اختيار المحررينثقافةغير مصنف

المداحـــــــــــــات في وهران:  المرايا المقعرة لواقع النساء

 

 

تتميّز ولاية وهران بالغرب الجزائري بأنماط غنائية مختلفة ومنها غناء المداحات وهو نوع موسيقي شعبي ينتشر أساسا في حفلات الأعراس والختان ويطلق على الفنانة التي تغني هذا النمط الموسيقى بالمداحة، التي لا تكاد أن تخلو منها الأعراس الوهرانية بل يعتبر وجود المداحة وفرقتها الموسيقية دلالة على القيمة الاجتماعية المرموقة للعائلة في الغرب الجزائري.

 

مع انتشار الطرق الصوفية ظهرت بعض المجموعات الموسيقية والمتكونة من الرجال لمدح الرسول الكريم داخل أضرحة الأولياء الصالحين في مناسبات دينية مختلفة ويأتي إلى هذه الأضرحة الزوّار من مختلف الشرائح الاجتماعية لحضور هذه الحفلات والتبرّك بالأولياء الصالحين وهي عادات متوارثة مازالت تجد صدى كبيرا إلى يومنا هذا.

مع نشأة هذه الفرق الرجالية ظهرت على إثرها فرق نسائية تقوم بالمدح الديني وتسمى بالمداحات ونشطت هذه الفرق النسائية في الأعراس لتقوم بمدح الرسول والوليّ الصالح الذي زارته العروس من أجل التبرّك به في مسيرتها الجديدة وانتقالها من حالة العزوبية إلى حالة الزواج، وهو من طقوس العبور المتوارثة والضاربة في القدم في شمال افريقيا ونجد هذه العادة في تونس لا سيّما في ولاية زغوان إذ تزور العروس ضريح ” سيدي علي عزوز” وتتبرك به في طقوس إحتفائية معينة.

 

 

يعود أصل كلمة ” المداحة ” إلى وظيفة المدح الديني التي اضطلعت به في بداية نشأتها وتستعمل هذه الفرق الات موسيقية بسيطة أبرزها البندير والشكشاكة وتمّ ادخال الطبيلة والمعروفة بإسم الدربوكة في تونس، يشير الأستاذ خالد بن فافا في دراسته حول ” المداحات: تاريخ وأصالة ” والمنشورة بكتاب جماعي من إصدار مركز بحوث الأنثربولوجيا الثقافية بوهران  أنّ أوّل مداحة برزت في ولاية وهران هي الشيخة السبساحية والمتوفاة سنة 1940 ويقول في معرض دراسته : ” أدت الشيخة السبساحية المدح بشكله الأصلي وأعطت المداحات نكهتها الشعبية المميّزة وسط مدينة وهران والملاحظ بقصائد السبساحية أنّها ذكرت كثيرا الأولياء الصالحين وهذا ما أعطاها شعبية موسعة بمدينتي وهران ومستغانم”.

تغيّرت مواضيع أغاني المداحات في منتصف القرن العشرين لتتحوّل من المدح الديني إلى مواضيع عاطفية واجتماعية وهو ما يعكس انتشار هذا النمط وحضوره الطاغي في الأعراس والمناسبات العائلية السعيدة في الغرب الجزائري لا سيّما ولاية وهران ومع تغيّر المواضيع تمّ إدخال بعض الآلات الموسيقية الأخرى مثل آلة الرباب والقرقابو ويذهب البعض إلى اعتبار استعمال آلة الربابة ذات دلالة قدسية في طريقة استعمالها، إذ تقوم المداحة بتبخيرها داخل ضريح الوليّ الصالح الذي ستمدحه في حفلة العرس والذي زارته العروس في إطار التحضيرات السابقة للعرس.

 

 

ويخضع حضور المداحات في الأعراس الوهرانية في الماضي إلى خطوات منظمة وأعراف وتقاليد متعارف عليها، إذ تحضر المداحة مع فرقتها الموسيقية وتشترط على العائلة مقابل الغناء أن يكون هدايا من العائلة التي تبالغ في إكرام المداحة ليذيع صيتها في الكرم والفخامة ويهدى إلى المداحة هذه الهدايا في طبق يوضع في وسط الفرقة فيشاهدها  الحضور  وكلما كانت الهدايا ذات قيمة كبيرة تبالغ المداحة في مدح العائلة ووصفها بالكرم والنبل وقد اختفى الطبق حديثا من حفلات المداحات وأصبحن يتقاضين مقابلا ماديا عوض الهدايا كما أنّهن يجنين في نفس الحفلة مبالغ متفاوتة الأهمية من خلال فعل التبراح وهو مدح من تقوم بوضع المال، وتوجد هذه العملية في تونس في فرق الطبال وتعرف بالتشييد وهو مدح من يمدّ المال والدعاء له بطول الحياة والرفاه.

ومن أشهر المداحات في وهران الشيخة الريميتي والتي تناولت مواضيع جريئة في أغنياتها مثل ” أنا وحبيبي في الجبل “، ” أنت قدامي وأنا وراك ” و ” شرق قطع ” وهي مواضيع جريئة في مجتمع محافظ ولكنّها شهدت انتشارا ورواجا كبيرا وهو يدّل على نجاح المداحات في الغرب الجزائري رغم النظرة الدونية التي تلاحقهن فهن ” دعوة الشرّ ” حسب المخيال الشعبي وتختار أغلب المداحات الاعتزال والقيام بشعائر الحج والمكوث في بيوتهن وانتظار الموت وتعتبر الشيخة الريميتي الاستثناء الواعي لوظيفتها فهي لم تتبرأ من الفنّ ولم تتركه إلى آخر لحظة في حياتها.

 

 

أغلب المداحات بكتابة أغانيهن بأنفسهن كما تحافظ بعضهن على جمل شهيرة في الأغاني الشعبية ولكنّهن يكتبن بقيّة الأغنية بأنفسهن ويعكسن نظرتهن للحياة ومواقفهن ويلخص الأستاذ خالد بن فافا حياة المداحة في ثلاث مراحل أساسية وهي مرحلة البداية والتي تبدأ فيها المداحة بالغناء القدسي أي المدح الديني والمرحلة الثانية هي مرحلة البروز والتي تعرف فيها المداحة وتكتسب شهرة واسعة وهو ما يجعلها تغيّر مواضيع أغنياتها ثم مرحلة العودة وهي عادة قبل الاعتزال إذ تعود المداحة إلى نقطة البداية الأولى وهي الغناء الديني ومدح الرسول الكريم .

مع ظهور الإرهاب بالجزائر ما عرف بالعشرية السوداء تمّ اختفاء المداحات من الفضاء العام خوفا من ملاحقة الإرهابيين ولكن ظهر  نمط جديد غير متعارف عليه ” مداحات من الذكور ” تشبهوا بالنساء ومن أشهرهم ” الشابّ عبدو ” والذي ظهر على أشرطة الكاسيتات في التسعينات بمظهر شبه أنثوي فنان يضع مصوغا  أنثويا في واقع يتسم بالخطورة يبدو الأمر تحديا للإرهاب وتعبيرا عن الحياة التي لا تعبأ بالإرهاب والقتل فحبّ الغناء والحياة من سمات الوهرانيين.

 

 

تناول هؤلاء الفنانون أو المداحات الذكور مواضيع عاطفية وغنّى الرجل للرجل، وكأنّ فعل التأنيث كان ضرورة ملحة للشعور بالأمان في العشرية السوداء حتى ولو حمل هموم ومشاعر الأنوثة صوت رجل بالنيابة عن النساء المهددات بالقتل من طرف المجموعات المسلحة، لقد نقلت الحنجرة الذكورية مشاعر النساء تجاه الرجال في ظل غيابهن القسري ونجح هؤلاء في استقطاب المستمعين من مختلف أنحاء الجزائر الذين تنقلوا إلى وهران للتمتع بنصيب من الحياة في ظل عمليات القتل والتهجير التي وقعت في العشرية السوداء.

تعكس المداحات رغبة النساء في التحرر والخوف منه وذلك من خلال مسيرتهن الفنيّة فهي تبدأ بالتطبيع مع الواقع من أجل نيل الإعتراف وبعد أن تتحصل عليه تبدأ في الانتفاض على الواقع والسيطرة الذكورية ولكنّها ما تلبث أن تخاف فتعود إلى المرحلة الأولى وهي التطبيع مع الواقع من جديد لعلها تجد الاعتراف الذي سلب منها بعد

مرحلة البروز وهي مراحل حياة النساء في مجتمعاتنا، إنّهن المرآة المقعرة التي تكشف عورة الواقع وضعف النساء في مجتمع مازال يتعامل معهن بدونية كبيرة خاصة مع من انتفضت عليه.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.