اختيار المحررينثقافة

المؤرخ عبد الحفيظ منصور: محمود المسعدي حارب العلامة حسن حسني عبد الوهاب

الذكرى الخمسين لوفاة العلامة حسن حسني عبد الوهاب

 

 

حاملا فهرس المخطوطات الثمين، الذي أثث من خلاله مسيرة العلامة حسن حسني عبد الوهاب، يقلب الأستاذ الباحث في التاريخ “عبد الحفيظ منصور” ورقاته ويشرح للمحاضرين أهمية الاطلاع على تاريخ تونس المغيب وعلى مناصري اللغة العربية الذين حوربوا خلال الاحتلال الفرنسي وبعد الاستقلال.

استفزته المغالطات، التي أدلى بها بعضهم، وساءه تاريخ البلاد المهمش والمهمل في رفوف الأرشيف دون بحث واستفادة.

ولكنه قرر الخروج عن صمته ليتحدث عن معاناة أستاذه مع دولة الاستقلال ومحاولة التضييق عليه وعلى أعماله بعد وفاته عام 1968.

 

التقت مجلة ميم بالمؤرخ التونسي خلال ندوة فكرية بدار الثقافة المغاربية ابن خلدون، بالعاصمة التونسية، بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل العلامة حسن حسني عبد الوهاب (1968-2018).

وخصصت الندوة لتسليط الضوء على مسيرة هذه الشخصية التي أثرت في الفكر الوطني على مدى عقود من الزمن.

 

المؤرخ عبد الحفيظ منصور

 

 

يلقّب منصور بالإبن الروحي للعلامة، حيث أكد أن حسن حسني عبد الوهاب هو من لقبه بذلك، وهو معلمه وأستاذه الذي كان يصمت في حضرته فيتعلم منه ما كان يغيب عن جيله.

وقال في حديث لميم إن “مجاله واسع جدا بين التاريخ والتراث ومساهماته الفنية والجمالية وتشبثه باللغة العربية ودفاعه عنها.وهو السبب الذي أخرج الإبن من صمته من أجل الوقوف عند المغالطات التي ألصقت بالعلامة رغم تعبه الشديد وحرمانه، حتى أنه كانت هناك إرادة إدخاله للسجن”.

وأكد منصور لميم أنّ هناك افتراءات على هذه الشخصية الوطنية وأنّ أغلب المتحدثين عنه “كاذبون”، لأنهم لم يعايشوه أو يدركوا حقيقة عمله.

 

حسن حسني عبد الوهاب في مصلحة الآثار بالعطارين عام 1956 مع صلاح الدين المنجد الدمشقي مدير معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية حينذاك

 

 

وأرجع ذلك إلى “إهمال التونسيين لتاريخهم وتعّمد جيل من المنافقين والمخذولين، محاربة الشيخ الطاهر بن عاشور وتراثنا وأحلامنا ورموزنا، وعلى رأسهم حسن حسني عبد الوهاب”.

وعن طبيعة علاقته بالعلامة يقول منصور “هو أبي عرفته منذ عام 1946 وقرأت كل كتاباته ومباحثه، وعندما تكونت لجنة لفهرسة مخطوطاتنا في الأحمدية (أحمد باشا باي) والصادقية (محمد الصادق باي) عمدت أطراف سياسية إلى إفشالها، وحلت في يوم وليلة، حيث نقلت إلى دار المعلمين العليا، عندما دعا بورقيبة بإفطار رمضان وأمر الطاهر بن عاشور مفتي البلاد بتحريم الصيام”، وفق قوله.

تابع منصور، “كنت عضوا في هذه اللجنة، ورغم حلها اعتنيت بالمخطوطات وقمت بفهرستها في غفلة من محمود المسعدي الذي لم يكن يحب لا العربية ولا حسن حسني عبد الوهاب. وجمعت حوالي 15 ألف مخطوطة. لقد مثل تيار المسعدي في ذلك الوقت، عائقا أمام كلّ من تمسك باللغة العربية، وفق محدثنا. وقد شمل مجموعة من السياسيين وأعداء اللغة العربية وأنا عشته وواكبته.. كما كانت هناك محاولة لسجن العلامة عبد الوهاب بتهمة سرقة الآثار في ذلك الوقت، لكنه أنصف.”

 

 

حسن حسني عبد الوهاب في الزيتونة جالسا إلى جانب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور

 

ويأتي ذلك في إطار الرؤية البورقيبية (نسبة للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة) لدولة الاستقلال، التي حاول من خلالها  إلغاء دور جامع الزيتونة والدفع نحو الانخراط في التدريس الجامعي على النمط الفرنسي.

وكان المسعدي قد انخرط في العمل السياسي وساند الرؤية البورقيبية، حيث تولى مسؤولية شؤون التعليم في حركة الاستقلال الوطني فعين وزيرا للتربية ثمّ وزيرا للشؤون الثقافية.


وقد ذكر الجامعي والسياسي، محمد مواعدة، في “ذكريات مناضل وطني” نشرتها صحيفة الشروق التونسية أنّ محمود المسعدي ساند بورقيبة في موقفه من جامع الزيتونة و “كان لا يخفي احتقاره لهذه المؤسسة الدينية والتعليمية ولشيوخها والمتخرجين منها ويذكر الزيتونيين الذين تخرجوا في تلك المرحلة ما عانوه من اهانة ومن رفض وعدم توظيف الى آخره”.

ولعلّ لهذا التوجه السياسي، أثر لاحق على الزيتونيين والمتمسكين بهذا النظام التعليمي وعلاقتهم بالمسعدي، صاحب “السدّ” و”حدث أبو هريرة قال” التي صنفت كتاسع أفضل 100 رواية عربية، علاوة على دراسته للغة العربية وآدابها عام 1933 بجامعة السوربون الفرنسية.

ويرى الأستاذ عبد الحفيظ أنّ موقف عبد الوهاب من الاستعمار ومحاولة التشكيك فيه هي رواية مخالفة للحقيقة، باعتبار أن العلامة عمل “مخزني” ووالده ابن الإدارة التونسية ولم يكن بيده شيء ليفعله تجاه الاستعمار في ذلك الوقت”.

وصرح لميم أنّ وزارة الثقافة التونسية منعت مخطوطاته من النشر، لأنهم “لا يعملون ويسيؤون لما يقوم به الآخرون، في محاولة لطمس التراث الوطني”.

وأضاف أنّ “كلّ العلماء والباحثين المهتمين بمستقبل البلاد يحاربون من قبل هؤلاء المسيئين. ونرفض البحث في الرصيد الوطني”.

فيما اعتبر أنه “من الصعب جدا إنصاف العلامة حسن حسني عبد الوهاب لأن السياق تغير نحو الأسوء بالنسبة للواقع الثقافي والفكري وواقع اللغة العربية، الذي ازداد تدهورا للأسف”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.