الرئيسيدين وحياة

السيدة عائشة المنوبية: قطب الرجال

المرأة والريادة الدينية

 

لو تخيلنا أحلام و طموح فتاة صغيرة عاشت خلال العقد الأخير من القرن الثاني عشر والنصف الأول من القرن الثالث عشر، لما تصورنا  أن البحث عن الله من ضمنها. لكنها كانت على ضآلة جسمها، طفلة مرهفة الحس، مختلفة على قريناتها، تبدو غريبة الأطوار في نظر أبناء منطقتها..

 

بعينين تتقدان ذكاءا و نفس مسكونة بهاجس السؤال والشغف بالتعلم، كبرت عائشة المنوبية بمدينة تونس تراقبها النظرات الناقدة لسلوكات عدت متمردة على السائد.. الا أنها إستحوذت تدريجيا على قلوب العامة، وأثارت مخاوف العلماء و الحاكمين، واحترامهم في آن واحد..

 

من تكون السيدة المنوبية”؟

ولدت هذه الشخصية، التي تحتل مكانة خاصة في ذاكرة وقلوب سكان مدينة تونس في قرية صغيرة تقع على بعد 6 كلم إلى الشمال الغربي من مدينة تونس وتعرف بـ”منوبة”، في بيت متواضع اتخذته عائلتها مسكنا لها، وكبُرت فيه. واقترنت حياتها بتاريخ علمْين من أعلام التصوف بها، هما الشيخ أبي سعيد الباجي (551ـ628 هـ. /1156ـ 1230 م.) والشيخ أبي الحسن الشاذلي (593ـ656 هـ./1196-1258 م.)،

 

عاشت السّيدة المنوبية في مدينة تونس، خلال القرن الثالث عشر الميلادي، في ظل الدولة الحفصية، وعلى امتداد سبعين سنة، اقترنت قصتها بتاريخ مدينة تونس، عاصمة إفريقية الحفصية.

لم يكن التعليم بمدينة تونس خلال العهد الوسيط متاحا للمرأة،   ويقول المؤرح عبد الجليل بوقرة  بأن ” النساء المتعلمات” لم يكنّ يمثلن، خلال القرن الخامس عشر، سوى حالات معزولة من المحظيـات، وأغْلبهن من الأجنبيات القادمات من المشرق العربي أو من الأندلس، أو نساء استثنائيات ينتمين إلى السلالة الحاكمة آنذاك، أي الحفصيين، واكتسبن شهرتهن من المؤسسات الخيرية التي أنشأنها في العاصمة الحفصية.

لم يكن هذا حال عائشة المنوبية، فهي لم تكن ثرية ولا أميرة ذات نفوذ، بل كانت بنتا  من بنات الشعب، طمحت أن تنال نصيبا من العلم والحرية.

 

لغتها

حسب أبحاث الدكتروة آمنة بن ميلاد  كانت لغة الأم لعائشة هي الأمازيغيّة، أي اللغة البربريّة. وقد أشار عبد الرحمان إبن خلدون إلى اللغات المتداولة في العصر الحفصيّ، وبيّن في الفصل السادس من مقدّمته الشهيرة أن اللغة البربريّة منتشرة في كامل الأرياف، ما عدى المدن الكبرى أين تسود اللغتان العربيّة والبربريّة، ويُخلط بينهما.

و كانت عائشة تحسن اللغتين، وكانت لوالدها وظيفة دينيّة، لم يتوصّل الباحثون الى تحديدها: هل كان مؤدّبا، أي ما يُعرف باللغة العاميّة “بالمدّب”، أم إماما؟

علّمَها اللغة العربيّة والقرآن الذي يقال انها قامت بترتيله 1620 مرة في حياتها.

 

 

 

نسبها

يضيف الأستاذ عبد جليل بوقرة أن عائشة كانت تنتمي إلى عائلة تنتسب إلى قبيلة بني هاشم العربية الشهيرة، التي يرجع اليها نسب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى حركة المرابطين الإصلاحية الشهيرة أيضا. وعلى هذا الأساس، فليس من باب الصدفة أن يحمل والدها اسم “عمران”، وهو اسم والد السيدة مريم، أو عُمر، نسبة إلى ثاني الخلفاء الراشدين، وأن يُلقب بالشيخ وفقا للتقاليد الُموحّدية.

وليس من قبيل الصدفة أيضا أن يكون اسم والدتها ” فاطمة”، نسبة الى ابنة الرسول الاكرم وأن يكون اسم جدها “عبد السميع”. ولعل سلسلة النسب هذه رسمت لابنة قرية منّوبة طريقا هيأها لمصير مغاير لما كان مألوفا زمنها.

 

الظروف الاجتماعية و التارخية

كان المشهد السياسي والاقتصادي والديني خلال تلك الحقبة من تاريخ إفريقية لا يبعث البتة على الاطمئنان. فقد اتسمت الفترة التاريخية الفاصلة بين سنتي 595 هـ./1197 م. و665هـ./1267م.، حسبما تٌفيد المصادر، بالاضطرابات السياسية وحركات التمرد والدسائس. ومما زاد في تعقيد هذا الوضع، المصاعب الاقتصادية التي كانت البلاد تتخبط فيها نتيجة لتعاقب أعوام الجفاف..

 

كانت عائشة في الثلاثين من العمر، عندما اعتلى أبو العلاء إدريس بن يوسف سدّة الحكم. وكان أبو العلاء، وهو حفيد عبد المؤمن، والِي إشبيلية السابق، يحمل لقب “السّيد”. وقد اشتهر أبو العلاء بطغيانه،  فاستبشر أهالي تونس، و من بينهم السيدة المنوبية، عندما تعرض هذا الأمير المكروه للخلع، وحلّ محله على رأس البلاد أحد أحفاد أبي حفص، الشيخ محمد بن عبد الواحد (1227/1228 م.)، الذي استقر بمدينة تونس سنة 632 هـ-1226 م.

 

غير أن ما زعزع أركان السلم بمدينة تونس وهزّ سَكِينة أهاليها لم يكن في الحسبان. فقد عمد الخليفة الموحّدي بمراكش الى تعيين أبي زكرياء يحي بدلا من أخيه الشيخ محمد.  ودخل أبو زكريا تونس سنة 625 هـ.-1228 م. وظل في السلطة طويلا، من 1228 إلى 1249م.

 

في ظل هذه التقلبات السياسية والاضطرابات تنامى الشعور بالحاجة الى الأمان الروحي واليقين باللجوء إلى أصحاب الكرامات، والبحث عن الطمأنينة في حضرة الأولياء والطرق الصوفية.

 

 

 

شخصيتها

تيقنت “السيدة منوبية ” بأنها تختلف عن الآخرين، لكونها تملك بعدا عجائبيا لم يكن المحيطون بها ينظرون إليه بعين الرضا.

وفعلا كان مجتمع القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، ينظر إلى هذه البنت غير العادية على أنها غير طبيعية ويعاملها معاملة من بهم مس من الجن.

 

استشعرت البنت انه لم يعد بمقدورها البقاء في منوبة مع توقها للمعرفة والحرية،فقد غدت محل فضول الجميع. كما تعرّض والدها إلى انتقادات أهل القرية بسبب سلوكها وهيئتها التي تنمّ عن الكثير من التحرر والخروج عن المألوف، فعزمت أمرها على مغادرة بلدتها.

 

مسيرتها و تعلمها

كانت السلطة الدينية والسياسية بتونس متمحورة حول ثلاث شخصيات مهمة في العصر الذي عاشت فيه السيدة منوبية، وهم أبو سعيد الباجي وأبو الحسن الشاذلي، الذي أصبحت من تلاميذه الأوفياء، والأمير أبو محمد عبد الواحد.

وكانت عائشة آنئذ في العشرين من عمرها، تتميز بذكاء استثنائي وتتمتع بمقدار غير هيّن من الجمال. ولنكْتفِ في وصف حسنها بما قاله الشيخ أبي الحسن الشاذلي، في ذكر لأول لقاء بينهما على عتبة” المغارة” (الغار الذي كان يتعبد فيه): “لقد طالعتني امرأة ذات وجه مشرق”.

 

إن الله خلقني وأحبني واصطفاني ورواني من معين المعرفة؛ وجعل مني قطب الأقطاب وزينة أحباب الله. وأنا شاذلية وليس هناك من يضاهيني في زماني”.

 

 

كان بالحسن الشاذلي على إتصال بالطريقة الصوفيّة لإبن عربي الأندلسي. وقد عُرفت مدرسته الفكرية بإقرارها بضرورة المساواة بين البشر، لكن عائشة لم تتعرّف على إبن عربي الأندلسي مباشرة. فعندما زار تونس في مناسبتين، لم يكن عمرها يتجاوز الثماني سنوات. ورغم ذلك كانت مسكونة بقناعة أن سلسلة روحية فكريّة تربطها به.

و حسب الباحثة آمنة بن ميلاد فقد تعلّمت عائشة “الطريقة الصوفيّة” بتدرّج. إجتازت عديد الإمتحانات، ومن وضعيّة التلميذة أصبحت في مصاف الأساتذة، حتى صارت تحاور أستاذها أبا الحسن الشاذلي في مسائل عدة.

 

إمرأة في مجتمع ذكوري

ورد ببعض المناقب أن فقيها، لم يُذكَر اسمه، ولعله ابن البرة المهداوي، طلب من الأمير الإذن برجم عائشة، لأنها كانت تجتمع بالرجال و تخرج من بيتها بدون قيد… إلا أن الأمير،  أبا زكرياء، رد على بجملة واحدة، داعيا إياه إلى اعتبار عائشة “رجلا من ضمن الرجال”.

فرغم معارضة االكثيرين لها، كان آخرون يرون أنها أمست صنْوًا للرجال الذين ارتقوا في مراتب المعرفة. لذا يذكر أنها قد حضرت مصلى العيدين، بالرغم من أنه كان حكرا  على أولي الأمر والمقرَّبين من البلاط وبعض العلماء. وصارت عائشة توصف  ب”سيدة الرجال” لأنها تتلمذت على يد العالمين الأجلين أبي سعيد الباجي وأبي الحسن الشاذلي.

كانت تخطب في القوم في مسجد الصفصافة بلغة تكاد تستعصي على فهم العامة من الناس وكان سكان مدينة تونس في انبهار مما يسمعونه و يرون في ذلك الوقت، فهي تتلفظ كلاما اعتادوا سماعه من أفواه الرجال، الذين ارتقوا عاليا في مراتب العلم والمعرفة.

 

 

التصوف

كان الأنبياء والخلفاء الراشدون وأعلام الإسلام والتصوف، هم القدوة التي اقتدت بها عائشة في تعميق ورعها وإيمانها وأخلاقياتها والمبادئ التي اتبعتها في حياتها. كما أنها سعت إلى تبني خصالهم والاتصاف بصفاتهم. فكانت تردد فقرات من أوراد أبي الحسن الشاذلي وتقول إن الشيخ كشف لها الأسرار.

 

” رأيت الله بعين القلب، مكمن اليقين”

 

وكانت عائشة تعبّر بذلك على طريقتها عن غبطتها لاكتشافها السبيل المؤدي إلى اليقين. وكانت تصدح بالقول: “إن الله خلقني وأحبني واصطفاني ورواني من معين المعرفة؛ وجعل مني قطب الأقطاب وزينة أحباب الله. وأنا شاذلية وليس هناك من يضاهيني في زماني”.

 

كانت تقول أيضا: ” شربت من كأس العلم ومن كأس الحلم ومن كأس اليقين ومن كأس الخشوع ومن كأس التواضع ومن كأس العفّة. وأنا دليل الرجال وإمامهم”.

 

قطب 

حسب المؤرخين، عندما قرّر سيدي بالحسن الشاذلي مغادرة تونس والتوجه إلى مصر، عيّن عائشة برتبة “قطب”، وهي أعلى المراتب الروحيّة في الطريقة الصوفيّة. جعلها  “قطب المعرفة والنور” الذي يرنو إليه أتباع الطريقة وسلّمهـا لباسه وخاتمه في حفل تتويج رسميّ، وهو بذلك يُعيد إلى الأذهان ما قاله إبن عربي عن رابعة العدوية عندما إعتبرها قطبا.و أعلن على رؤوس الأشهاد أنها “قطب الصوفية” و” قطب الرجال “و”قطب الأشراف” الذين ينتسبون إلى سلالة النبي محمد (صلعم).

” أنت يا دليلا الحيرانين، أنت يا مطمئن الوجْلانين، أكرمني برؤيتك، واجعلني أُدرك يقين وجودك”

هكذا خاطبت السيدة منوبية الله بعد أن بلغت الستين من العمر. و بعد رحلة من التزهد و العبادة و مساعدة الفقراء و حب البسطاء، استجاب الله لدعاها، وحلقت روحها لتلاقي خالقها  و احتضن “مقام  السر”  جسدها و دفنت معها أسرارها.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “السيدة عائشة المنوبية: قطب الرجال”

  1. لقد قمت بكتابة مقال به كل هذه الجمل و تكاسلت عن كتابة صلى الله عليه وسلم كاملة بدل اختصارها سبحان الله

اترك رد