ثقافةغير مصنف

عن أزمة الكتاب العربي في الجزائر

كيف بدأت الأزمة؟ ما تجلياتها؟ وتداعياتها؟ هل من حلّ في الأفق؟

 

بداية نحن لا نتحدث عن مسألة انعدام الكتاب العربي بصفة كاملة أو على نحو غالبٍ بحيث لا يتمكن القارئ أو الباحث الجزائري من الحصول على مصدر عربي لقراءاته وبحوثه في مختلِف المجالات، وإنما الكلام عن “أزمة” تتعلق بذلك تجعل الكتاب العربي ليس في متناول عموم الناس والباحثين، أو بعبارة أخرى: يصعب الحصول عليه لأسباب متعددة

 

لا مبالاة رسمية

في العقدين الأخيرين توجهت وزارة الثقافة الجزائرية إلى تنويع مفعم بالحيوية في برامجها ومشاريعها الثقافية الضخمة، وقد ظهر ذلك جليا مع النشاطات الكبرى التي أطلقتها الوزارة في السنوات الأخيرة التي اتسمت غالبها بالتركيز على المهرجانات التي تعتمد على الثقافة الفلكلورية والغنائية ونذكر من أهمها: مهرجان تيمقاد الدولي الذي يقام سنويا في مدينة تيمقاد بولاية باتنة) نحو 420 كم جنوب شرق العاصمة (والذي تترواح ميزانيته بين 5 مليار سنتيم حتى 15 مليار سنتيم حسب ما يصرح به رسميا، وهي الأرقام التي يراها بعض مسؤولي الثقافة غير كافية بالمقارنة مع مكانة هذه التظاهرة الدولية، بالإضافة إلى المهرجان الدولي للرقص الشعبي بمدينة سيدي بلعباس، والمهرجان العربي الإفريقي للرقص الفولكلوري بمدينة تيزي وزو، فضلا عن مهرجانات الموسيقى الأندلسية وموسيقى المالوف وموسيقى القناوي وموسيقى الجاز وكلها مهرجانات دولية مما يعني أرقاما مالية ضخمة كذلك، دون أن نذكر المهرجانات الوطنية لكل من موسيقى الراي، المالوف، القناوي، الأندلسي، أهليل قوارة، مهرجان العرائس، وغيرها والتي تقام سنويا في ولايات مختلفة.

 

 

 

هنا يمكننا أن نتساءل عن الميزانية المخصصة للنشاطات الثقافية المتعلقة بالكتاب عموما وبالكتاب العربي على وجه الخصوص؟

 

فإذا ما استثنينا الحدث الثقافي الوحيد المتعلق بالكتاب ألا وهو “المعرض الدولي للكتاب”؛ فإنه لا تكاد توجد لدينا فعالية كُتُبية أخرى توفر الكتاب ولواحقه “المجلات، الصحف الأدبية، الدوريات،” للطالب والباحث والمثقف الجزائري.

وبإجراء مقارنة بسيطة بين الأحداث الثقافية المتعلقة بالكتاب وبين تلك المتعلقة بالأنواع الثقافية الأخرى فإن نسبة ضئيلة جدا من الاهتمام الرسمي فقط هي المخصصة للعناية بالكتاب، وهذا يتضح في تتبع البرامج الثابتة وكذا المشاريع التي تعلن عنها وزارة الثقافة من حين لآخر عبر موقعها أو عبر تصريحات المسؤولين.

 

قلة دور النشر

إذا درسنا الموضوع من جانب آخر؛ واعتبرنا ما سبق تقصيرا حكوميا ناتجا عن البيروقراطية المنتشرة في كافة الإدارات التي تتعامل مباشرة مع مصالح المواطن، فإنه لا يمكن لنا أن نغض الطرف عن عنصر مهم جدا في عملية توصيل الكتاب للقارئ، والمقصود هنا دور النشر التي تتحمل مسؤولية الطباعة والنشر والتوزيع، والحقيقة أن الأرقام في هذا الباب صادمة للغاية.

ففي تصريح أدلى به “أحمد ماضي”، رئيس النقابة الوطنية للناشرين الجزائريين ليومية الحوار (بتاريخ: 04 نوفمبر 2017)

 

“يقولون إن هناك 500 أو 600 دار نشر في الجزائر وأنا أقول إنه لا يوجد أكثر من 100 دار نشر وسأذهب أبعد من ذلك، لا يوجد أكثر من 50 دار نشر في بلادنا”

 

هذا يفسر الخمول الكبير في ميدان الطباعة والتوزيع، لأن الجهة المنوط بها إصدار الكتاب وتوصيله للقارئ وللمكتبات العمومية والخاصة هي دار النشر، فإذا كان عدد دور النشر نادرا مقارنة مع عدد القرى والبلديات والمدن التي تحتوي على أعداد كبيرة من التلاميذ المتمدرسين وطلبة الجامعات وعموم المثقفين، فضلا عن المؤلفين في المجالات الدينية والأدبية والعلمية والإنسانية والذين ترتبط أعمالهم ارتباطا وجوديا بتوفُّر الكتاب؛ فإن هذا يعني أزمة حقيقية تخلق فجوة كبيرة بين الكتاب والقارئ.

 

معرض الكتاب بالجزائر

 

مشكلة التوزيع

يجب التنويه هنا إلى مشكلة التوزيع التي تمثل عائقا بين يدي دور النشر خاصة الحديثة منها، فإن كثيرا من هاته المؤسسات تفشل في العثور على موزعين موثوقين لتوصيل أعمالهم إلى المكتبات المختلِفة في أنحاء الوطن، أو حتى توصيل الطلبيات الخاصة بالقراء.

 

سبعة آلاف عنوان لكُتُبٍ صدرت بين سنتي 2003 و2015 وبدعم مباشر من الخزينة العمومية، بقيت كميات منها مكدّسة في المخازن ولم تذهب إلى المكتبات العمومية والجامعات والمؤسسات العقابية مثلما يفترض

وزير الثقافة ميهوبي عز الدين

 

ولا بأس أن نستحضر تصريح وزير الثقافة ميهوبي عز الدين حين قال: “إن )7000( سبعة آلاف عنوان لكُتُبٍ صدرت بين سنتي 2003 و2015 وبدعم مباشر من الخزينة العمومية، بقيت كميات منها مكدّسة في المخازن ولم تذهب إلى المكتبات العمومية والجامعات والمؤسسات العقابية مثلما يفترض”.

هو التصريح يجب أن نُردفه بكثير من علامات التعجب والاستفهام، فالناشر الذي يعمل على قبول النصوص وطباعتها يتعثر في توزيع أعماله بسبب ضعف التمويل بحيث لا يمكنه أن يوفر موزعين خاصين به إلى كل الولايات الجزائرية أو حتى إلى غالبها أو كثير منها، وهذا يُعرضه إلى خسائر مادية محتملة؛ فضلا عن تعريض الكاتب / المؤلِّف المتعامِل معه إلى خسارة معنوية ومادية، لأن غرض المؤلف هو وصول عمله الفكري إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وهذا لن يتحقق مع أغلب دور النشر الجزائرية سواء الحكومية أو الخاصة، لما سبق ذكره من مشكلة التوزيع والتوصيل، خاصة حين يصرح بذلك أعلى مسؤول في وزارة الثقافة.

فقدان أهم حلقة في عملية “التثقيف”

نحن ندرك جيدا أن المدرسة الأساسية هي المرحلة الأهم في النمو الفكري للإنسان، فإذا غاب دورها التثقيفي التعليمي فلا شك أننا سنصطدم بأجيال تحمل شهادات مدرسية وجامعية لكنها لا تحمل كتابا ولا تحمل ثقافة المطالعة، وأنا هنا أتحدث عن فقدان الرابط بين “المدرسة” و”الكتاب”، هذا الرابط الذي لن يتحقق وجوده إلا ببرنامج حكومي مشترك بين قطاع التربية والتعليم وبين قطاع الثقافة، وهو برنامج تم الإعلان عنه فعلا بميزانية ضخمة تقارب 400 مليار سنتيم، لكنه ظل حبرا على ورق بسبب صراعات ليس هذا محل التفصيل فيها ومناقشتها تتعلق بالتوجهات السياسوية للقائمين على هذا البرنامج، بين دعاة الفرنكوفونية والفرنكوبربرية وبين العروبيين، ويبدو أن الصراع تفاقم مما أدى إلى تعطيل هذا المشروع الوطني الكبير ليتعرض الجميع إلى خسارة حضارية تعرضهم للمساءلة التاريخية أمام الأجيال القادمة.

 

 

أين المجلات؟

تُعَدُّ “المجلَّة” ركنا أساسيا من أركان المشهد الثقافي في عصرنا الحديث، لأنها تمثل ملخص الحياة الثقافية وزبدة الإنتاج الفكري والأدبي مع ما تقدمه من كتابات نقدية وتصحيحية واقتراحات علمية وازنة لتحريك الفعل الثقافي.

وإذا نظرنا للحالة الجزائرية أدركنا أن هناك تلاشيا تدريجيا للمجلات الثقافية التي كان لها الأثر الكبير في تحليل علوم اللغة وقراءة ونقد الأدب العالمي والجزائري على وجه الخصوص، ويمكن أن نذكر مجلة “آمال” التي كانت أدبية بامتياز وقد بدأ صدورها مطلع أفريل سنة 1969، وقد قال عنها الوزير ميهوبي: “إن جيلا كاملا من الأدباء والمثقفين الجزائريين نشأ عليها منذ نهاية السبعينيات”.

 

 

لكنها تعثرت في الصدور عدة مرات خاصة خلال العشرية السوداء وعدت مؤخرا وزارة الثقافة بإحياء مجلة “آمال” من جديد مع ضميمة أن تكون منبرا للأدب والفن معًا، وهنا نستحضر أيضا مجلة “اللسانيات” النصف السنوية، وكان رئيس تحريرها العلامة الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح عبقري اللسانيات الجزائري، بدأ إصدارها مع سنة 1972.

ومع أنها لا تزال تصدر منها بعض الأعداد إلا أنها توقفت عدة مرات كما أنها توزع في نطاق ضيق، بالإضافة إلى مجلات أخرى ذات قيمة أدبية عالية جدا لو كُتب لها الاستمرار ونذكر من بينها مجلة “الكلمة” برئاسة الأستاذ عبد الله عثامنية وقد بدأ صدورها عام 1992، وكذلك مجلة “الكاتب الجزائري” التي ترأس تحريرها الأستاذ عبد الله حمادي وانطلقت عام 1996.

 

 

ويمثل تعطيل صدور مثل هذه المجلات التي كان لها تأثير على مستوى العالم العربي؛ نموذجا من نماذج محاربة الكتاب العربي، هذه الحرب التي تتبناها جهات معروفة بالمشروع الفرنكوبربري وهو مشروع فرنسي بامتياز ويمثل تهديدا حقيقيا لكل من العربية وأختها الأمازيغية ويهيئ المناخ لسيطرة اللغة الفرنسية على المشهد الرسمي والأدبي والتربوي التعليمي.

أزمة الكتاب العربي وما يرتبط بها من أسباب وإرهاصات قديمة وحديثة، وما يليها من عواقب وخيمة على الشخصية الوطنية؛ كل ذلك لا يمكن أن نوجزه في رؤوس أقلام، وقد حاولت البحث عن مصادر تناولت الموضوع فلم أجد إلا شذرات قليلة لا يمكنها معالجة الأزمة بعمقها السياسي الفكري، لذا أطلب وأنا أسجل هذا الموقف من كل الغيورين على اللغة الوطنية وآدابها ومستقبل الأجيال التي تتعرض لعصف ذهنبي سلبي؛ أن يسعوا ويتحدثوا في الكتابة في الموضوع على كل المنصات الإعلامية التقليدية والبديلة، عسى أن يتشكل تيار مقاوم لاستعادة مكانة الكتاب العربي في الجزائر.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.