مجتمعغير مصنف

“يا حرام”.. صفحة أمريكية تبرز مآسي سيدات مصر

نادية محمد - القاهرة- مجلة ميم

    

ناس من مصر، يطلون على صفحة “ناس من نيو يورك”. مآسي كبيرة وأحلام صغيرة ومعارك تافهة مع الحياة وسط حياة ناعمة في مدينة الأحلام الكبرى. يزور مالك الصفحة، التي تنال شهرة عالمية ببلوغها 18 مليون معجب، مصر ضمن رحلة تعبر الشرق الأوسط، مُركِّزًا على قصص النساء، الحلقة الأضعف في مصر، أو هكذا يرى.

 

ويروي قصصًا مفجعة يبدي استغرابه منها وقصصًا أخرى غارقة في الفرح لأسباب عابرة وعادية دون تحديد أسماء أو عناوين بطلاته، وهو يقف على أرضية أمريكية، فما يراه الآن لم يرَه مسبقًا.

 

القصة الأولى: قلت له إني دكتورة ولست طبيبة.. فأنهى مقابلة الزواج

 

 

 

لم أجد زوجًا، ولم أتزوج. أتورَّط في عروض زواج تقليدية؛ مكتب أو صديقة أو خاطبة يقوم بترتيب مقابلات مع مَن يريدون الزواج، يعتقدون أنني “ذكر مستتر في ثياب أنثى” لأنني لست مناسبة لمقاييس الجمال والأناقة، التي يريدونها، ويمكن أن يتهاونوا فيها لو كانت إجاباتي على أسئلتي مناسبة لهم.

لنتوقف قليلًا عند الأسئلة.

لا شيء عن شخصيتي أو تربيتي أو اهتماماتي أو عني.. كل شيء يدور حول المال: كم راتبك؟ هل عندك سيارة؟ هل تملكين شقة؟.. كنت أجيب على الأسئلة بوضوح، لكني الآن أرفض.

طلب مني بعض الرجال تَرْك عملي، لكن المرأة التي تتكئ على عظام الرجال لا يروقني حالها، وتقدم لي أستاذ طلب مني التوقف عن الدراسة وتطوير نفسي لأن شهاداتي أفضل من شهاداته وأكثر منها، وأنهى رجل آخر المقابلة حين علم أنني “بروفيسور” ولست طبيبة.

لم يكن يعلن أن لقب دكتورة يعني أني حصلت على الدكتوراة، وليس أني خريجة كلية الطب.

عائلتي تريد أن أقبل أي عرض بالزواج لإنجاب طفل يكون سندًا لي، ولكن وجهة نظري مختلفة، ولن أضحّي بها لمجرد أنني أتقدم في السن.

أنا لست ضد الزواج كفكرة أو طريقة حياة وأحب الأطفال، ولكن إذا كان يعني أنني لا بد أن أقبل بأي عرض، فالأفضل ألا أتزوج.

 

القصة الثانية: قلت لأبي مشكلتي فاحتضنني ولم يضربني

 

 

 

أبي كان يريد بنتًا على عكس المصريين، يريدون ولدًا. يقول لي ذلك ويحنّ عليّ طوال الوقت. صديقاتي يحسدنني على أبي، لأن أغلب آباءهم قساة.

بعضهنّ اضطر لترك الدراسة، والزواج لتهرب من سلطة الأب، ولكن أبي يريدني أن أنجح، وأن أكمل مسيرتي، وأعيش في الخارج.

طلبت منه أن يكون صديقي، فأصبح كذلك. صديق أكثر من أب.

عندما كنت في المرحلة الثانوية، اكتئبت جدًا، وفقدت الثقة بنفسي، وشعرت أنني لست جميلة، وساءت حالتي لدرجة أنني بدأت أرى أحلامًا مخيفة، وأفكر في أشياء مرعبة.

لم أخبر أي شخص، خفت من الحبس في المنزل، ولكن في إحدى الليالي جلس إليّ في غرفة نومي، وأخبرته بأحلامي وأفكاري، ولم يكن رد فعله كما توقعت، لم يصب بالرعب أو يصرخ أو يضربني أو يحبسني.

كان هادئًا، احتضنني، وهو يقول: سنحل المشكلة.

 

القصة الثالثة: الآن.. أفهم العالم ولا أخاف الخروج

 

 

تزوَّجت بعد دراسة الثانوية العامة، وضاع حلم الحصول على شهادة جامعية، أنجبت أطفالًا بعد الزواج مباشرة، ولم يكن سهلًا إقناع زوجي بأن يتركني لأكمل دراستي، وفي المرة الوحيدة التي حاولت أن أذكر فيها ذلك، قال بدون تفكير “لا”.

في واحد من الأيام الباردة، كنّا في مكتب الجوازات، وقع بصي على إعلان جامعة خاصة، فطلبت منه أن نلقي نظره فقط، نظرة لا أكثر، لكن النظرة طالت، والتحقت بالدراسة.

في كل ليلة، أنهي مهامي الزوجية، وأعمال المنزل، وطلبات الأولاد، وحين ينام البيت كله، أبدأ المذاكرة.

أذاكر حتى الصباح، أوقظ زوجي والأطفال، وأوصلهم للمدرسة، وأعود لأستريح. كان يومي مقلوبًا، وذلك مرهق، لكنني كنت سعيدة بتحقيق حلمي. خلال السنة الثالثة، أنجبت طقلًا آخر، كنت خائفة من الولادة التي تتزامن، أحيانًا، مع الامتحانات، ولكني حصلت على شهادتي.

كان أسعد يوم في حياتي، ليس فقط لأني نلت الشهادة وحققت الحلم، إنما لأن زوجي كان سعيدًا جدًا لأجلي. الآن، أفهم العالم، وأشعر بالقوة، ولا أخاف من الخروج من البيت.

 

القصة الرابعة: أربعين يومًا غيرت حياتي

 

 

تزوجت حين كان عمري 17 عامًا. عائلتي هي حياتي، وقليلًا ما أغادر بيتي لأن زوجي يحضر لي كل ما أريده.

كنت بريئة جدًا وليس لدي أي فكرة عن أي شيء في الحياة، زوجي وأولادي فقط، وأعيش بفطرتي، لكن الدنيا علمتني.

قبل 15 عاما توفي زوجي، واضطررت لتولي مسؤولية الأسرة. كان يملك محل تنجيد، طلب العمال مني إدارته ومنحي مبلغًا يوميًا لكنهم كانوا يسرقون الأرباح، ويمنحوني الفتات، فاضطررت لإدارة العمل – بين الرجال – بنفسي.

هذا مال يتامى، وأطفال لا يزالون في المدرسة، ولا بد أن أحافظ عليه لأنها أمانة تركها لي أبوهم.

أذهب للمحل يوميًا، حاول العمال أن يخرجونني، ويشعرونني بأن كل شيء صعب، ولن أفهمه، وخبَّأوا عني أسرار المحل، والأسعار، وحين يدخل عميل المحل، لا يعرف أنني المالكة، فيتجاهلني.

راقبت كل شيء، وكل حركة قاموا بها، وحفظت كل الأسرار بعد أربعين يومًا.

يومها، وضعت قواعد جديدة للمحل، وعلى من يرفضها أن يستقيل، وأمسكت بكل خيوط اللعبة، فلم يعد من المسموح للعمال أن يتحدثوا للعميل مباشرة.

 

القصة الخامسة: الحياة صعبة لكن ربنا كريم

 

 

توفي زوجي في حادث سيارة.

كانت ابنتي في الرابعة من عمرها، وكنت حاملًا في ابني، ووجدت نفسي وحيدة ومستباحة في الحياة.

الحياة صعبة، لكن الله كريم، وجدت وظيفة، وعشنا.

أنا سيدة عجوز الآن، ولكن مازال بإمكاني أن أعملَ، أشتري شيئًا، أو أنظف.

ربيت أطفالي من عملي، وكل الناس في مبنى العمل يحبونني، ويحبون ولدي وبنتي، يقولون لي: أخبرينا إذا احتجتِ شيئًا، وحين أمرض، يتصلون بي كأنهم أصدقاء، ويعتقدون أنهم مسؤولين عني، ويسألون عليّ باستمرار.

بصراحة، ليس أهل مبنى عملي فقط، الحي كله يعرفني ويحبني، وهم في مقام أبنائي. أنا ربيتهم من صغرهم.

 

القصة السادسة: أنا وحيد وأنام في الشارع.. وأمي في السجن

 

 

 

 * الراوي ليس السيدة، إنما ابنها، وهي أكثر القصص مأسوية؛ إذ قال المصوّر إنه بعدما أنهى حواره معه ناداه أصحابه، وكانوا شبابًا أكبر منه، ويعبرون الطريق، حتى ينضمّ لهم في “شيء ما”. هذا الشيء له علاقة بالمخدرات. عرضت عليه أن يرافقني قليلًا لنتناول وجبة، فجرى وراء أصحابه ولم يترك لي فرصة لمساعدته. 

أمي في السجن، أقابلها مرتين شهريًا في الزيارة، أخواتي يأخذونني لتراني ويتركونني في الشارع بعد نهاية الزيارة.

جدتي تكرهني، خالي يضربني، لا مكان لديّ لأعيش فيه.. الإنسان الوحيد في حياتي هو أمي.

في كل مرة أزورها، تسألني إذا كنت أعيش مع أقاربي أو أخواني، فأقول لها إن لا أحد يريدني ولا أحد يحبني غيرك.. أنا أنام في الشارع، ولا أذهب إلى المدرسة، وأخرج – فقط – مع أصدقاء أكبر مني سنًا، وأحيانًا نغسل السيارات كي نوفّر بعض المال لنعيش، فتقول لي: اصبر، ما باليد حيلة.

في الأسبوع الماضي، غسلت سيارة رجل طيب فاشترى لي طعامًا وثيابًا، وعرض عليّ أن أنام في بيته.

غالبًا، سأقيم في بيته.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد