الرئيسيثقافة

بابا الهادي.. حياة الفنان التونسي الهادي الجويني خلف الميكروفون

 

بعد مائة عام على ولادته، و27 عاما على وفاته، تبقى ذكرى الهادي الجويني محيطة بمن حوله ومحاطة بالحب والفرح والأمل والخصوصية المحلية والإبداع الكوني، حيث ترتسم ابتسامته نحو جمهور تشكله أجيال مختلفة عاشت على وقع ألحانه وانتشت بعبقريته الموسيقية.

حرصت حفيدته “كلير” على إبراز الجوانب الخفية من حياته، عبر فيلم “بابا الهادي”، الذي بيّن أبعادا جديدة في علاقاته وراء الكواليس، بعيدا عن الميكروفون.

 

 

 

لم يكن الهادي الجويني (1909-1990) فنانا عاديا، فقد عكس بموسيقاه مراحل تطور الفن التونسي على مدى عقود من الزمن وتأثيراته.

 

تميز بكاريزما فنية جعلت منه أحد أهم الفنانين التونسيين والرقم الصعب على مستوى الإنتاج والحفلات والمبيعات.

خلال مسيرته، ألّف الجويني ما يقارب عن 1000 أغنية و 56 أوبريت و100 أغنية وطنية، التي امتزجت بين الطابع المحلي والأندلسي.

 

 

ولد في باب جديد، أحد أحياء مدينة تونس العتيقة، فكان شاهدا على عصره وأبرز الوجوه التي أثثت نهضته الثقافية.

ظهرت موهبته خلال الحفلات الدينية، حيث أدّى التراتيل، وبدا شغفه واهتمامه بالموسيقى، التي أصبحت الجزء الأهم في حياته مع تأثره الكبير بألحان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
بعد انضمامه إلى الرشيدية، انخرط مع جماعة تحت السور التونسية التي تجمع المثقفين والشعراء والمطربين التونسيين وأصبح ملمّا على غرار باقي الفنانين المنضوين في الجماعة بالفلكلور والموسيقى التونسية، الموشحات، الأغاني الوطنية.

 

 

 

ويشكل اليوم جزءا من الذاكرة الوطنية للتونسيين باعتبار أن الموسيقى التي يقدمها تعدّ الأكثر شعبية في التاريخ التونسي، حتى أنه لقب بـ “فرانك سيناترا تونس”.

ظهر خلال فترة بناء الدولة الوطنية بعد استقلال تونس عن فرنسا وما عرفته البلاد من اضطرابات اجتماعية وسياسية، وعكس بأعماله الهوية التونسية بخصوصيتها المحلية وانفتاحها على العالم.

وسّمه الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة مرتين سنة 1966 وسنة 1982، بمساهمته في إثراء التراث الثقافي التونسي.

 

 


وبعد وفاته بحوالي 30 سنة، وفي ظل تهميش الدولة لإرثه الفني الكبير،  حقّقت حفيدته “كلير بالحسين” أمنية جمهور متعطش لخبايا حياة معشوق المسارح التونسية.

وأخرجت فيلما وثائقيا حول”رجل خلف الميكروفون”، التي تناولت فيها قصة الهادي الجويني، بعيدا عن الأضواء بعيون عائلته ومحبيه من الوسط الفني وخارجه ورؤية عن تطور تونس الموسيقي والثقافي. كما كان عنوان الفيلم “بابا الهادي” رمزا لصورة “عراب الموسيقى التونسية” وفق القائمين عليه، في إشارة إلى شعب بأكمله وليس لعائلته فقط.

 

 

 

يأتي هذا العمل بعد الكتاب الذي أصدره إبنه “نوفل بالحسين” الهادي الجويني: أثر العملاق”، الذي كان بمثابة شهادة للتاريخ على القيمة العظيمة لفنان عظيم ومجده ذائع الصيت، ليكتشف والده بعد وفاته.

 

كتب نوفل في مقدمة مؤلفه “لقد فُرضت عليّ الكتابة بعد تأمل طويل إثر وفاة والدي عام 1990، حتى اطلعت على جبل من المحفوظات المتعلقة به، ودخلت عالمه. ذلك الرجل الذي بدا  في ذاكرتي متسلط ودائم الغياب، اقتصر خلال حياته على فنه والموسيقى. فهمت بعد ذلك من هو الهادي الجويني ووقعت في حبّ هذا الأب الذي غاب عنّي كثيرا “.

 

 

جمع الفيلم محطات كثيرة في رحلة الفن والإبداع للهادي الجويني، حيث أعاد لذاكرة المشاهدين، تونس قبل الاستقلال ومرحلة الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تونس الستينات والسبعينات والثمانينات.

ومثل الهادي الجويني، فنانا صاحب رؤية حديثة للفن دون أن ينغلق في الطابع الموسيقي الشرقي الكلاسيكي الذي كان شائعا ومتبعا وقتها، فلم يكن لقاؤه بكوكب الشرق أم كلثوم خلال رحلته إلى مصر مثمرا رغم إعجابه بألحانه.

 

 

وتمكن الفيلم من الولوج إلى أسرار عائلة الجويني أو “بالحسن” وهو الإسم الحقيقي للعائلة قبل أن يختار الفنان التونسي لقب شهرته بنفسه.

وأبرز الخلافات التي نشبت داخل عائلته بعد وفاته، خاصة مع تسليم زوجة الراحل لأرشيفه الموسيقي إلى أحد أبنائها “نوفل” من أجل العمل عليه ونشره إلا أن الموقف لم يعجب الإبن الأكبر “فريد” ليقاطع أخاه طيلة 15 سنة.

فمثل الفيلم علاوة عن إحياء الذاكرة الفنية، مرحلة جديدة في حياة أسرة تشتت لسنوات وتصالحت أثناء التصوير.

 

ورغم أهميته، مثل الفيلم بالنسبة لألفة التراس، منتجة العمل وصاحبة مؤسسة رامبورغ، مغامرة، باعتبار أنه فيلم توثيقي غير ربحي،ي عنى بالثقافة والتراث في تونس.

وأكدت في تصريح لـميم خلال العرض المخصص للصحفيين أنها وافقت على مساعدة كلير لقيمته المعنوية، وفق تعبيرها، ولسعي المخرجة المتواصل منذ 10 سنوات من أجل استكماله.

من جانبها تحدثت كلير، مخرجة الفيلم عن صعوبة أن تكون مخرجة الفيلم وإحدى بطلاته التي تروي حكايتها وحكاية والدها وعائلة بالحسين بخلافاتها وتشتتها ثمّ لقائها.

 

 

لعل ما يخفى على الكثير من التونسيين ومحبي هادي جويني أنّ زوجته “وداد” هي “نينات” في الأصل وهي فنانة من أصول يهودية ارتبطت به فنيا ثم عاطفيا رغم أنه يكبرها ب22 سنة.

تميزت بجمالها ورقتها وصوتها القوي، إلا أن الجويني رفض أن تكون زوجته فنانة رغم تفتحه.

تقول عفيفة بالحسين، “كان والدا متفتحا لكن من فرط حبه لزوجته خبّأها عن الإعلام والجمهور، حتى أصرّ مخرج فيلم “الباب السابع” وهو عمل فرنسي مغربي، يمثله الهادي الجويني، على أن تقوم بأداء دور البطولة مع زوجها لشدة إعجابه بها.

 

 

 

لم يتقبل “بابا الهادي”، أيضا فكرة أن تكون إحدى بناته فنانة رغم سماحه لأبنائه الذكور بذلك، وهو ما وثقه الفيلم على لسان إحدى بناته “سامية” التي قالت إنها كانت تخشى أن تغني حتى في الحمّام  خوفا من أن يسمع والدها ذلك”.

 

 

“لولا الفيلم، وفق عفيفة، لما اكتشف الجمهور هذه الخفايا عن حياته ولما عرفوا عنه شيئا”، مبدية استغرابها من تهميش إرثه الموسيقي.

 

وأكدت في تصريح لـ”ميم” أنّ تونس لم تقدم شيئا لوالدها الذي يعدّ”سيناترا وفنانا عالميا تؤدى أغانيه اليوم بجميع لغات العالم”. وأكدت أن الإذاعة التونسية رفضت تسليم فيديو جنازته لعائلته، مبدية تأثرها الكبير بهذا الرفض.

 

 

وعن استغلال موسيقى الجويني في الأعمال الفنية الحالية دون طلب قانوني، صرحت عفيفة أن العائلة قدمت شكاية لسنوات دون أي نتيجة تذكر، لأن استغلال أعماله يندرج وفق هؤلاء الفنانين ضمن إحياء التراث التونسي، فيما اعتبرت أن ألحانه لا تندرج في هذه الخانة لأن وفاته لم تتجاوز 50 سنة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد