دين وحياة

“الصرة الهمايونية”.. وقف البلاد  التونسية للحرمين الشريفين

 

في حين يكثر الحديث في هذه الفترات عن العجز الإقتصادي والإجتماعي للبلاد التونسية، ومديونتها التي لا تتوقف، كانت البلاد التونسية في عهود مضت وحضارات عظيمة تتباهى بتخصيصها “وقف الحرمين الشريفين”، الذي يعرف ب”الصرة الهمايونية”، التي استمرت إلى حدود سنة 1956.

 

اختلف المؤرخون في تحديد أصول “الصرة التونسية”، فمن قائل أنها ذات أصول عثمانية، وقد أوجدها السلاطين العثمانيين، الذين كانوا يخصصون مبالغ ضخمة وقفا للعناية بالحرمين الشريفين، ومن قائل أن الصُّرة كانت موجودة في عهد الدولة الحفصيّة وأكثر من اهتم بها السلطان أبو فارس عبد العزيز الذي تولى ملك تونس سنة 796هـ /1394م، الذين  كان يُوشّحها ويزينها بالحليّ تقربا لآل البيت وإكراما لجيران النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما ذكره الباحث المتخصص في التراث العثماني، الدكتور مصطفى الستيتي.

وذكر الباحث أيضا أن الصرة التونسية، قد تواصل العناية بها وإرسالها مع الدولة المراديّة، حيث اعتنى بها  الأمير حمودة باشا المرادي صاحب الجامع المشهور باسمه المسمى بـ”جامع الأفراح” الذي كان يُعقد فيه عقود الزّواج، وحتى مع البايات الحسينيين الذين حكموا البلاد أكثر من 250 عاما.

 

 

أهل تونس وإجلال الصرة الهمايونية

عرف أهل تونس بإجلالهم لأوقاف الحرمين الشريفين، لذلك كان تخصص لهم الأوقاف، من العقارات والأراضي وحتى الكتب، بحيث يذكر الباحث بن يغزر أحمد في بحثه حول موضوع أوقاف الحرمين الشريفين في البلاد التونسية منذ فترة الحماية الفرنسية الى غاية إلغاء العمل بنظام الوقف بتونس وتأميمه لصالح الدولة سنة 1957، أنه “لم يقتصر التحبيس على العقارات والمزارع، وإنما تعدد وتنوع، فمنها مثلا توقيف الكتب، فقد أوقف محمد العزيز الوزير التونسي في عام 1320 م مجموعة كتب وصل عددها إلي ألفي كتاب منها على سبيل المثال مسند الإمام أحمد في ست مجلدات، وشرح الخرشي على مختصر خليل في ثماني مجلدات ، وشرح الزرقاني على مختصر خليل في ثماني مجلدات،  وغيرها كثير.”

 

 

 

 

وأكد الباحث أيضا أن بعض التونسيين، خاصة العاجزين عن الحج، كانوا يشترون مصاحف ويقدمونها لبعض الحجيج لتوضع وقفا في مساجد مكة والمدينة ابتغاء للأجر والمثوبة، في حين يقتني ذوي اليسر والثروة مصاحف فخمة مطرزة بالذهب، وتوقف في مكة والمدينة.

ومايزال الأرشيف الوطني، يحفظ دفترا يعود تاريخه إلى سنة 1887 يرجع إلى عصر علي باي الثالث ويحتوي على أختام بأسماء ممّن وزّعت عليهم مساعدات ماليّة في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة خلال موسم الحجّ لتلك السنة مع ذكر المبلغ الممنوح لكلّ شخص.

 

موكب احتفالي

يروي الباحث مصطفى الستيتي أن ركب الصّرة، قبل انطلاقه للالتحاق ببقية الركب القادمة على طريق البر، كان يودع  بموكب فخم يحضره الباي والوزراء ورجال الدولة وكبار موظفي الأوقاف، ومن ضمنهم وكيل الحرمين الشريفين، وبيده صندوق المال المقصود توجيهه للحجاز، فيأذن الباي بإحضار الرّسول المكلف بتبليغ الأمانة، ويدفعها له بنفسه مصحوبة بمكتوب خطي من الباي إلى ملك البلاد العربية قائلا له: “هذه أمانة الله ورسوله تُبلّغ لأهلها إن شاء الله بواسطتك”، فيتسلمها الرّسول في ذلك المشهد العظيم، ويشكر الله على تلك النعمة، ويدعو للباي وينطلق في رحلته.

 

 

خير الدين التونسي وتنظيم الأوقاف

بدأ تدهور الصرة التونسية، مع الحسينيين، وتواصل خلال الفترة الإستعمارية للبلاد،  وذلك جراء التدهور العام الذي أصاب البلاد التونسية في هذه الفترة، في مؤسساتها وهياكلها، وأوضاعها السياسية و الاقتصادية، وازداد تفاقما في النصف الثاني من القرن 19 ميلادي.

وقد  تقرر في سنة 1858م وضع الأوقاف العامة تحت نظر المجلس البلدي بالحاضرة، ووقع التخلي عنه ذلك، وبدأ بصيص الإنفراج والأمل يظهر مع  المصلح الكبير خير الدين التونسي، عندتوليه رئاسة الوزارة حيث قرر إنشاء مؤسسة قارة يناط بها تسيير شؤون الأوقاف في سائر القطر التونسي، وقد عرفت هذه المؤسسة باسم:” جمعية الأوقاف” بمقتضي أمر أصدره محمد الصادق باشا في محرم 1291هـ/مارس 1874م.

وجعل الوزير المصلح خير الدين باشا جعل لها مبلغا قارا قيمته 80 ألف ريال، تقسّم قسمين نصفها للحرم المكي والنصف الآخر لأهالي الحرم المدني. وعلى هذا النظام سرى العمل حتى سنة 1935م، ثم في سنة 1936م ارتفعت قيمتها بمقدار الخمس، وفق ما ذكره المؤرخون.

 

 

 

 

وبعد احتلال البلاد التونسية، قام المستعمر الفرنسي، بالتدخل في الشؤون الوقفية، وحدد بمبلغ 50 ألف فرنك” مقدارا للأوقاف، كما قامت بالاستيلاء على أراضي الأحباس.

وشيئا فشيئا سعت السلطات إلى إيقاف الصرة التونسية، بدعوى أن “عقود التحبيس تنص على تمتع الحرمين دون سواهما بريع تلك الأوقاف فلا سبيل – على حسب زعمها – إلى تجاوز نصوص التوقيف بإقحام المجاورين والقراء من مختلف البلاد الإسلامية المقيمين بجوار الحرم، إلى حين توقفها بداية من سنة 1923 إلى غاية 1931، إلى حين توقفها تماما سنة 1956.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد