مجتمع

في نابل: كارثة بيئية وإنسانية.. والسياسيون غارقون في أخطائهم الإتصالية  

 

يوم السبت 22 أيلول/سبتمبر 2018 سجل كتاريخ لنكبة بيئية وإنسانية استثنائية في تاريخ تونس، فقد غرقت محافظة نابل الواقعة في الشمال الشرقي لتونس في مياه السيول والامطار بعد ان تجاوزت كمية الامطار المسجلة يومها 206 ملم في يوم واحد، مما فاق قدرة السدود والاودية على الاستيعاب وزحفت المياه هادرة على شوارع المدن والقرى وحملت في طريقها كل شيء تقريبا: بضائع بمليارات الدنانير ومواشي وسيارات.

 

هدمت السيول منازل وأوقعت 5 ضحايا، عجزوا عن مقاومة التيار الموحل فجرفهم لحتفهم، بينما علق آخرون لساعات في الطرقات المغلقة وهدّد الموت أسرا وعائلات حاصرتهم المياه داخل منازلهم.

بدأت وحدات الحماية المدنية تدخلها في المدينة الرئيسية، وهي نابل المدينة، في حدود الساعة العاشرة من ليلة السبت، حينها انخفض منسوب المياه وخرج الناس ليعاينوا الاضرار التي لحقت بهم وبممتلكاتهم، وبدأت عمليات البحث عن المفقودين، في سيناريو ذكّر التونسيين بكارثة فيضانات الجنوب سنة 2009، التي جرفت فيها الفيضانات 17 شخصا بعد أن تسببت الامطار الغزيرة في فيضان وادي أم العرايس واجتياحه لمنطقة الرديف التابعة لمحافظة قفصة بالجنوب الغربي. حينها لم يُعرف حجم الكارثة إلا بعد أيام، ورغم التعليمات التي أصدرتها الحكومة بتأهيل البنية التحتية وإصلاحها، إلا أن المنطقة لا تزال على حالها، ولم يشفع لها سقوط 17 من أبنائها ضحايا.

في 2009 لم تكن هناك هواتف ذكية تصور الحدث لحظة بلحظة، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة لتنقل حجم الكارثة للعالم. أما اليوم فقد شوهدت كارثة نابل مباشرة، وبهواتف الضحايا والمنكوبين مستعرضة صورا حيّة للفاجعة، بينما واصلت التلفزة الوطنية بث برامجها الترفيهية المعتادة، والمواطنون يحاصرون بالموت البارد وتحت ركام الأنقاض.

كوارث اتصالية بالجملة

في اليوم الثاني للكارثة، بدأت وفود حكومية بالقدوم إلى نابل لتقدير حجم الأضرار والإدلاء بالتصريحات الإعلامية وتقديم المساعدة –إن استطاعوا إليها سبيلا- وبدأت أول الكوارث الاتصالية في الظهور.

فقد أدى رئيس الحكومة يوسف الشاهد زيارة إلى مدينة نابل، وفي مشهد نوفمبري مستهلك، قام بزيارة إلى عائلة “منكوبة” مرتديا حذاءا بلاستيكيا عالي الرقبة، لمكافحة المياه!

 

 

سرعان ما تحول حزن العائلة  إلى سعادة بتشريف السيد رئيس الحكومة، لتتهلل وجوه أفرادها و يعانقه رب الأسرة شاكرا ممتنا للزيارة، فلم يعد يهم الآن حجم الخسائر طالما ان رئيس الحكومة بنفسه قد تنقل لمعاينة الأضرار.. وليس مهما أيضا ما إذا كانت الوعود التي قدمها الشاهد على عين المكان، كما فعل أسلافه من قبله،  بشأن إصلاح البنية التحتية سيتم تنفيذها، المهم الدعم المعنوي الذي تقدمه الحكومة، رغم أنها سبب مباشر في الكارثة التي أودت بالأرواح. أليست هي المسؤولة عن الإهمال المتواصل لعقود والعجز عن إيجاد حلول جذرية لمشاكل البنى التحتية المهترئة أو اتخاذ الاحتياطات المناسبة لتفادي مثل هذه الحوادث المؤسفة؟

من جهتها لم تقصر والية نابل، سلوى الخياري، في الإدلاء بدلوها والمساهمة في سيل الأخطاء الاتصالية، فقد سارعت لتعلن أن الوضع تحت السيطرة تماما.. وعندما سألتها مذيعة القناة الوطنية عن تخصيص رقم أخضر للمواطنين العالقين في الفيضانات، أجابت أن رقمها “الخاص” على ذمة الجميع، وانهت اللقاء دون أن تقدم رقم هاتفها هذا!

اما وزير الفلاحة والموارد المائية سمير بالطيب فقد صرّح أن “الخسائر بسيطة ويمكن معالجتها“، وستعود الأمطار الفيضانية بفائدة كبيرة على القطاع الفلاحي.. أما الخسائر الفادحة في المدينة المنكوبة فلم يعر لها المسؤول المبجل بالا، وهي خسائر  تقدر بالمليارات وصفها وزير البيئة والشؤون المحلية ورئيس الحكومة بالجسيمة..

ربمايجدر بأعضاء الحكومة التشاور فيما بينهم قبل تقديم تصريحات حتى لا ترتبك وسائل الإعلام ونعرف هل نبتهج ونفرح أم نندب حظنا التعيس..

 

 

بالنسبة لمعتمد مدينة الحمامات السياحية، فزيارته للمناطق المنكوبة كانت مصدر سعادة له، فقد التقطت الكاميرات صورته وهو يضحك وسط الأنقاض واحتجاجات الأهالي وحنقهم.. يبدو أنه مستبشر بالغيث النافع!

 

 

وشكلت نكبة نابل مناسبة قيمة لرئيس حزب العمال والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي كي يقوم بحملة انتخابية استباقية، فقرر مساعدة وحدات الحماية المدنية في إجلاء المياه عن المنازل والطرقات، بمكنسة يدوية منزلية وردية اللون!

 

 

لم يطلب المواطنون أن تتوجه إليهم الوفود الحكومية أو السياسية لتلتقط الصور او تدلي بتصريحات إعلامية كارثية مثل ما رأينا، بل بحثوا عن مساعدة حقيقية فيما انهارت الطرقات والمسالك المتهالكة أصلا، وجرفت المياه البضائع والناس، وانهارت المنازل والمدارس..

انتظرت نابل ان يتم إعلانها منطقة منكوبة، وتتوجه إليها المساعدات لا الوعود بالإصلاح التي سرعان ما ستتلاشى مع جفاف آخر مياه السيل.. في انتظار الفيضان القادم.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد