار منها الجياد ” فيصبح من يغيب أولاً هو الأفضل بلا تفكير، أو رغبةً منا في تذكرهم في أبهى صورة، دون شوائب أو عيوب، أو من منطلق أنه ليس من النبل ذكر مساويء شخص لن يستطيع الدفاع عن نفسه..

كانت إجاباتي مقنعة لي بدرجة ما، حتى خطر لي هذا السؤال: هل الجميع مثلي لا يحتفظون سوى بذكرياتهم الحبيبة مع الراحلين؟

وهل يوجد “تفسير علمي” لذلك؟

 

لماذا يزداد الأشخاص جمالاً بعد وفاتهم؟! هل نقوم بإضفاء مسحة ملائكية على أفعالهم وصفاتهم أم هم فعلاً كذلك؟

 

وفي رغبة مني لفهم الأمر، بدأت أبحث عن أسباب زيادة تقديرنا وحبنا للأشخاص عقب وفاتهم، بحثت في الكثير من الدراسات والكتابات حتى وجدت ذلك المقال الملهم لـ julia shaw باحثة علم النفس المتخصصة في علم الذاكرة في University College London.

تعترف جوليا في مقالها –بما أكدته سابقاً في كتابها The Memory Illusion أو خداع الذاكرة الذي نشر بأكثر من 14 لغة في 2017 وحقق مبيعات هائلة- بأنها لا تثق في ذاكرتها في العموم، وتؤكد أن جميع ما نمتلكه من ذكريات –حتى عن حياتنا الخاصة- غير موثوق، فما بال ذكرياتنا عن أحبائنا الراحلين، فلا بيت آمن للذاكرة يحمي ذكرياتنا العزيزة من الفساد أو الخطأ كما تقول.

تأكدت جوليا من صحة قناعتها تلك عندما توفي زوج أمها الذي كان مقرباً منها بشكل استثنائي، انتابتها مشاعر حزن عميق مزيج من الخراب والبؤس والعجز والخوف والافتقاد، وفي غمرة تلك المشاعر القاسية لفت نظرها في جلسات الأهل والأصدقاء ما كان يروى من ذكريات “لم تكن تحدث أصلاً” ونسبت للفقيد على أنها من المآثر! أي أننا جميعاً نعاني من نفس الشيء..

سعت جوليا –كما سعيت أنا- لتفسير ما حدث؛ لم نلصق بموتانا الأعزاء صفات ليست بهم ولم ننسب لهم بطولات ومواقف لم يقوموا بها مطلقاً، وكيف نمحو بكل بساطة عيوبهم وسلبيات شخصياتهم حتى نفتأ لا نذكرها بالمرة وكأنها هي السراب وما اخترعناه هو الثابت والحقيقة؟

توضح شو  أن الذاكرة بناء اجتماعي، لذا من المنطقي أن تتأثر بالأهواء والأمزجة، خاصة في حالة الحزن عندما يجلس أفراد العائلة أو الأصدقاء ليتشاركوا ذكريات الشخص الراحل تصبّراً على رحيله الأبدي، وما لديهم من معلومات عنه ويكون الجميع مؤهلا جداً لامتصاص أي معلومة وتصديقها.. وهنا تحدث “الخدعة” –عن غير قصد أو ترتيب..

ووفقاً لعلم النفس، فإنه من المسلّم به أن شعور الفجيعة أو الفقد لأحد المقربين يفرز محاولات لإيجاد المعنى أو ترتيب الأحداث المتعلقة بالشخص المتوفى سعيا لإبقائه ولو معنوياً.

وخلال عملية جمع الأحداث قد يتدخل الخيال لنسب أحداث وأفعال لم تقع أبداً، وهي الخدعة التي تقر جوليا أنها وقعت بها عقب وفاة زوج والدتها عندما  تأثرت بقصص الأهل المختلقة عنه وصدقتها رغم إدراكها الكامل بأنها ليست حقيقية.

لا يمكن أن ننكر كذلك تأثير ما يعرفه علماء النفس بـ “الحزن المعقد” وهو حالة من الحزن الشديد ترتبط بصعوبة استرجاع ذكريات السيرة الذاتية للراحلين، إما هروباً من تذكر حادث الرحيل المفجع أو رفضاً للاعتراف بأن المتوفى لن يعود أبداً في المطلق..

ويساعد على تفاقم الخدعة جلسات الرثاء التي يدلي فيها كل شخص بدلوه عن حياة الفقيد. فلو تخيلنا أن كل شخص يقول كذبة واحدة غير مقصودة أو معلومة غير صحيحة من قبيل الثناء على المتوفى أو ذكر محاسنه، فإننا سنجد أنفسنا بالنهاية أمام سيرة مخادعة تماماً لا يمكن أن نعول عليها عند استعراض الماضي أو قصه على الأجيال التالية، وربما ندرك ذلك في قرارة أنفسنا ومع ذلك نستمر في تداول هذه الكذبات كنوع من التكريم لهؤلاء.

وإذ تنفي جوليا إمكانية تذكر سيرة أي عزيز راحل بدقة أو حتى بشكل صائب على الأقل، لتأثير العديد من العمليات والتحيزات النفسية على الذاكرة فور حدوث الوفاة، فإنها تعترف بأنها سعيدة للاحتفاظ بالذكريات الجيدة –وإن كانت كاذبة- عن زوج والدتها الذي أفجعها فقده.. ويبدو لي أننا جميعاً نميل لهذا الخيار.

من منطلق رفضنا لواقعنا نحنّ جميعاً لكل ما فات؛ الأماكن، الأشخاص، الأحداث، والصور، نفرح بكل ذكرى ونتلهف للاستماع لأي قصة من الماضي، وإن لم نجدها نختلقها ونصدقها، وطالما لسنا مؤرخين وغير مطالبين بتحري الدقة كوننا لن نغير في تاريخ البشرية، فما دام الأمر يبهجنا ويعوضنا قسوة الواقع فلا أرى عيباً في أن نرى الراحلين ملائكيين ونحتفظ لهم بقدر كبير من المجاملة التي تبقي سيرتهم عطرةً.

 

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

اترك رد