ثقافةغير مصنف

مامعنى أن تكون كاريزماتيا؟

كتب

 

تحدثنا في المقال السابق ” كتاب فن الإغواء: السلطة الأكثر هيمنة عبر التاريخ ” عن السر الذي اعتبره الكاتب روبرت غرين السبب في نجاح العديد من العظماء  في تاريخ البشرية، وتطرقنا خصيصا إلى شخصيات أنثوية وضعناها تحت مسمّى “المرأة الحورية”، وسنسترسل في هذا المقال بالحديث عن سلطة الإغواء ولكن في شخصيات ذكورية تقع جميعها نمط الشخصية الكاريزماتية.

الكاريزما

وفق الكاتب، الكاريزما أو المغناطيسية هي طاقة تنبع من خصائص داخلية منها الثقة بالنفس،الطاقة الجنسية والإحساس العالي بالتصميم  والاطمئنان …كل هذه الخاصيات تخلق حضورا مثيرا وتقدم لنا ما نسعى إليه ونتوق إليه كبشر..

الكاريزماتيون من خلال إيماءاتهم وحركاتهم يجعلون الآخر يشعر بأنهم متعددو المواهب ويمتلكون قدرات فوق قدرات البشر لأنهم يعرفون كيف يظهرون جاذبيتهم من خلال التحديق الثاقب والخطابة النارية وهالة الغموض التي يحيطون أنفسهم.

فبنفس السهولة التي يمكن بها أن يوقعوا امرأة في حبهم، يمكن لهم أيضا الإغواء على نطاق أوسع فيجعلون حشودا وجماهير تقع في حبهم، ويكون لهم أتباع ومريدون…

 

مالكوم X ومحمد علي من أكثر الشخصيات المعروفة بالكارزماتية

 

 

عادة ما يكون الكاريزماتي مفعما بالحياة والرغبة والتيقظ، مظهره شبيه بمظهر العاشق وهو المظهر الذي يثير الإعجاب فورا، فيتبع الناس الكاريزماتيين لأنهم يحبون أن يقادوا من قبل أناس لهم إيمان عميق بقضية ما، ويجدون أنفسهم في خدمة قضاياهم بسبب تعلقهم العاطفي اللا واعي بهم، فيكرسون أنفسهم لهم بكل حماسة.

الكاريزما قوة تلعب على الأوتار الجنسانية المقموعة، فهي تخلق شحنة من الإثارة والشغف، كما أن لها علاقة أيضا بالدين، فجذور الكلمة تقود له. ان الدين جزء لا يتجزأ من الكاريزما القديمة والمعاصرة…

يشير “روبرت غرين”  إلا أن الكاريزما لا تكرر في أناس يمتلكون نفس الصفات، فهي  تتقولب بطباع وصفات متنوعة ومتضادة أحيانا. يمكن أن يكون صاحب الكاريزما ثرثارا أو من النوع الصامت غاضبا أو من النوع المسالم… ولكنك ستميزه حتما من بين مئة شخص مهما بدر منه من سلوك.

ولذلك يقسّم الباحث الكاريزماتيون  إلى عدة أنواع سنتقصر على ثلاث منها فقط.

النبي المجترح للمعجزات

أشرنا سابقا أن عنصر الدين موجود في الكاريزما، فهي كلمة إغريقية تحيل على الأنبياء والمسيح نفسه.

ووفق المسيحية الكاريزما تعني النعمة أو الموهبة التي تقدمها العناية الإلاهية لشخص مختلف إظهارا لوجود الله. وقد قاد معظم الديانات شخص كاريزماتي…

ويشير غرين الى ان  هذا النوع من الأشخاص تظهر عليه علامات الرحمة الإلاهية فيبدو لمن حوله مٌتملكا من قبل روح سماوية ويتكلم بنشوة دينية ويعبرعن رؤى مكثفة ومشحونة روحانيا،فيظهر كإنسان متفرد اصطفاه الاله لتميّزه، ويحظى بسلطة كبيرة على الآخرين.

 

 

 

ويستدّل الكاتب في هذا النوع من الكارزماتيين بمثال “النبي موسى” الذي رافقه أتباعه إلى خارج مصر وبقوا مخلصين له بالرغم من طوافهم اللانهائي في الصحراء، لأن كلماته كانت ملهمة ووجهه أضاء بالمعنى الحرفي حين نزل من جبل سيناء، إضافة إلى تحلّيه بخصال التواضع والهدوء والدماثة.

كل هذه الأشياء، يقول غرين، أعطته المظهر الوقار وبأنه على تواصل مباشر مع قوى أعظم من البشر فكانت مصدر هيبته وإشعاعه.

العنصر الديني جزء مهم من الإشعاع الكاريزماتي يجعل الشخص يشع بخاصية داخلية ذات مسحة من القداسة والروحانية.

وحتى في عالمنا العقلاني يتوق الناس دائما لتجربة دينية، لاسيما على المستوى الجماعي، فهذا النوع من الكاريزما يدغدغ الرغبة بالإيمان ولا يوجد شيء أكثر اغوائية من إعطاء الناس شيئا يؤمنون به.

 

المخلّص

يشير الكاتب الى انه عبرالسنين، صار الناس يتولون زمام السلطة ليس عن طريق الحق الإلهي وإنما بسبب فوزهم بالأصوات، وقد لاحظ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مع بدايات القرن العشرين ظهور كاريزماتيين أكثر من أي وقت مضى.

ويرى فيبر أن ما يميّز الكاريزماتي المعاصر هو ظهور خاصية استثنائية في شخصيته مكافئة لعلامة إلهية ويشير روبرت غرين أن هذه الخاصية موجودة في كل من لينين ونابليون وعدة أسماء أخرى…

هؤلاء الرجال لم يتحدثوا عن الله، وإنما عن قضية كبرى اختلف موضوعها باختلاف العصور،قضية سمّاها الكاتب  “رؤى جديدة لمجتمع الغد ” لأن هؤلاء الشخصيات امتلك جميعهم أفكار مستقبلية لتغيير وضعية مجتماعتهم،فأرادو تغيير مساوئء واقعهم وتحسين مايمكن اصلاحه،كلامهم كان عاطفيا وعقلانيا وبدى أن ممتلكون ومجذوبون من قبل قوى عظمى تجعلهم مسؤولين عن مشاكل البشرية…

تفاعل الجمهور مع هذا النوع من الرجال بنفس النشوة والسعادة التي كان يتفاعل بها مع الأنبياء فعندما توفي لينين سنة 1924 تشكلت حول ذكراه جماعة من المعجبين والأتباع المغالين وتحول من قائد شيوعي إلى معبود.

 

 

 

 

في خضم الفوضى التي عاشتها روسيا بعد الحرب العالمية الألوى سنة 1917، ظهر لينين البالغ من العمر 47 عاما ولم يكن ذلك الرجل المثير للاعجاب جسديا فقد كان قصير القامة و غير جذاب الملامح.

إلا أنه مضى يخطب في الجماهير بكل ثقة وكرّر نفس الرسالة البسيطة: أنهوا الحرب، أسسوا للبروليتاريا، اقضوا على الملكية الخاصة وأعيدوا توزيع الثروات

كان أثناء خطابه في غاية الثقة والتصميم، لم يفقد هدوءه ورباطة جأشه وتعمد أن يفضح الزيف في مواقف خصومه.

أعجب العمال والجنود بحزمه، لاسيما عندما عرّض نفسه للخطر والمغامرة، فالناس يحبون رؤية شخص يقتحم المخاطر. كما أن المغامرة تجذب السئمين والضجرين، لذا، كما حرص نابليون على أن يشاهده جنوده وهو في قلب نيران المعركة مشى لينين في الشوارع دون حماية، بالرغم من التهديدات بالموت التي كانت تصله أنذاك.

وقت الشدة و الإضطراب يبرز الكاريزماتي المخلّص، فالأزمة تسمح لهم بابراز جرأتهم وتعزيز هالتهم كما أنهم يعلمون أن التراجع والجبن سيدمر مصدر الكاريزما.

لا نغفل طبعا عن دور الهالة المسرحية التي يحيط بها الكاريزماتي نفسه والتي تبرز خاصة من خلال النبرة الثاقبة،  فنظرة فيدال كاسترو كانت تجبر معارضيه على الصمت.

أما نابليون فقد أمضى ساعات أمام المرآة وهو يتدرب على تقليد  نظرات “تالما” (ممثل مسرحي مشهور آنذاك) المعروف بنظرته الواثقة الموحية بالرضا والاطمئنان .

 

الخطيب المحاضر

الكلمات هي الطريقة الأسرع لخلق الاضطراب العاطفي  تستطيع أن تستنهض، تهدد، تثير الغضب، وهي سلاح الكارزماتي الخطيب.  ويعرض الكاتب في هذا النمط مثال مالكوم اكس.

كان ماكلوم اكس واسع الاطلاع بفضل مطالعاته الكثيفة، إضافة إلى أنه كان فصيحا، كلماته و إيماءاته تتسم بالتمرد والرفض.

وقد شاع نجمه في زمن عانى فيها السود في الولايات المتحدة ظلما عظيما، وكان “مالكوم اكس” يوزع الإعلانات ويخاطب الشباب ويقف أمام الكنائس مشيرا إلى الواعظ قائلا “هو إله البيض وأنا إله السود”.

 

 

عندما كان مالكوم اكس يتحدث لم يكن يقرأ من نص مكتوب،  ورغم ذلك تميز خطابه بالسجع والاستعارات المكثفة، نظر إلى أعين الجمهور مباشرة وهو يشير بإصبعه إليهم، غضبه كان جليا في نبرات صوته وطاقته الجبارة. وحين تحتد لهجته تنتفخ عروق عنقه، ومع ذلك كان متماكسا وغير متلعثم، فصاحته كات فطرية…

كثير هم القادة السود استخدموا كلماتهم بحذر، وطلبوا من أتباعهم أن يتعاملو مع أوضاعهم بصبر، أما هو فقد سخر من الجميع ولم ينج أحد من تهكمه حتى الرئيس نفسه إذا كان يقول “إذ كان البيض عنيفين فيجب أن يرد عليهم بلغة العنف فهي اللغة الوحيدة التي يفهمونها .. العدائية شي جيد وقد اضهدت وكبتت لمدة طويلة”.

كانت كلماته تعبر عما يختلج في صدر جمهوره وكان يعرف جيدا كخطيب كيف يستنهض هذه المشاعر بكلماته الموزونة فيستشعر الناس الغضب ذاته.

وينوّه الكاتب الى أن مالكوم اكس كان كارزماتيا على غرار النبي الموسى، فهذا النوع من الكاريزما يُستمد من العواطف القاتمة والسوداية التي سببّها الظلم والاضطهاد، فيكون الخطاب بمثابة فك اللجام عن فرس محبوسة لتنطلق بكل عنفوان وشغف …

رغم كل هذه الإيجابيات فإن الخطر الذي يهدد الكارزماتيين يتمثل في صعوبة المحافظة على الكاريزما لوقت طويل.

فالكارزيما نفسها تتأتى من السرعة وتطاير الانفعالات متأججة، لذلك تكون لحظة الهدوء التي تليها شبيهة بما يسميه علماء النفس ب”الإعياء الجنسي أو الشهواني” وهي اللحظات التي يشعر فيها الفرد أنه منهك وممتعض.

 

 

وهذا هو نفس التهديد الذي يحيط بالكارزماتيين، فغالبا مايستأثر  الكارزماتي بحب الناس من خلال لعبه دور المخلّص والمنقذ.  لكن بمجدر أن يشعر أتباعه بالأمان حتى تصبح الكارزيما أقل جاذبية.

لذلك بحرص الكثير من الكارزماتيين على استمرار من حولهم بالشعور بالخطر، مثلما فعل كل من كينيدي وشارل ديغول.. ولكن هذه الوضعية أيضا تثير حنق الجمهور وسأمهم مع الوقت.

فالحل إذا وفق “فن الإغواء” هو أن يحافظ  الكارزماتي على سياسية التوازن وضبط النفس، وعندما تنتهى المغامرة من الممكن أن يركن إلى الروتين فيُضعف الحرارة، لكن دون أن يطفئها.

وربما كان هذا مخطط الزعيم السياسي روبسبيير قبل أن يتم اغتياله أثناء إلقاء آخر خطبة له أمام جمهوره العاشق، الذي تحول فجاة إلى جمهور غاضب، ووضع عنق الزعيم الملهم  تحت المقصلة …

 

*مراجع

-كتاب فن الإغواء-روبرت غرين-دار منير للنشر و التوزيع

 

 

 

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق