منوعات

نهاية مملكة.. كيف سرقت الثورة الفرنسية قلب لويس السابع عشر!

 

نظرت بعمق لسطح المياه الراكد في الدلو، كانت تعرف انه بعد قليل تعانق رأسها الملكية الجميلة تلك الدلو الملوثة بالدماء بعد ان يتم قطعها بالمقصلة، لكن رغم ذلك لم تستطع كبح جماح  أفكارها التي توجهت رغما عنها إلى ابنها لويس ذي التسعة أعوام، والذي لم تره منذ شهور، هل ترى تكتب له الحياة؟ وأي حياة تكون بعد أن خسر كل شيء؟

 

ماري أنطوانيت في لحظاتها الاخيرة

 

من المحتمل أن تكون هذه هي الأفكار التي جالت برأس ماري أنطوانيت ملكة فرنسا حتى سنة 1789 تاريخ قيام الثورة الفرنسية، وهي تلاقي حتفها بعد أن قطع رأس زوجها الملك لويس السادس عشر بالمقصلة على يد لجان الثورة، هذه اللجان التي أصدرت حكم السجن ومن ثم الإعدام على كل العائلة الملكية، بمن فيهم الدوفين لويس تشارلز، ثاني أبناء لويس السادس عشر.

لكن لم يشهد الصغير حد المقصلة، فقد توفي في الأسر بعد إصابته بمرض السل، وكانت كل جريمته ظانه ولد على فراش ملكي.

 

ملك سيء الحظ

 

لوحة الطفل السعيد للويس السابع عشر

 

 

ولد “لويس تشارلز ” أو “دوق نورماندي” في قصر فرساي في 27 آذار العام 1785, وفي سن الرابعة أصبح الوريث الشرعي للعرش بعد وفاة أخيه الأكبر بمرض سل العظام، وتلك بداية المأساة.

عند قيام الثورة الفرنسية، تم احتجاز الدوفين الصغير، البلغ حينها 8 سنوات، مع والدته في بداية الأمر، لكن سرعان ما انتزع منها ليسجن منفردا، في انتظار تقرير مصيره الذي يبدو غامضا.

فقد انقسم أعضاء “المؤتمر الوطني الفرنسي” فيما بينهم، حول إنزال عقوبة الإعدام بالأمير أسوة بوالده، بعد ان أصبح تلقائيا “الملك لويس السابع عشر”، وبعد مداولات، استقر الرأي على الإبقاء على حياة “الملك الصغير” باعتبار صغر سنه وأن فرنسا جمهورية قوية لن يؤثر عليها طفل ولو كان بدماء ملكية.

ومباشرة من السجن، سلموا الدوفين لرعاية صانع أحذية يدعى “سيمون”،إلا أن الأخير ترك الخدمة الحكومية في كانون الثاني العام 1794، ولا يعلم أحد بشكل مؤكد ما حل بالملك الصغير بعد ذلك.

 

 أين ذهب الأمير الصغير؟

 

أمير فرنسا الأسير

 

 

بعد فصل الأمير عن والدته ماري أنطوانيت، تضاربت الآراء حول مصيره، فقد تغير المكلفون برعايته عدة مرات، ليتم فجأة، في الثامن من يونيو /جوان 1795 الإعلان عن وفاته في زنزانته بسبب إصابته بمرض السل..

فهل هذا ما حصل حقا؟

بعد فترة من احتجازه، تم استدعاء الجراح الشهير “جوزيف ديسول” الذي كان طبيباً للعائلة المالكة لمعالجة الأمير الصغير، لكنه بعدها قال لأحد معارفه بأنه ليس متأكداً من كونه الأمير الذي عرفه قبل الثورة..

وبطريقة غامضة توفي الطبيب العام 1795 وأصرت زوجته على أنه قتل بالسم؛ لأنه الشخص الوحيد القادر بالتعرف على الدوفين.

 

 

هل مات فعلا في السجن بمرض السل ؟

 

 

دافع المؤيدون لأسرة بوربون عن سيناريو آخر، فقد قالوا ان الدوفين تمكن من الفرار بمساعدة مناصرين للعائلة الملكية، واستبدل بفتى اكبر سنا بقليل.

لذا وللقضاء على الإشاعات، سارع أفراد المؤتمر بطلب تشريح الجثة التي عثر عليها في السجن، تحت إشراف الجراحين المشهورين “فيليب-جان بيليتان”، و”جان-بابتيست دومانغان”، و”بيير لاسو”، وأيضاً “نيكولا جانروي”، وجاءت النتيجة غير حاسمة، فقد فشل الاطباء في التعرف على الندوب العديدة التي حملها الطفل منذ ولادته، ولم يصادقوا على تقرير الوفاة الرسمي.

دفنت الجثة المشكوك فيها في العاشر أو الثاني عشر من يوليو/جويلية 1795 في مقبرة “سان مارغريت” الجماعية بباريس.. إلا أن حفار القبور “بيرترانكور” أخرجها من المقبرة المشتركة ووضعها داخل نعش صنع من الرصاص ليدفنها في مكان آخر.

 

 

فحوص جديدة

 

 

سنة 1846، تم استخراج الهيكل العظمي من “سان-مارغريت” للمرة الثانية في العام 1846 ليفحصه كل من الدكتور “جوزيف ريكامييه” والدكتور “غابرييل أندرال”، فأكد الفحص الإصابة بسل العظام، لكن لشخص في السادسة عشرة من عمره.

وأعيد الفحص للمرة الثانية من قبل أخصائيي الأمراض القديمة “ماغيتو” و”مانوفرييه” العام 1894, فحدد عمر المتوفى بين 18 أو 20 عاماً, فكان الاستنتاجان الواضحان:  أن العظام ليست للدوفين, أو أن من مات في السجن ليس لويس السابع عشر.

رغم ذلك، لم تكن الفحوص حاسمة، لكن تمكن أثر للطفل من النجاة: قلبه الصغير!

فخلال عملية التشريح، استغل الدكتور بيليتان انشغال بقية أفراد فريقه في عملهم فاستولى على القلب، ووضعه داخل منديل ومن ثم أدخله في جيبه دون أن يلفت الانتباه، وحافظ عليه في إناء مليء بالكحول.

بعد عودة آل بوربون للسلطة، مع لويس الثامن عشر، تم رفض قبول القلب على اعتباره قلب الدوفين المتوفى، لتشككه في صدق الطبيب، كما رفضته بقية العائلة الملكية. لينتهي به الأمر بين يدي ابن الطبيب الذي سرقه أول مرة.

مر القلب المحفوظ بتقلبات كثيرة، ليصل في نهاية الامر، إلى يدَيْ “كارلوس السابع” أو “دوق مدريد” المطالب بعرش فرنسا، فأحضِر إلى كنيسة “فروشدورف” قرب فيينا مغطى بوشاح ملوث بالدم كانت الأم ماري أنطوانيت قد ارتدته عند إعدامها بالمقصلة.

 

الحقيقة أخيرا

في شهر كانون الأول من العام 1999, منح بعض علماء الأحياء من جامعتي “لوفان” البلجيكية و”مونستر” الألمانية الموافقة على أخذ أربع عينات صغيرة من القلب بحضور عدد من أعضاء المحكمة، ومقارنة الحمض النووي بذاك المستخلص من  خصل من شعر ماري أنطوانيت وأختيها، بالإضافة إلى مقارنته بحمض بعض الأحياء من سلالة العائلة المالكة.

في 19 من آبريل سنة  2000، توصل الباحثون إلى  أن جميع العينات الوراثية تضم سلاسل جينية متشابهة، تعود لأقارب ماري أنطوانيت.

بعد أكثر من قرنين، انهت الأدلة العلمية الغموض الذي أحاط بملك فرنسا “لويس السابع عشر” الذي لم يحظ بتتويج قط، بل توفي بائسا داخل زنزانة مظلمة بسبب لقب نقل إليه قسرا دون أن يطلبه، ودفع حياته ثمنا له.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد