مدوناتغير مصنف

الشتات الحزبي في تونس

 

تتوالى الأنباء عن الاستقالات والانشقاقات والصراعات داخل الأحزاب السياسية التونسية بشكل متسارع.

فبعد أن شغلت صراعات الأجنحة في حزب نداء تونس الساحة الإعلامية بداية من إعلان هيئته السياسية عن تجميد يوسف الشاهد القيادي في الحزب ورئيس الحكومة الذي بادر الى تشكيل ما أطلق عليه “الائتلاف الوطني”، وهي كتلة برلمانية انشقت عن كتلة نداء تونس قد تتحول لاحقا الى تنظيم سياسي مستقل يضاف الى قائمة الأحزاب الكثيرة في البلاد، ومرورا بحالة الجدل الحاد الذي تشهده أروقة الجبهة الشعبية في ظل الخلاف المعلن بين أهم مكونين له، وهما حزب العمال وحركة الوطنيين الديمقراطيين على خلفية التضارب في تقدير المشهد السياسي وأولويات المرحلة والتنازع على زعامة الجبهة التي يستأثر بها حمة الهمامي منذ التأسيس، عرف حزب حراك تونس الإرادة استقالة جماعية لعدد كبير من القيادات والناشطين ممن ينتقدون الخيارات السياسية التي ينتهجها رئيس الحزب ومؤسسه المنصف المرزوقي.

ولم يكن هذا هو الانشقاق الأول ولا الأهم الذي عرفه حزب المرزوقي منذ أن كان يحمل اسم “المؤتمر من اجل الجمهورية” عندما تشظّى الى ثلاثة مكونات حزبية مختلفة برؤى متقاربة ولكن بزعامات وشعارات متصارعة.

 

من الأكيد أن المشهد الحزبي التونسي لم يعرف الاستقرار منذ بداية مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وبغض النظر عن حالة التكاثر السريع للأحزاب اثر سقوط نظام الحزب الواحد سنة 2011 وهي ظاهرة طبيعية فرضتها حالة الانغلاق السياسي التي كانت تعرفها البلاد وغياب تقليد حزبي مؤسسي لقوى ما يسمى بالمعارضة زمن الاستبداد، فإن اليوم وبعد مرور سنوات سبع وإجراء أربع انتخابات ديمقراطية من المعقول طرح السؤال عن أسباب هذا التشرذم الحزبي وفشل الطبقة السياسية في إيجاد آليات عقلانية لإدارة الخلافات بينها والحفاظ على تماسكها في ذات الوقت.

وإذا استثنينا حزب النهضة الذي حافظ على بنيته التنظيمية فإن الأحزاب الناشئة في مرحلة ما بعد الثورة دخلت الى مسارات الفوضى بشكل يقارب العبث واللامعقول.

من الناحية النظرية تشكّل الأحزاب مؤسسة أساسية في الحياة الديمقراطية بوصفها تنظيمات تمنح العمل السياسي شكله الأكثر عقلانية وقدرة على التعبير عن مطالب المواطنين في ظل الدولة الحديثة، فالأحزاب السياسية بصورتها الحداثية قد نشأت لتحل محل التعبيرات القديمة القائمة على الاحتماء بالعشيرة أو القبيلة أو الطائفة ولتتعامل مع الناس بصفتهم المواطنية وهي تجمع بين الأفراد على أساس الانتماء لتصور سياسي/أيديولوجي محدد يساعد على تأطير جماهير الناس من اجل التعبير عن تصوراتهم وتحويلها الى برامج فعلية قابلة للتنفيذ عند الوصول الى الحكم عبر الآليات الديمقراطية المعروفة ونعني بها الانتخابات أولا وأخيرا.

والأحزاب السياسية في مهامها المركزية تقوم بجملة من الواجبات الأساسية والتي يمكن اختصارها في نقاط أهمها تأطير المواطنين وإيجاد منفذ للفاعلين السياسيين للعمل والتأثير، وإعداد الكوادر القادرة على إدارة الشأن العام وهي من الناحية التنظيمية الأطر القادرة على اجتذاب العناصر النوعية ومنحها الفرصة للقيادة وتصدر العمل العام.

 

إذا استثنينا حزب النهضة الذي حافظ على بنيته التنظيمية فإن الأحزاب الناشئة في مرحلة ما بعد الثورة دخلت الى مسارات الفوضى بشكل يقارب العبث واللامعقول.

 

أما واقعيا فقد فشلت الأحزاب السياسية التونسية في بناء مؤسسات أو التحول الى رافعة لتطوير المشهد السياسي ودعم التحول الديمقراطي وأصبحت حلبة للصراع ومدخلا للانشقاقات المتتالية التي لا يمكن تبريرها مهما كانت الأسباب التي يتذرع بها أصحابها.

فالأحزاب ذات الإرث التاريخي زمن الاستبداد مثل الديمقراطي التقدمي والتكتل من اجل العمل والحريات والمؤتمر من اجل الجمهورية اندثرت وفشلت في الاستمرار وبدائلها عجزت عن بناء ذاتها والتحول الى قوى فاعلة في المشهد السياسي.

وما يثير الانتباه في نمط سيرورة الأحزاب التونسية أن لعنة الصراعات والتصدعات لم تصب أحزاب المعارضة فحسب بل لحقت أحزاب السلطة الى الحد الذي جعل حزبا مثل نداء تونس الفائز بانتخابات 2014 والمستأثر بالرئاسات الثلاث يتشظى الى ثلاثة أحزاب وينفجر من داخله الى أكثر من شق بعضها يتزعمه رئيس الحكومة والآخر يقف وراءه نجل رئيس الجمهورية. وضعية غير سوية جعلت المشهد السياسي يتأزم وأصاب الحكومات المتوالية بالعجز والفشل.

 

أزمة الأحزاب السياسية التونسية بعد الثورة تكمن في أنها لم تصل بعد إلى درجة النضج وفهم معنى الحزب السياسي في بنيته العميقة، باعتباره وبالدرجة الأولى مدرسة للتربية السياسية للمواطن

 

إن أزمة الأحزاب السياسية التونسية بعد الثورة تكمن في أنها لم تصل بعد إلى درجة النضج وفهم معنى الحزب السياسي في بنيته العميقة باعتباره وبالدرجة الأولى مدرسة للتربية السياسية للمواطن ينخرط فيها ليتدرب على مساهمته في الشأن العام وعلى ممارسة حقوقه السياسية الأساسية.

ولكن تحقيق هذه المهمة في صورتها المثلى ليس بالأمر اليسير في ظل حالة الاضطراب التنظيمي الذي تشهده غالبية الأحزاب السياسية وحالات الانشقاق التي تشهدها، بالإضافة إلى ما تعرفه من ارتحال لناشطيها بصورة تذكرنا بانتقالات لاعبي كرة القدم.

وما يزيد المشهد قتامة هو انبناء كثير من الأحزاب على منطق الزعيم الأوحد ما يجعلها أشبه بالشتات الذي تجمعه المصلحة الآنية أكثر مما هي تنظيم ذا بنية واضحة وأهداف محددة.

ويظل الأمل قائما في إمكانية إعادة تشكل المشهد الحزبي التونسي ومجاوزته لمشكلاته تنظيميا وأيديولوجيا حتى يساهم بشكل اكبر في استقرار العملية السياسية والتقدم صُعُدا في بناء العملية الديمقراطية بالبلاد وهذا أمر يفرضه الواقع الجديد ومهمة عاجلة على عاتق الناشطين الحزبيين لعمري لا تقبل التأجيل.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد