الرئيسيثقافة

ابن خلدون، فيلسوف التاريخ ومؤسّس علم الاجتماع

سلسلة الحضارة الإسلامية والعلوم

 

 

     في خضمّ عصرٍ عصفت به الدسائس وشكّلته صراعات السياسة، وُلِد وليّ الدين عبد الرحمان بن خلدون، مؤسّس علم الاجتماع وواضع أصول فلسفة التأريخ. من أصول عربيّة من ديار حضرموت في بلاد اليمن، استوطنت عائلته إشبيليّة في ذروة مجدها الإسلامي. وكان الجدّ الأوّل خالد رجلًا عظيم الشأن، فصُغِّر اسمه على طريقة أهل إشبيليّة ليصير خلدون، ومنه حملت العائلة الاسم.

 

شهد أجداده حقبة تدهور الأندلس، فهاجروا مُحمَّلين بذكريات مجدٍ زائل، وتفرّقوا بين بلاد المغرب، بينما استقرّت عائلة عبد الرحمان بن خلدون في تونس، حيث وُلِد في عام 732 هجري الموافق لـ 1332 ميلادي لأبٍ من الوجهاء وعائلة عُرِفت باهتمامها بالعلم والفكر والسياسة.

 

 

البيت الذي ولد فيه ابن خلدون بمدينة تونس العتيقة

 

 

 

 

 

 

وفي تونس، صار آل خلدون عائلة شهيرة، حتّى أصبح بيت عبد الرحمان قبلة لكلّ طالبي العلم والمعرفة. وقد اهتمّ الأب بأن يتلقّى أبناؤه العلم مبكِّرًا على يد كبار علماء تونس وشيوخها، فدرس بن خلدون الأدب العربي والفقه الإسلامي وفق المذهب المالكي وعلم الكلام، ثمّ أكمل بالفلسفة والتاريخ.

 

الكتاب الذي تعلم عبد الرحمان فيه القرآن وحفظه، ويقع في نهج تربة الباي في مدينة تونس العتيقة

 

 

وكان بن خلدون وهو مازال صبيًّا، نبيهًا متميّزًا، وتتلمذ على يد كبار علماء الثقافة العربيّة الإسلاميّة، ومنهم العالم الجليل أبي عبد اللّه محمّد بن إبراهيم الآبليّ.

 

مسجد القبة، الذي ارتاده العلامة في صغره، ويقع غير بعيد عن بيت أسرته

 

 

لكنّ تقلّبات الزمان بدأت مبكِّرًا مع بن خلدون، فقد اجتاح الوباء الأسود حوض البحر الأبيض المتوسّط عام 1348 ميلادي، وأتى على عائلته وبعض أساتذته وشيوخه، ونجا بن خلدون ليعتكف على القراءة في الثلاث سنوات اللاحقة كي يشغل نفسه عن مصاب فقدانه لأهله.

 

جامع الزيتزنة المعمور أين درس ابن خلدون بعد حفظه القرآن وتعلمه مبادئ اللغة العربية

 

 

في العشرين من عمره، استدعاه أبو محمّد بن تفراجين وزير الدولة الحفصيّة ليكتب العلامة السلطانيّة عن سلطان تونس، حيث عُرِف عنه فصاحة اللغة وروعة الأسلوب، فقبلها كارهًا.

وجاء الفرج أخيرًا، بهزيمة ابن تفراجين في معركة له مع سلطان تونس المعزول ابن الفضل، ليفرّ ابن خلدون بعلمه وحياته إلى مدينة بسكرة في الجزائر، حيث تزوّج هناك من إحدى بناتها.

عندما ذاع صيت ابن خلدون، الشابّ العالم، أرسل إليه ملك فاس أبو عنان المريني يستدعيه ليضمّه إلى مجلسه العلميّ، ثمّ استعمله ليتولّى الكتابة مؤرّخًا لعهده وما به من أحداث، لينال فرصة لطالما تمنّاها، وهي أن ْ يكون شاهدًا على عصرٍ يُصنَع أمامه، ليعيد قراءته بعين العالم المؤرّخ، خاصّة أنّه عاش في عصر تحوّلت فيه مراكز القوّة والجذب في العالم الإسلامي.

 

 

 

فبعد أن سقطت بغداد في يد المغول، أصبحت القاهرة مركزًا سياسيًّا في العالم العربي الإسلامي، وباتت بلاد المغرب ممالك متفرّقة وبقايا تاريخ كان مزدهرًا يومًا مّا.

وقُدِّر له رحيلٌ آخر، ولكن هذه المرّة عبر البحر إلى غرناطة الّتي وصلها في أوائل عام 1363 ميلادي. وفي بلاط السلطان أبي عبد اللّه بن نصر، ثالث ملوك بني الأحمر بغرناطة، اقترب أكثر من الطبقة الحاكمة وخبِر السياسة، بعد أن عيّنه الملك وزيرًا له. وكان وسيطًا في صلح تاريخيٍّ بين بيدرو ملك قشتالة وبين ملوك المغرب.

ارتحل ابن خلدون إلى إشبيليّة، حيث كان يعيش أجداده، وظلّ لفترة يسجّل كلّ ما كان يراه من أحداث ومن بقايا تاريخ المسلمين بالأندلس ويحلّله، حتّى جاء وقت الرحيل فلملم أوراقه وعاد أدراجه إلى المغرب. لكنّه وجد المؤامرات والدسائس في انتظاره، ولم يجد سوى الاعتكاف والانقطاع إلى العلم، قارئًا ومدوّنًا حصاد عشرين عامًا من الترحال والتقلّب بين دهاليز ودواوين الحكم التي عاشها بعقل العالِم بقدر ما عايشها بروح السياسيِّ المخضرم.

وظلّت الأندلس لابن خلدون حلمًا لا يغيب عن مخيّلته حتّى جاءت الفرصة ثانية ووصل إلى الأندلس عام 1375ميلادي، ولم يكدْ يمرّ العام حتّى اُضْطُرَّ للعودة إلى المغرب للمكوث بالقرب من أهله الّذين تركهم هناك، ولكي يتفرّغ طيلة 4 سنوات شرع خلالها في تأليف كتابه الشهير “العبر”، وهو كتاب ضمّ 4000 صفحة، صاغ في مقدّمته الشهيرة القوانين الّتي تتحكّم في سيرورة التاريخ والعوامل المؤثّرة فيه، وكلّ ما هو يتعلّق بتفسير التاريخ والعوامل المتحكّمة فيه، معلنًا عن نشأة فلسفة التاريخ.

 

 

صفحة من مقدمة ابن خلدون بخط يده

 

عاد بعد هذه الفترة إلى تونس، حيث أقبل عليه طلبة العلم، تاركين شيوخًا لم يعدْ لديهم ما يقدّموه، بينما كان لدى الفيلسوف المؤرّخ الكثير، فأثار هذا الأمر حفيظتهم وطاردته الدسائس والمؤامرات، فلمْ يجدْ من مهرب سوى الكتابة، وانكبّ مجدّدًا على إكمال كتابه “العبر”، ليكمل نسخة جديدة يرفعها للسلطان أبي العبّاس مرفوقة بطلب الرحيل إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحجّ.

 

في 1383 ميلادي، سافر إلى الإسكندريّة عبر البحر، أين مكث شهرًا يجهّز للسفر إلى البقاع المقدّسة، لكن لم يُقدَّرْ له الحجّ في هذا العام، فاتّجه إلى القاهرة الّتي بهرته معالمها ومجالس علمائها، وبقي في القاهرة 7 سنوات، دارسًا ومتأمّلًا ومفسّرًا أسباب تميّز بلاد مصر وإشعاعها في عهد المماليك، ودوّن كتاباته هذه وأضافها لمقدّمته الشهيرة في نسخة منقَّحة خطّها بيده، متحدّيًا ما مرّ به من أحداثٍ جسام في تلك الفترة، حيث غرق من تبقّى من أفراد عائلته في عرض البحر حين كانوا بصدد اللحاق به في مصر.

 

 

كتاب ابن خلدون العبر

 

 

ونتيجة لكتاباته عن مصر وحضارتها، وكاعتراف بعلمه الغزير وموسوعيّة معرفته، ولّاه سلطان مصر “الظاهر برقوق” مجلس الحكم بالمدرسة الصالحيّة (مهمّة القضاء)، ولكنّ ابن خلدون لم تشغله وظيفته ومجالس العلم عن مواصلة بحوثه وتأليفه لأجزاء أخرى من كتابه “العبر”، بعد أن وجد في مكتبات القاهرة رصيدًا كبيرًا من الكتب لم يقرأها حين كان في بلاد المغرب، فاضطرّ بعد الاطّلاع عليها أن يضيف إلى تحليله لتاريخ العرب والبربر تاريخ العجم والأمم الأخرى، فأصبح كتاب “العبر” في صيغته النهائيّة متكوّنًا من 7 مجلّدات إضافة إلى المقدّمة.

 

 

رسم توضيحي للمدن الّتي عاش فيها ابن خلدون

 

 

عصفت التقلّبات السياسيّة بالسلطان برقوق، وعُزِل ابن خلدون عن كرسيِّ القضاء وعاد للتدقيق فيما ألّفه وبحث فيه، وانكبّ لعشر سنوات، وهو في الستينات من عمره، على كتاب العبر ومقدّمته الشهيرة تدقيقًا ومراجعة، ليخرجه أخيرًا في نسخته الأولى في 1394 ميلادي.

في عام 1401 ميلادي، دخل القائد المغولي تيمورلنك الشام بجيوشه واحتلّ مدينة حلب، فقرّر السلطان المملوكي الناصر فرج بن برقوق الخروج لمحاربته خوفًا من مزيد توسّعه وتهديده لمصر، واصطحب معه ابن خلدون للسفر معه كي يستشيره ويأخذ برأيه.

وحين كانت الحرب مشتعلة بين الجيشيْن، وصل خبر تآمر الأمراء في مصر على السلطان المملوكي الناصر فرج، فقرّر العودة للقضاء على الفتنة ومن ثمّ الرجوع مجدَّدًا لمحاربة تيمورلنك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.