اختيار المحررينثقافةغير مصنف

ريا وسكينة: حكاية سفاحتين بين سجلات الجرائم والتناول الدرامي

شهد سلامة- مجلة ميم

 

الجريمة انثى ايضا.  هذا ما نخلص اليه من سجلات تاريخ الجريمة العالمي الذي يحفل بوقائع اجرامية موغبة في الدموية والتوحش اقدمت عليها نساء وقد تخلين عن رقة الجنس الناعم في لحظة ما لارتكاب فظاعات يعجز العقل احيانا عن استيعابها.

 

في عالمنا العربي تحفل سجلات الجرائم باسماء نساء اقترفن ما تشيب لهوله الولدان، ولكن ظلت الذاكرة تحتفظ باسم الشقيقتين ريا وسكينة بشكل مخصوص.

 

يعود ذلك الى ان ريا وسكينة هما اول سيدتين يتم تنفيذ حكم الاعدام عليهما في التاريخ الحديث كما ذاعت شهرتهما بشكل لافت ليس في الصحافة المكتوبة فحسب وانما في المجال الابداعي.

 

فقد كانت قصتهما مجالا خصبا للاستلهام منها في اعمال فنية في الاذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما.

 

الفقر واليتم بداية الطريق الى عالم الجريمة

تعود حكاية السفاحتين الشهيريتين الى مرحلة العشرينات في مصر وتحديدا في مدينة الاسكندرية الساحلية التي عرفت بالتنوع البشري في نسيجها الاجتماعي وفي هذا السياق قدمت الاختان ريا وسكينة الى هذه المدينة الصاخبة من احدى قرى الصعيد المصري لتستقرا بها هربا  من الفاقة التي كانت تحاصرهما منذ الطفولة الى جانب اليتم والتشرد وقد كانتا   تقتاتان من جمع القطن في الحقول .

استقرت ريا في البدء مع زوجها حسب الله في حي اللبنان الذي يعد من الاحياء الشعبية الفقيرة والعشوائية التي يقطنها اصحاب الصنائع وصغار التجار. ثم التحقت سكينة بشقيقتها ثم تزوجت هناك بمحمد عبد العال جار هذه الاسرة.

حدث ذلك عام 1918 وكانت البلاد تمر بأزمة اقتصادية خانقة تفشى خلالها الفقر المدقع والجريمة وهي من اثار الحرب العالمية الاولى.

 

ريا وسكينة

 

من الطبيعي ان تتأثر ريا وسكينة بهذا الوضع فاتجهتا مع حسب الله وعبد العال الى العمل في مجال الخمور وغيرها ثم ساورتهم فكرة استدراج السيدات وسرقة مصوغهن ثم دفنهن دون ان يعلم احد بذلك. وسرعان ما تحولت هذه الفكرة الى حيز التطبيق. فباشرت هذه الاسرة اعمالها الاجرامية.

وعملت بطريقة العصابات المحترفة حيث كانت ريا وسكينة تجوبان اسواق الاسكندرية لاختيار الضحية من النساء اللواتي ينتمين الى اسر ميسورة الحال ثم يقمن باستدراجها الى منزلهما على اساس انهما تعملان في مجال التجارة وهناك تسقى الضحية مشروبا فيه خمر حتى تسكر فتسهل السيطرة عليها ثم يكمم فمها بقطعة قماش وتجرد من مصوغها قبل ان تقتل وتدفن في بيتهما.

ثم يتم ترويج المصوغ لدى  تجار الذهب في السوق وتقتسم العصابة مردوده المالي.

 

ريا وزوجها حسب الله

 

17 جريمة دون ان يفتضح امر السفاحتين

رغم ان اخبار حوادث القتل قد انتشرت بشكل كبير في الاسكندرية واصبحت حديث القاصي والداني الا انه لا احد توصل الى الجناة الحقيقين وقد بلغت جرائم ريا وسكينة حوالي 17 ضحية حتى باتتا سفاحتين بالفعل.

وسرت حالة من الهلع والذعر في صفوف نساء الاسكندرية بعد ان ذاع صيت عصابة السيدات المختصة في الاختطاف والقتل. وكانت سنة 1920 و1921 مما يمكن تسميته بعامي الخوف فقد امتلأت سجلات الجرائم بملفات قتل السيدات ولم يتوصل المحققون للسبب الذي يكمن خلف سلسلة الجرائم المتتالية التي عصفت بالمدينة. ولم يفهم السبب سوى بعد تقدم سيدة بشكوى مفادها ان ابنتها كانت ترتدي الكثير من المصوغ عندما اختفت او اختطفت وهو ما رجح فرضية السرقة لدى المحققين.

في الاثناء كانت ريا وسكينة بمنأى عن الشبهات وكان من الصعب الوصول اليهن او افتضاح امرهن.

وقد ساعدت الكثير من العوامل على عدم انكشاف امر السفاحتين اولها ان ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي ميز تلك المرحلة قد جعل عديد النساء يهربن من بيوتهن بحثا عن ظروف عيش افضل او لاسباب عاطفية في ظل تسلط الوالدين ومنعهم الزواج على بعض الفتيات. وهو ما خلق حالة تضليل على اسباب الاختفاء التي لم يكن من المرجح ان تكون اجرامية بالاساس.

كما انه في تلك الفترة لم تكن اوراق ثبوت الهوية قد انتشرت وهو ما جعل معرفة الاشخاص المختفين امرا في غاية الصعوبة. كما ان لباس السيدات الذي كان شبه موحد حيث يرتدين الملاية السوداء وغطاء وجه وهو ما يجعل معرفتهن والتمييز بينهن امرا صعبا.

هذا الى جانب هذه المعطيات كانت ريا وسكينة تعمدان الى نسج علاقات مع ضحيتهن واستمالتها بالكلام المعسول قبل استدراجها الى البيت الذي كانت تدخله بمحض ارادتها واختيارها ودون لفت انتباه وهو ما جعل الجريمة تتم بمنتهى السرية.

كما ان تحريات الشرطة كانت تصب في خانة ان تكون العصابة من الرجال ولم يشك احد ان تكون هناك نساء ضالعات في هذه الجرائم، ولذلك ظلت السفاحتان ريا وسكينة بمنأى عن الملاحقة او حتى مجرد الشك.

 

 

هكذا قادت الصدفة الى معرفة الحقيقة واعدام الشقيقتين

ولم تنكشف جرائمهما سوى عن طريق الصدفة عندما اراد ايطالي استأجر البيت من صاحبه الضرير ان يوصل المياه الى البيوت وتطلب ذلك حفر قنوات واثناء تلك العملية تم العثور على الجثث.

وكان من الطبيعي ان تستدعى ريا وسكينة وحسب الله وابنتهما الصغيرة بديعة الى جانب سكينة وزوجها عبد العال.  وقد اعترفت الطفلة بما شاهدته من افعال ومع ذلك انكر البقية الجرائم قبل ان تتم مواجهتهم بكل الادلة وهو ما جعلهم يعترفون بكل ما نسب اليهم.

وصدرت في شأنهم جميعا احكام اعدام ونفذت فيهم في ديسمبر 1921، لتغلق قصة اشهر سفاحتين عرفتهما مصر والعالم العربي.

ونظرا لوجود تفاصيل درامية وتشويقية في قصة ريا وسكينة فكان من الطبيعي ان ينكب عليها الفنانون وان يستلهموا الكثير منها كل وفقر زوايا نظر فنية وجمالية.

 

 

 

مقاربة سينمائية تراوح  بين الهزل والجد في حكاية السفاحتين 

بعد حوالي ثلاثة عقود من الزمن برز للوجود فيلم موسوم بريا وسكينة  من بطولة  انور وجدي بالاشتراك مع نجمة ابراهيم وزوزو الحكيم وفريد شوقي وشكري سرحان.

وقد انتج هذا الفيلم عام 1953 وقدمه   المخرج صلاح ابو سيف. وتمت اضافات عن القصة الحقيقية، من ذلك ان السيناريو جعل من ضابط الشرطة الباحث عن حقيقة العصابة البطل وجعل دوره مركزيا.  كما جعله مكتشف السر الرهيب للسفاحتين كما قدمهما في صورة بشعة ومقيتة تنفر المشاهد منهما.

واضاف المخرج صلاح ابوسيف الكثير من التفاصيل التي اضاءت على الكثير من الاوضاع الاجتماعية والانسانية لفترة العشرينات في مدينة الاسكندرية.

 

 

بعيد هذا الفيلم قدم نجم الكوميديا الصاعد بسرعة الصاروخ وقتها اسماعيل ياسين فيلما بعنوان طريف هو اسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة وشاركه البطولة نجمة ابراهيم وزوز الحكيم اللتان قامتا في هذا الفيلم ايضا بدور ريا وسكينة.

 

 

اشترك في البطولة كل من عبد الفتاح القصري ورياض القصبجي وعرض عام 1955 وطغت عليه المسحة الهزلية على عكس الفيلم السابق.

بعد حوالي ثلاثين عاما عاد صناع الفن السابع في مصر الى سيرة اشهر سفاحتين في التاريخ الحديث فقدمها  المخرج احمد فؤاد  في فيلم من بطولة  شريهان ويونس شلبي وسناء يونس وحسن عابدين.

 

 

وطرحت القصة هذه المرة ايضا بشكل كوميدي خفيف وهي حكاية متخيلة عن شاب يتنكر في ثياب سيدة ويدعي انه من عصابة ريا وسكينة ليلتقي بخطيبته التي تعمل خادمة لدى ضابط شرطة في الاسكندرية في فترة انتشار جرائم ريا وسكينة وتروق له هذه اللعبة لكنه يقع في شباك الشقيقتين. ولأن هذا الفيلم الذي انتج في عام 1983 جاء في مرحلة ما يعرف بسينما المقاولات وقد طغى عليه الاستسهال فإنه لم يحقق اضافة على المستوى الفني والجمالي ولا على مستوى اضافة اضاءات على الوقائع الاجرامية لسفاحتي الاسكندرية.

عندما تتحول الجريمة الى سحر المسرح الاستعراضي 

لعل اهم عمل فني قدم وبلا منازع حول ريا وسكينة هو المسرحية التي كتبها بهجت قمر واخرجها حسين كمال  وقدمتها النجمة شادية في اول واخر تجربة لها في مجال الفن الرابع واشتركت فيها مع نجوم الكوميديا عبد المنعم مدبولي و سهير البابلي واحمد بدير. وانتجت عام 1980 وكانت حدثا مسرحيا بامتياز فهي عمل كوميدي استعراضي ذو طابعي انساني عميق قدم لأول مرة اضاءات على خلفية سفاحتي الاسكندرية واشار الى الاسباب العميقة التي قادتهما الى مستنقع الجريمة ومن ضمنها الفقر واليتم والظروف الاجتماعية الصعبة.

 

 

جاء تقديم كل ذلك في اطار مبهر ومبهج اضفت عليه الاستعراضات والاغاني التي قدمتها معبودة الجماهير سحرا الى جانب الطابع الكوميدي الذي جعل العمل مستساغا وناجحا الى اليوم رغم مرور قرابة عشرين عاما على انتاجه.

وتضافرت عديد العوامل لتنجح هذه المسرحية من بينها ان الملحن الراحل بليغ حمدي والشاعر عبد الوهاب محمد هما من ابدعا الاغاني التي قدمت خلال هذه المسرحية اما الرقصات فقد صممتها فرقة رضا الاستعراضية الشهيرة.

 

 

 

الأسباب التي قادت السفاحتين الى المستنقع كما صورتها الدراما التلفزية

لم تهمل الدراما التلفزية قصة السفاحتين ريا وسكينة فتم تقديم مسلسل عن حياتهما والظروف والملابسات التي حفت بدخولهما عالم الجريمة.

انتج هذا المسلسل عام 2005 وقام ببطولته كل من عبلة كامل وسمية الخشاب وسامي العدل ورياض الخولي وصلاح عبد الله وهو من اخراج جمال عبد الحميد وتأليف صلاح عيسى وهو من صنف دراما عالم الجريمة.

واستعرض المسلسل ليس وقائع الجرائم التي ارتكبت من قبل ريا وسكينة ولكن خاصة المناخات العامة التي جعلت منهما سفاحتين مع استفاضة في التطرق للاوضاع العامة التي كانت تعيشها مصر في تلك الظرفية التاريخية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد