مجتمعغير مصنف

في طريق الأذى.. حقيقة “المتحرش” يسري فودة

نادية محمد - القاهرة- مجلة ميم

 

 

في الثالث من أغسطس الماضي، أعلن الإعلامي يسري فودة توقف برنامجه “السلطة الخامسة” على شبكة قنوات “دويتشه فيله” الألمانية، وقال في بيان عن الأسباب، إن “الإرهاق بلغ مني مدى يدعوني إلى أن أستأذنكم في استراحة أعيد فيها ترتيب الذهن والنفس والبدن بعد حلقة أخيرة يوم الأربعاء المقبل إن شاء الله”.

فتح “فودة” الباب لعدّة روايات عن توقف البرنامج، قال البعض إن سلطات مصر تواصلت مع الحكومة الألمانية، التي تنفق على القناة من أموال الضرائب، لإيقاف البرنامج، الذي يتصيَّد أخطاء القاهرة، وهو ما يهدد علاقات البلدين.

وقال فريق آخر، إن “يسري فودة تلقى عرضًا أفضل من محطة أوسع انتشارًا”.

وقتها، لم يكن أحد يشكو من تحرش الإعلامي المصري.

 

تحقيقات حول متحرش في القناة الألمانية

في العاشر من سبتمبر، تداولت وسائل إعلام مصرية أخبارًا عن “تحقيقات داخلية أجرتها الشبكة الألمانية مع الإعلامي المصري في 3 قضايا تحرش بزميلات عمل انتهت إلى الإطاحة به من تقديم برنامجه السلطة الخامسة”.

وأوضحت مواقع إخبارية مصرية، مدعومة من النظام المصري، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن “الفتاة التي كشفت الفضيحة زاملته في القناة الألمانية”.

 

وفاء البدري

 

 

ونقلت عن الفتاة، التي لم تسمح بنشر اسمها، أن “يسري فودة لم يتحرَّش بها وحدها، بل بزميلتين لها، واحدة مصرية والثانية يمنية”.

تداولت بعض المواقع اسم إحدى الشاكيات بحق “فودة”، وهي وفاء البدري، المعدّة بقناة “دويتشه فيله”، التي ردَّت، عبر حسابها على موقع فيس بوك، بأنها “تحتفظ بحق الرد واتخاذ الإجراءات المناسبة بنفسها عبر القنوات الرسمية المختصة، وأنها سوف تقاضي وسائل الإعلام التي ذكرت اسمها دون الرجوع إليها.

 

 

وأضافت في بيان: “أحتفظ بحقي الكامل في عدم الاستجابة لأي نوع من أنواع الضغوط التي تمارس عليّ أو دفعي للسير في طريق بعينه للحصول على حقي القانوني والأدبي أو الانجرار لمعارك السوشيال ميديا خصوصًا في مسألة شديدة الحساسية كالتي نحن بصددها”.

 

شهادة من السويد: يسري تحرش بي في منزله

بدت الهجمات المتزامنة من قنوات وصحف مصرية محاولة للانتقام يسري فودة، المعروف بمعارضته النظام المصري، لكن فتاة مصرية تعيش في السويد غيَّرت كل شيء.

نشرت داليا الفغال تجربتها مع تحرش “فودة” على فيس بوك، ونالت ردود فعل واسعة.

 

 

قالت داليا، إن “فودة” دعاها للعمل في برنامجه بالمحطة الألمانية، واعدًا إياها بدفع ثمن تذاكر السفر، وتكاليف الفندق الذي ستعيش فيه حتى تقبض أول راتب لها.

حين وصلت داليا مطار برلين، لكنه خف عَهده، وطلب “تاكسي” أوصلهما إلى منزله في منطقة راقية ببرلين، صعدا معًا، وهي متوجّسة خوفًا من أن يتحرّش بها، لكنها لا تملك حلولًا بديلة، فهي في بلد لا تعرف فيه أحد، ولا تملك مالًا ولا حرية الاختيار.

 

تحكي داليا، أنه بدأ يقترب منها، ويسألها إن كانت مارست الجنس مع ذكور أم لا، ولماذا؟.. فطلبت منه أن يبتعد.. واستمرّ النقاش طويلًا بهذه النوعية من الأسئلة.. حتى تركها لتنام، ثم تمادى في اليوم التالي في التحرش بها، ومحاولة إقناعها بعلاقة عابرة قبل أن تهربَ بالقوة.

وتقول إن طريقته كانت توحي بأنها ليست الشخص الوحيد الذي استدرجه إلى منزله – بدعوى العمل – كي يتحرش به.

كان ذلك في التاسع من سبتمبر 2016.

ظلت داليا تخفي تلك الذكرى ولا تجرأ على الكلام، فالإعلامي المصري لا تدور حوله اتهامات بالتحرش، ويملك دوائر واسعة من المريدين على السوشيال ميديا، لكن البلاغات المقدّمة ضده في برلين شجّعتها على رواية ما جرى.

 

اسألوا “دويتشه فيلله”

في تلك الأثناء، ردّ فودة، الذي يحمل الجنسية البريطانية، لأول مرة، على ما سمّاه “مزاعم التحقيق معه في قضايا تحرش بزميلات عمل”، طالبًا ممّن يريد التيقّن مخاطبة إدارة “دويتشه فيلله” بشكل مباشر، والحصول على ردّ رسمي.

نفذ صحفيون ونشطاء ومدافعون عن حقوق المرأة نصيحة الإعلامي المصري، صاحب كتاب “في طريق الأذى”، وتواصلوا مع القناة الألمانية، لكن الرد جاء باهتًا من متحدث الشبكة، كريستوف بومبلت: “أنهت المحطة التعاقد مع يسري فودة بعد عامين من التعاون، ولا تعلق على أية تكهنات أو أمور شخصية”.

 

 

تصاعدت حدّة التراشق بين المؤيدين والمعارضين للإعلامي المصري، وتمخَّضت عن حملة تحاول إقناع ضحاياه بالتحدث، وحملة أخرى تحمل اسم “كلنا يسري فودة”.

 

تسييس التحرش.. كلنا يسري فودة

يتحوَّل الحَدث إلى حملة مندِّدة بالتحرش، خاصة من الشخصيات العامّة، التي لا يملك أحد جرأة الرد عليها، أو التشكيك في ذمتها، فيحدث أحيانًا أن يكون الشخص معارضًا، وصاحب موقف ضد مبارك، والأنظمة الديكتاتورية، ويكون متحرشًا.

 

 

يطلّ الإعلامي المصري من جديد بنفسية المنتصر: “هذه حرب فرضت عليّ، أعرف مصدرها، وأعرف كيف بدأت وكيف تطورت، وأعرف أهدافها. لكني مثلكم أكتشف فصولها تدريجيًّا مثلما أكتشف معادن الناس في مرحلة لن يكون ما بعدها كالذي كان قبلها”.

ويضيف على فيسبوك: “على عكس ما بُنيت عليه هذه الحملة التشويهية، لا توجد أي قضية مرفوعة بحقي في أي محكمة، ولا علم لي بذلك. بغض النظر عن دوافع الادعاءات والتخمينات الحقيرة بحقي، فإن من واجبي تجاه نفسي وتجاه أهلي وأصدقائي وتجاهكم جميعًا أن أرفع بدوري قضايا قذف وتشهير بحق المدعين”.

ويتابع مرفقًا عنوانه بألمانيا وعنوان بريده الإليكتروني: “أشجع المدعين على اللجوء إلى القضاء في ألمانيا أو غيرها من الدول المحترمة لرفع ما يرونه من قضايا، وسيسعدني الإجابة على أي سؤال أمام المحكمة”.

 

 

يتحوَّل الأمر إلى صراع سياسي، يحاول يسري فودة ورفاقه (المنتمين لنشطاء ويساريي وصحفيي ثورة الخامس والعشرين من يناير) إحالة الأزمة إلى مؤامرة حاكها النظام المصري للإيقاع به وتشويه صورته، حيث كان الصوت الوحيد الباقي، الذي ينتقد النظام من أوروبا، وذلك باعتبار الطعن في ذمة وأخلاقيات يسري فودة هو – في غالب الأمر – تشكيكٌ في تيار الثابتين على الثورة، الذين لم يتلوَّنوا.

وضمن تلك المحاولة، قال بعض أنصار فودة، إن صحيفة “اليوم السابع” تتولى نشر تلك القضية، ردًا على التشهير برئيس تحريرها التنفيذي، دندراوي الهواري، في قضية تحرش مشابهة داخل أماكن العمل، عرضتها مجلة ميم في تقرير تزامن مع الحادث تحت عنوان “انتبه: صالة التحرير مراقبة بكاميرات لا ترى التحرش”.

 

أخيرًا.. سقوط المتحرش الكبير

تعلن شبكة “دويتشه فيله” الألمانية – في منشورٍ داخلي تتولى وكالة الأنباء الألمانية (DPA) ترويجه – استبعاد أحد العاملين فيها دون ذكر اسمه، على خلفية اتهامات بالتحرّش الجنسي، وما جعل رد الفعل عاتيًا ضده أن إدارة الشبكة بدأت، الربيع الماضي، حملة توعية بالتحرش الجنسي في أماكن العمل بمبادرة من مدير عام الشبكة، بيتر ليمبورج، وخلال الكثير من المحادثات الشخصية مع الموظفات والموظفين في الأقسام وهيئات تحرير، أوضح المدير العام ومديرة الإدارة سياسة عدم التسامح مع وقائع التحرش الجنسي.

وبالتالي، فـ”الشخص المتهم لم يعد يعمل لدى دويتشه فيله”.

وأوضحت القناة الألمانية أنها “أحيطت علمًا مؤخرًا بواقعة تحرش جنسي محتملة، وعقب ذلك قامت إحدى الموظفات بالإبلاغ عن واقعة، وأظهر التحقيق الذي انطلق على الفور أن الاتهامات المقدمة يمكن تصنيفها على أنها ذات مصداقية”.

اختفى يسري فودة، لم يردّ على أي اتهامات مؤكّدة – من جانب أطراف رسميّة – تلاحقه، فيما تستمرّ حملات تطالب بوصمه اجتماعيًا، باعتباره متحرشًا حتى الآن، إلى جانب إجراءات التقاضي التي تسير في ألمانيا بالتوازي مع تحقيقات القناة التي كان يعمل بها.. ولا زالت الأوساط الإعلامية في انتظار المزيد من حكايات وشهادات ضحاياه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد