مجتمع

الباهي الأدغم: الزعيم التونسي الذي توسط بين الأردن والفلسطينيين في أيلول الأسود

 

هو من أبرز الشخصيات الوطنية التونسية، المغيبة قصدا في تاريخ الذاكرة الوطنية التونسية، رغم أنه كان  أخد أعلامها البارزين، خلال مقاومة المستعمر الفرنسي للبلاد التونسية وبعد الاستقلال وبناء دولة الجمهورية الحديثة.

 

وقد تواصل محاولة حذفه من التاريخ التونسي، حتى فترة الحكم النوفمبري، في حين أن الأدغم كان الوزير الأول بدولة الاستقلال ومؤسس الجيش الوطني التونسي.

 

ولا ينحصر دور الباهي الأدغم على خدمة البلاد التونسية، بل لعب دورا مهما على الساحة العربية، وتجلى تاثيره وحضوره البارز في أحداث أيلول الأسود، اين  لعب دور الوسيط بين زعيم المقاومة الفلسطينية ياسر عرفات والحكومة الأردنية، تحت إمرة الملك حسين، آنذاك، خلال ترؤسّه للجنة المتابعة والعمل من أجل إطلاق النار بالأردن وتهدئة الأوضاع في المنطقة.

 

النشأة في زمن الإستعمار

ولد الباهي الأدغم في 13 جانفي/ كانون الثاني 1913،  في منطقة باب سويقة بالعاصمة التونسية، في فترة كانت ترزح فيها البلاد تحت ظل الاستعمار الفرنسي، الذي وصل عامه الـ 32.

في سنوات عمره الأولى، التحق بكتاب حي باب الأقواس، لتعلم ما تيسر من القرآن الكريم، ومن ثمة التحق بالتعليم الإبتدائي، ليلتحق إثر ذلك بالمدرسة الصادقية، التي تحصل منها سنة 1933 على شهادة ختم الدروس الثانوية.

 

التشبع بالقضية الوطنية في فترة الدراسة

كان الباهي الأدغم ملما بالقضية الوطنية، منذ مرحلة الطفولة، وذلك نتيجة تأثره بوسطه الإجتماعي والأسري، حيث تذهب المصادر الموثقة، إلى أن دكّان والده الكائن بحيّ باب سعدون، كان ملتقى عدد كثير من أتباع الحزب الحرّ الدستوري التّونسي و مناضليه، في النصف الثاني من العشرينات، التي تميّزت بإبعاد الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي ونفيه إلى المشرق.

وقد ساهم ذلك بإلمام الباهي الأدغم بمجريات الأحداث والوقائع في البلاد، وازداد تشبعه بالقضية الوطنية أثناء مرحلة دراسته بالصادقية.

وبناء على ذلك ظهر الأدغم على ساحة النضال الوطني بعد دعوته لرفاقه في المدرسة الصادقية للخروج في مظاهرة، كان لها صدى  كبير وشارك فيها إلى جانب تلامذة الصادقية، طلبة جامع الزيتونة وتلامذة معهد كارنو والمعهد العلوي، و عمّال الرصيف، وذلك ردا على تظاهر عدد من  المستوطنين في شوارع مدينة تونس، رافعين الصلبان، لتحدي مشاعر الشّعب التّونسي المسلم في وطنهم، إثر انعقاد المؤتمر الافخارستي من 7 إلى 11 مايو/ أيار 1930،  وشارك فيه عدد كثير من الأساقفة والرهبان الكاثوليكيين القادمين من مختلف أنحاء العالم.

 

 

وأمام تضييق السلطات على الحركات النضالية الشبابية، وخاصة الطلاب، حيث منعهتم من تأسيس أية جمعية ذات نشاط سياسي، قرر الباهي الأدغم ورفاقه الإنضواء تحت هيئة جمعيّة قدماء الصادقية، لغاية بعث فرع مدرسي تابع للجمعية يجمع شمل جميع تلامذة المعاهد الثانوية الموجودة بالعاصمة، بما في ذلك جامع الزيتونة، وأطلق عليه اسم “الشبيبة المدرسيّة”، التي تأسست في أفريل/ نيسان 1932 واستمرّ احتضان جمعية القدماء للشبيبة المدرسية من ذلك التاريخ حتى الاستقلال.

 

مدرسة الصادقية، التي تحصل منها الباهي الأدغم على شهادة الثانوية سنة 1933

ما بعد الدراسة ..استمرار النضال

اضطر الباهي الأدغم بعد حصوله على شهادة الثانوية من الصادقية إلى الانقطاع عن الدّراسة، لإعالة أسرته بعد وفاة والده، والتحق بسلك الوظيفة العمومية بصفة كاتب مؤقت بإدارة الداخلية التي كان على رأسها عندئذ المؤرخ الفرنسي شارل سوماني، واستمرّ في هذه الخطّة إلى أن نجح في آخر سنة 1939 في مناظرة المنشئين بإدارة المال.

ولم يمنعه التحاقه بالوظيفة العموميّة من مواصلة النضال والعمل من أجل تحرير الوطن والاهتمام بالشؤون السّياسيّة والعناية بالقضية الوطنية، وذلك عبر انخراطه في الحزب الدستوري الجديد، وانضمامه إلى مجموعة الشبان الذين رجعوا من فرنسا، بعد إتمام دراستهم أمثال سليمان بن سليمان والمنجي سليم وعلي البلهوان والهادي نويرة وصلاح الدين بوشوشة، وانطلقت مرحلة نضاله ومشاركته في المؤتمرات الوطنية وتزعم حركات المقاومة السرية، وتنظيم المظاهرات وتوزيع المناشير وتنفيذ العمليّات المسلّحة لمقاتلة المستعمر.

 

السجن في الجزائر

سجن الباهي الأدغم مرتين، المرة الأولى إثر اندلاع حوادث 9 أفريل/ نيسان 1938، حيث تزعّم حركة المقاومة السريّة إلى أن ألقي عليه القبض في 11 مايو/ إيار 1938، ثم أفرج عنه في شهر أوت/ أغسطس 1938.

والمرة الثانية، ألقي القبض عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني، وأحيل إلى المحكمة العسكرية، إلى جانب أعضاء الديوان السياسي الخامس ولجنة المقاومة، و أصدرت في حقهم أحكاما قاسية، حيث حوكم الباهي بالأشغال الشاقة لمدّة 15 عاما، ونقل برفقة 43 سجينا، بعد ذلك إلى الجزائر في 14 فيفري/ شباط  1940، أين قضى 4 سنوات متنقلا بين أسوأ السجون.

 

 

وفي سنة 1944، عاد إلى تونس برفقة 23 سجينا ممن أبقت عليهم الظروف القاتلة، عند اندلاع الحرب الحرب العالمية الثانية وصدور عفو من الجنرال الفرنسي ديغول.

وبعودته إلى أرض الوطن استأنف الباهي الأدغم  نضاله بالتّعاون مع أعضاء الديوان السياسي الجديد، على غرار صالح بن يوسف وسليمان بن سليمان والمنجي سليم وعلي البلهوان والهادي نويرة، بعد هجرة الحبيب بورقيبة إلى المشرق في مارس/ آذار  1945، حيث كان يساهم في اجتماعاته الدوريّة ويحضر اجتماعات المجلس الملّي ويشارك في جميع الاجتماعات التي يعقدها الحزب.

 

 

 

 

واستمر نشاطه النضالي والعمل من أجل تحرير الوطن، إلى حين التوقيع على اتفاقية الاستقلال الداخلي في 3 جوان/ يونيو 1955، فقد اعتبر الباهي الأدغم أنها “خطوة إلى الوراء”، و”حلا منقوص”، وهو الموقف الذي تشبث به صالح بن يوسف.

ويذكر أن الباهي لدغم،  رئيس وزراء تونس في الخمسة عشرة سنة الأولى من الاستقلال، قال في حوار مسجل بصوته، عن عودة بورقيبة وتوقيعه معاهدة الإستقلال «جاء يوم 1 حزيران/ جوان، ووقّع على الاتفاقات في اليوم الثالث! متى قرأ نصوص المعاهدة؟»، ملمحا إلى أنّ الاتفاق مبرم من قبل في إطار صفقة مع فرنسا، تضمن لها تحقيق أهدافها الاستعمارية التي عجزت عن تحقيقها مدة استعمارها لتونس.

 

 

 

 

مؤسس الجيش الوطني

تشير كل المراجع إلى أن الباهي الأدغم كان الرجل الثاني بعد الزعيم الحبيب بورقيبة، وخاصة بعد استقلال تونس  في 20 مارس/ آذار 1956، وبعد إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية،  وعيّن الأدغم في منصب الوزير الأول للحكومة التونسية بين 1969 و1970.

ذكر عبد الرحمان الأدغم، نجل الباهي الأدغم أن والده هو مؤسس الجيش الوطني التونسي في يونيو/ جوان 1956، حيث حوّل بضعة عساكر (عسكر الباي) وعددا من الضباط التونسيين الوطنيين الذين كانوا في صفوف الجيش الفرنسي إلى مؤسّسة عسكرية وطنية، بعد توليه مسؤولية بعث الجيش الوطني سنة 1956.

كما قام ببعث المحاكم العسكرية، وهو ما لم يقل أو يوثق في كتب التاريخ وفي الذاكرة الوطنية في كل ذكرى سنوية لتأسيس الجيش الوطني التونسي.

 

أيلول الأسود

لم يقتصر دور الباهي الأدغم على مقاومة المستعمر وخدمة الوطن، فقد برز أيضا كرجل المهمات الصعبة، حين اندلع الصراع المسلح بين فلسطين والأردن، حيث لعب دور الوسيط بين ياسر عرفات والحكومة الأردنية إبان أحداث أيلول/ سبتمبر الأسود، التي اندلعت عام 1970، وشهدت قتالًا داميًا بين القوات الأردنية والمسلحين الفلسطينيين.

وترأس الباهي الأدغم في 26 سبتمبر/ أيلول 1970، لجنة عليا، للإشراف على وقف إطلاق النار وتنفيذ الإتفاق الذي عرف ب”اتفاق القاهرة”، ويقال أنه في خطوة شجاعة، قام بتهريب أبو عمار، الزعيم ياسر عرفات متنكرا من الأردن إلى القاهرة.

 

 

نجاحه في هذه المهمة الصعبة منحه احتراما واسعا وحضورا على المستوى العربي، قابله تهميش متزايد على المستوى المحلي وتغييب مطرد من المشهد الوطني. ورغم أنه كان رئيس أول حكومة تكونت بعد استرجاع منصب الوزير الأول الذي ألغي بعد إعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957  وتكونت في 7 نوفمبر 1969، إلا أن مهامها انتهت في فترة وجيزة في نوفمبر 1970، وعين هادي نويرة بدلا عنه.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد