مجتمعسياسة

البرلمان التونسي على صفيح ساخن قبل أشهر من إنتخابات 2019

 

تنطلق السنة البرلمانيّة الجديدة والأخيرة من عمر مجلس النواب التونسي المنتخب منذ نهاية سنة 2014 ساخنة أكثر من العادة لا فقط بحكم طبيعة مشاريع القوانين والمهام الملقات على عاتق المجلس ولكن بحكم طبيعة المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيّا في الأشهر الأخيرة وإنعكاسات ذلك السلبية على أشغال المجلس وعلى صورته لدى الرأي العام.

 

ترحيل الأزمة السياسية إلى باردو

بعد أن كان النقاش يتعلّق بحسم المسألة ضمن حوارات قرطاج التي أشرف عليها رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي تمّ ترحيل “مأزق النقطة 64″، البند الأخير من “وثيقة قرطاج 2” التي علّق النقاش حولها رئيس الجمهورية، إلى مجلس نوّاب الشعب بإجماع معلن من المساندين لبقاء رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد والرافضين لبقائه في القصبة.

حركة النهضة لم تعد الوحيدة التي تطالب بالتوجّه إلى مجلس نواب الشعب لحسم مسألة تجديد الثقة أو سحبها من رئيس الحكومة يوسف الشاهد فقد حملت تطوّرات الأزمة السياسية تطوّرات في المواقف التي أصبحت داعمة لهذا التوجه على غرار الإتحاد العام التونسي للشغل الذي تحدّث أمينه العام نور الدين الطبوبي بوضوح عن أن المجلس سيكون الحكم والفيصل في الخلاف الحاصل بشأن رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

 

الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق صرّح بدوره لإحدى الإذاعات المحلية أن الذهاب لمجلس نواب الشعب وعرض الحكومة على النواب أمر لا بد منه وهو موقف يشابه إلى حدّ بعيد النصيحة التي توجّه بها رئيس الجمهورية في آخر حوار تلفزي له مطلع الأسبوع الجاري إلى رئيس الحكومة طالبا منه الحصول على شرعيّة برلمانيّة تلجم منتقيده والمطالبين برحيله.

 

الباجي مستقبلا رئيس مشروع تونس، المنشق عن نداء تونس، في خضم صراعه مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد

مسائل حارقة

بالإضافة إلى مسألة سحب الثقة من عدمها عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه الحالي التي ربّما لن تحسم أصلا، يستعدّ مجلس نواب الشعب لحسم مسائل حارقة ومهمّة في الأشهر القليلة القادمة قبل إنتخابات 2019 تشريعيّة ورئاسيّة أوّلها قانون الماليّة للسنة القادمة الذي بدأ يثير الإنتقادات قبل الشروع في مناقشة فصوله.

 

الأزمة السياسية ومعها الأزمة الإقتصاديّة وما خلفته من توتّر إجتماعي تجعل من الفترة الشتوية المخصصة لمناقشة قانون المالية والمصادقة على صيغته النهائيّة فترة ساخنة، في ظل تزامن ذلك مع تنامي وتيرة الحركات الإحتجاجيّة الإجتماعيّة التي تشهد وتيرة متصاعدة من سنة إلى أخرى، مع تغييب الجوانب الإقتصاديّة والإجتماعيّة وسطوة الصراعات والنقاشات الثقافية والإيديولوجيّة على المشهد.

 

التلويح بالإضراب إذا لم يرضخ الشاهد ويقدم استقالته.. طغيان السياسي على الأجندة

 

بعد الإنتهاء من قانون المالية لسنة 2019 وما يرافقه سنويا من توتّر إجتماعي سيكون مجلس نواب الشعب أمام مسؤوليّة حسم ملفّ إرساء المحكمة الدستوريّة التي تأخّر تركيزها ثلاث سنوات وعجزت الجلسة العامة عن إنتخاب أعضاءها في أكثر من مرّة بسبب خلافات سياسيّة وحزبيّة حول الأسماء المرشحة رغم تصاعد الأصوات المطالبة بضرورة حسم هذا الملفّ سريعا.

 

لا يتعلّق الأمر بتركيبة المحكمة الدستورية فحسب، فالهيئة العليا المستقلّة للإنتخابات معطّلة بدورها بعد سحب الثقة عن رئيسها الحالي وترحيل أزمتها الداخلية إلى مجلس نواب الشعب لإنتخاب رئيس جديد لها وهو موضوع حسّاس يجب أن يحسم قبل فترة لا تقلّ عن تسعة (9) أشهر قبل تاريخ الإنتخابات التشريعية والرئاسيّة لسنة 2019 القادمة.

 

أزمة متفاقمة تحت قبّة باردو

في الوقت الذي ينصّ فيه الدستور التونسي الجديد على مكانة مركزيّة لمجلس نواب الشعب في ظلّ النظام السياسي الجديد للبلاد الذي قطع مع النظام الرئاسي، تشهد صورة السلطة التشريعيّة إهتراءا كبيرا في مخيّلة التونسيين لأسباب كثيرة لعلّ أبرزها السياحة البرلمانيّة والتغيّر المستمر لأحجام الكتل النيابية إلى جانب كثرة الغيابات وغيرها.

 

كتلة نداء تونس تتفتت، شق جديد يبرز بين شتاتها مكون من أنصار الشاهد، أطلق علة نفسه اسم “كتلة الإئتلاف الوطني”

 

منذ تسرّب الأزمة داخل حركة نداء تونس حزب الرئاسات الثلاث والأكثرية البرلمانية إلى كتله البرلمانيّة تشهد موازين القوى البرلمانية تغيرات متسارعة ومستمرّة وإنتقلت العدوى إلى أحزاب أخرى كثيرة شهدت إستقالات وإقالات ففي الأيام الأخيرة مثلا وبالتزامن مع الأزمة السياسيّة الأخيرة شهدت كتل نداء تونس وآفاق تونس وكتلة الحرة وغيرها إستقالات متتالية تشكّلت على إثرها كتلة جديدة تحت مسمّى “الإئتلاف الوطني” تحتلّ حاليا المركز الثاني برلمانيا بعد كتلة حركة النهضة.

 

من جانب آخر ورغم إقرار مكتب مجلس نواب الشعب لقانون الإقتطاع الآلي يتواصل نزيف الغيابات عن الأشغال البرلمانيّة التي باتت معلّقة بين مطرقة الأزمات داخل بعض الأحزاب وسندان الغيابات غير المبرّرة للنواب وهو سلوك أثار حفيظة المتابعين للجلسات العامة عبر شاشات التلفاز ناهيك عن التأخير الحاصل على إنطلاق أغلب الجلسات العامة في السنوات الفارطة بسبب غياب النصاب أو قدوم النواب متأخرين.

 

السياحة البرلمانية وغيابات النواب وغيرها ساهمت بشكل كبير في إهتراء صورة السلطة التشريعية لدى الرأي العام التونسي خاصّة بعد أن عملت أطراف خرى من خارج المجلس وحتى منداخله على الدفع نحو ذلك في محاولة لمحاصرة السلطة المنتخبة من طرف الشعب بشكل مباشر.

 

فرصة أخيرة

باتت الكرة في ملعب مجلس نواب الشعب خلال الأشهر التبقية من الأغال البرلمانية قبل إستحقاقات سنة 2019 الرئاسية والتشريعيّة فالأزمة السياسية ومعها الأزمة الإقتصادية والإجتماعيّة باتت على طاولة نواب الشعب الذي ستتجه نحوهم الأنظار لحسم عناوين وخلافات كثيرة وكذا لتجاوز عطالة هيئات دستوريّة.

 

السنة البرلمانية الأخيرة تعتبر بمثابة الفرصة الأخيرة لنواب الشعب لإثبات مكانتهم في المشهد ومكانة السلطة التشريعية الممثلة لكل أطياف المجتمع حيث ستظهر جليا مدى قدرة هؤلاء على تغليب المصلحة الوطنيّة وعلى وضع لبنة أخرى من لبنات مسار الإنتقال الديمقراطي في البلاد وهي فرصتهم لتجاوز آثار الصورة السلبية طيلة السنوات الأربع الفارطة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.