ثقافة

العلامة حسن حسني عبد الوهاب وكنوز الأدب والآثار

أكّد باحثون تونسيون على القيمة العلمية للعلامة التونسي “حسن حسني عبد الوهاب”، وإثرائه للساحة الثقافية كأديب ومؤرخ وعالم آثار.

 

إذ يحمل عبد الوهاب، مختلف هذه الصفات فكان ذا شأن بارز على المستوى المحلي والعربي، وأحد أهم قادة الفكر والتوجيه العلمي والتربوي.

 

 

 

وقد تمّ التطرّق إلى مختلف هذه الجوانب خلال الاحتفال بخمسينيّته في دار الثقافة التونسية ابن خلدون.

درس حسن حسني عبد الوهاب، في أحد كتاتيب تونس، قبل أن يزاول تعليمه في المهدية أين تعلم القرآن، كما التحق بمدرسة فرنسية بالحاضرة.

وفي مرحلة لاحقة، تعلم عبد الوهاب في الصادقية لينتقل بعدها إلى باريس لدراسة العلوم السياسية، وتركها عند وفاة والده عام 1904.


تميز تكوين عبد الوهاب بتنوع الاختصاصات وإلمامه بها، فكانت تجربته الأدبية فريدة، وعرف عمله في الإدارة التونسية مسارا إصلاحيا هاما، كما مكن اهتمامه بالآثار من التعرف على كنوز لا تزال اليوم شاهدا على عمق تجربته وتميزها.

 

حسن حسني عبد الوهاب: العالم الأديب

وقد أكد الباحث التونسي محمد آية ميهوب، في مداخلته خلال الاحتفاء بخمسينية العلامة أن حسن حسني عبد الوهاب تميز كتاباته التي ترتكز على عنصر التاريخ.

وأشار إلى عمله “المنتخب المدرسي من الأدب التونسي”، الذي كان يحمل بعنوانه مجمل تاريخ الأدب التونسي، باعتماد المنهج والخلفيات العميقة التي قد لا يكون للأدب فيها سوى الجزء البسيط مع تشابك السياسة بالتاريخ.

 

 

وقال آية ميهوب إنّ هذا المنهج التاريخي لعبد الوهاب جاء كرد فعل على المنهج البلاغي والرومنطيقي، يرمي من خلاله إلى أن يكون النقد الأدبي نقدا علميا، فحاول أن ينظر إليه على أساس التفاعل مع بيئته ولاحقا للظاهرة التاريخية.


وبين ميهوب أنّ هذا الكتاب، صدر خلال ذروة التمشي التاريخي لطه حسين في مصر وكشف في فترة مبكرة جدا عن وعي عبد الوهاب بالشخصية التونسية وأن لبلاده أدبا خاصا بها، يمكن أن يقدّمه “للآخر” الخارج عنها.

وهو تأكيد على أنه غير منفصل عن سياقه التونسيّ في أوج تجلي الوعي بالقضية الوطنية أثناء تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي مع عبد العزيز الثعالبي وبداية التعريف بقضية تونس وتدويلها.

وفي قراءته لكتابه أكد أنّه جاء في شكل منتخبات وأنّ المدى النصي محدود ومحكوم بذات الناقد، فكانت كل عملية ارتقاء إنما هي قراءة ذاتية تحتكم إلى ايديولوجيته”.


في المقابل، بين أنه يشي بوعي مبكر بفكرة الخصوصية التونسي بسبب شعوره بالفراغ الذي ألمّ بالأدب المحلي لعوامل أهمها سياسية، فحاول رسم صورة مشرقة لغد البلاد وأمله في الإصلاح.

 

 

وفي حديث الباحث التونسي عن أهداف عبد الوهاب قال إنها بالأساس تقديم للجانب الأدبي التربوي، بما يحمله من هدف معرفي  تاريخي وتربوي وهو سمة لغوية أدبية كحجة لمن يتهم العربية بالجمود، فكان بمثابة استعادة لمجدها.

وهو بذلك، قد تطرق إلى خلفيات عميقة، وفق ميهوب، تتعلق بوعي النخبة التونسية وانتمائها لسياقها الحضاري، ورغبته في أن يخرج عن استراتيجية تعامل الاستعمار مع المثقف، وإبراز النظرة المركزية الشرقية والتعامل مع تونس بتحقير في مجال الأدب.


لكنّ الخطأ في الكتابة، وفق الباحث، يكمن في اعتماد عبد الوهاب على مقاييس أخلاقية وتربوية وغياب المرأة والتعريف بأعلام دون إيراد نصوصها وحرصه على وجوده شخصيات تاريخية هامة في نصه من أجل الحدث التاريخي السيري، علاوة على إيراده لقوالب جاهزة في أغلبها.

 

حسن حسني عبد الوهاب: عالم آثار

أكد عبد الحميد فنينة، أستاذ تاريخ وآثار إسلامية في جامعة 9 أفريل التونسية أنّ هناك تقصيرا في حق العلامة حسن حسني عبد الوهاب، نظرا للمساهمات العديدة التي قدمها في مجالات عدة خاصة منها الآثار التي مثلت توجها جديدا، دأب على خطاه الباحثون.

 

 

وبين أنه اكتشف من خلال دراسة السكة المحفوظة للبنك التونسي الذي صدر في 3 مجلدات، أن لعبد الوهاب إسهامات هامة في الدراسات المتعلقة بالنقود الإسلامية، حيث كان رائدا في هذا المجال.

وأوضح خلال الندوة الفكرية أنّه ألمّ بالحقبة العربية الاسلامية من نهاية العهد البيزنطي إلى العهد الحفصي، بدل الانطلاق بالحقبة البونية إلى تأسيس البنك المركزي التونسي.

وتابع أنّ أبحاثه مثلت منهج دراسات جديدة في المجال، مع الدراسات السابقة التي قام بها المستشرقون الذي اختلف عنهم في الجانب التوليفي للسكة الإفريقية الإسلامية.

وذكر فنينة أن مساهمته العلمية تمثلت أساسا في مذكرة نشرها عام 1922، حيث اكتشف صنجة لدرهم زجاجي عثر عليها بجهة القيروان ولم يسبق لأحد نشر نموذج لها وكانت تحمل نقشا باسم “حنظلة بن صفوان” والي إفريقية، وأخرى تعود لصنجة فاطمية تحمل إسم المهدي.

وقال فنينة في تصريح لـ”ميم” إنه كان باحثا وهاوي جمع للوثائق الأثرية التي أهداها إلى قسم المخطوطات في المكتبة الوطنية، كما لديه مجموعة نقود في مجال علم النوميّات محفوظة في البنك المركزي التونسي وموجودة في متحف العملة.

وأضاف أن عبد الوهاب ذكر في كتابه “النقود العربية في تونس” أن “تاريخ النقود وحده يعتمد على وثائق ثابتة تروي لنا أخبار الأحداث الاقتصادية والسياسية  والاجتماعية بصفة ملموسة صحيحة.

تبرز أهمية علم النوميات في كتابة التاريخ، “ذلك أن السكة تعد بمثابة شاهد العيان الذي حضر الوقائع وسجلها بصفة مختصرة”.

وذلك على عكس الرواية الشفوية “التي رغم اتفاقها مع شهادة النقود إلا أنها اختلفت أحيانا في تسجيل بعض الأخبار بالإثبات أو النفي أو التصحيح وتقديم الإضافة”، وفق ما كتبه العلامة

ودعا فنينة إلى ضرورة  القيام بمبادرات لإحياء أعماله، من خلال معارض، أو تظاهرات ثقافية قائلا “في اعتقادي أن على وزارة الثقافة أن تحتضن ذلك وتخصص مؤسسة كاملة في البحث العلمي خاصة من الجانب الأثري”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.