اختيار المحررينثقافةغير مصنف

تعرف على تاريخ المطابع الجزائرية

 

         

مثَّلت الطباعة إحدى الضرورات الإنسانية التي صاحبت ظهور الكتابة، فقد اكتُشفت عدة أشكال بسيطة من آليات الطباعة في العراق وبلاد الشام منذ نحو 5000 سنة قبل الميلاد، كانت مجموعةً من الأختام الملكية لتمييز السلع التي تُنقل عبر نهر دجلة والفرات، أو الأختام التي توثق المراسلات بين المسؤولين الكبار أو بين قادة الدول آنذاك، لكنها ظلت منحصرة في حالات ضئيلة جدا من المعاملات الرسمية حتى بعد نشأة الدولة الإسلامية.

 

أختام ذهبية لبلاد ما بين النهرين

 

فقد كان للنبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم يطبع به عبارة “محمد رسول الله” في مراسلاته لملوك روما وفارس ومصر والبحرين وغيرها، وبعد النشاط الهائل لحركة التأليف العربي في كافة المجالات الدينية والعلمية والأدبية والفلسفية كانت آلية النسخ هي المسيطر الوحيد على عملية النشر باللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى (التركية القديمة، الفارسية، المغولية وغيرها)، والأمر نفسه فيما يخص اللغات الشرقية والغربية المتزامنة مع حركة الكتابات الإسلامية التي انطلقت منذ القرن السابع للميلاد.

 

ختم النبي محمد عليه الصلاة والسلام

 

 

وقد كان علينا الانتظار حتى عام 1798م ليأتي نابليون بـ”آلة البروباغاندا” والتي تُعَدُّ أول طابعة تدخل العالم العربي وبالضبط في القاهرة، كانت هذه الآلة مزودة بالحروف اللاتينية والعربية واليونانية وقد عمد نابليون إلى التوصية بذلك لنشر دعايته عشية حملته على مصر، وفعلا تمت طباعة بياناته باللغة العربية بالإضافة إلى التركية والفرنسية.

 

وثيقة أصدرتها مطبعة نابليون

 

 

وبعد نحو 60 سنةً؛ قام الفرنسيون بحملة مشابهة وأدخلوا آلة الطباعة كذلك لاستخدامها في الدعاية للترويج بأن احتلالهم سيكون في صالح الشعوب “المتخلفة”.

كان ذلك على بُعد 2800 كم من القاهرة، وبالضبط في الجزائر حيث أنشأ المعمر الفرنسي ألكسندر موغان (Alexandre MAUGUIN) أول مطبعة داخل التراب الجزائري في وسط مدينة “البُليدة”، كان ذلك عام 1857م، حيث كان يساعده في تسييرها ابن أخيه ألبرت بيلنجي، ويمثل المبنى الخاص بمطبعة موغين أحد أشهر المباني الأثرية التي تحتضنها مدينة البليدة لحد الآن.

 

مطبعة موغان بالبليدة

 

 

عامل في مطبعة موغان بالبليدة

 

 

وقد كان من بين أولى المنشورات العربية لهذه المطبعة كتاب “الفوايد في العوايد والقواعد والعقايد” الذي ألفه المدرس الفرنسي جوزيف ديسبارمي (Desparmet JOSEPH)، ونشرته مطبعة موغان سنة 1905.

 

كتاب الفوايد، نموذج من إصدارات موغان

 

 

وهذا الكتاب الذي سنتحدث عنه في مقالة لاحقة يتناول بالتفصيل العادات العربية الإسلامية للأُسَر الجزائرية في تربية الطفل منذ ولادته وحتى نشأته وبدء تعليمه في الكتاتيب والمساجد إلى بلوغه سن الزواج وكيف كانت تقام الأعراس وما يتعلق بذلك من العادات والاعتقادات الاجتماعية، والحديث عن الألبسة والأزياء والأطعمة والعبادات والمناسبات وغيرها.

وقد ألفه جوزيف ديسبارمي باللهجة العربية الجزائرية التي كانت مزيجا بين الكلمات العربية الفصيحة وبعض الكلمات الدارجة وبقايا اللغة التركية القديمة.

 

ولم يمض زمن طويل حتى تأسست أول مطبعة جزائرية سنة 1895 على يد الكرغلي رودوسي قدور بن مراد التركي الأصل.

 

فهرس لمطبوعات دار رودوسي

 

كانت هذه المطبعة قد نشطت بصورة كبيرة جدا في نشر المؤلفات والكتب الفقهية واللغوية ونذكر من بينها: طباعتها لمتن “مختصر خليل” في الفقه المالكي سنة 1903، كتاب “البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان” لابن مريم طبع عام 1908، متن العاصمية لابن عاصم الغرناطي سنة 1909، كتاب “منار الإشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف” لصاحبه الأديب الشيخ عاشور الخنقي سنة 1914، كتاب “إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن” للشيخ محمد بن علي السنوسي طبع عام 1914، كتاب في التراجم يحمل عنوان “تعطير الأكوان في شذا نفحات أهل العرفان” لمؤلفه محمد بن الصغير بن الحاج المختار سنة 1916م..

كما وصل نشاط مطبعة رودوسي إلى وضع فهارس لمطبوعاتها، وقد وصل عدد هذه الفهارس إلى 30 فهرسًا، وهو ما يدل على حركية العمل المطبعي والتأليفي الذي كانت تشهده الجزائر كطلع القرن العشرين رغم الحصار الذي فرضته فرنسا على انتشار اللغة العربية.

 

صحيفة المنتقد عن مطبعة ابن باديس بقسنطينة

 

 

ثم أسس الشيخ عبد الحفيظ بن الهشمي مطبعة “النجاح” سنة 1919، تلاه الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس ورئيس جمعية “العلماء المسلمين الجزائريين” الذي أسس مطبعة قسنطينة سنة 1925 بمعية مجموعة من شباب الإصلاح، وكان من بينهم أحمد بن إسماعيل بوشمال، وخليل الزواوي بن مُحَمَّد ابن القشي، وإسماعيل صحراوي، وعبد الحفيظ بن صالح صويلح.

وكان مقر المطبعة أحد الدكاكين التي كانت محلًّا لصناعة الأحذية المحلية، وذلك في نهج عبد الحميد بن باديس الذي كان يسمى سابقا بنهج “لامبير ألكسيس” قرب محكمة قسنطينة.

وكان كل عضو من أعضاء العمل يتبرع بجزء من المال لصالح المؤسسة الناشئة، والتي كانت فيما بعد لسان حال جمعية العلماء وتوسعةً صحفية أخرى بعد المضايقات التي تلقاها ابن باديس خلال نشاطه الصحفي مع مطبعة وجريدة النجاح.

وكانت أولى منشورات مطبعة قسنطينة إصدار صحيفة “المنتقد” الشهيرة، التي لاقت عدة مضايقات من طرف الاحتلال الفرنسي، حتى أوقفتها عن الصدور مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

 

 

إبراهيم أبو اليقظان

 

 

وفي سنة 1931، كان الجزائريون على موعد آخر مع إنشاء مطبعة عربية وطنية أخرى، وذلك على يد مواطن جزائري يُعَد أحد أقطاب الفكر والإصلاح، وهو الشيخ الأستاذ إبراهيم أبو اليقظان ابن مدينة القرارة بولاية غراداية.

وُلد أبو اليقظان سنة 1888 ونشأ في بيئة علمية، حيث تعلم فنون العربية وحفظ القرآن الكريم في مدينته ثم سافر إلى تونس عام 1912 للدراسة في جامع الزيتونة والمدرسة الخدونية.

ومن مآثره بعد العودة إلى الجزائر أنه أسس أول مدرسة عصرية جزائرية في مدينة القرارة عام 1915.

كما أصدر عدة جرائد وصحف بينها “وادي ميزاب” التي كانت تصدر أسبوعيا، وجريدة “الفرقان” و”الأمة” و”النبراس” وغيرها.

وفي سنة 1931، أنشأ “المطبعة العربية” بالجزائر العاصمة، وانضمَّ إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الشيخ ابن باديس.

وقد ساهمت هذه المطبعة في نشر عدة صحف وجرائد وكتب كان لها الأثر الكبير في إيصال العلم والثقافة إلى عموم الشعب الجزائري، فضلا عن أن الشيخ أبا اليقظان جعل مقر المطبعة ملتقى لرجال الفكر والثقافة والإصلاح يجتمعون فيه لنقاش المسائل التي كانت تواجههم لمحاربة الوضع الاستعماري الذي كانت تشهده الجزائر.

وبسبب ذلك تعرض أبو اليقظان للمضايقات من شرطة الاحتلال الفرنسي عدة مرات، مما أدى به لمغادرة العاصمة والرجوع إلى مدينته القرارة (600 كم جنوب العاصمة) حيث تفرغ للكتابة والتأليف.

 

وقد وضع أستاذ اللغة العربية بشير ضيف الله بحثين مُهِمَّيْن أحدهما بعنوان” بواكير الطبع في الجزائر”، والآخر “جهود المطبعة الثعالبية في نشر وطبع التراث الجزائري”، ولكن مع الأسف لا يزال هذان البحثان في خانة المخطوطات ونأمل أن ينالا نصيبهما من عناية دور النشر لتكون بين يدي الباحثين مادة قيمة جدا لتأريخ الطباعة في الجزائر.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد