مدوناتغير مصنف

فيمنست.. حتى يأتي العريس!

 

 

“فيمنست حتى يأتي العريس” مقولة جعلت من النسويات محلّ سخرية لدى بعض روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تختصر هذه المقولة النظرة السائدة لمن اختارت الدفاع عن حقوقها:  إنّها امرأة كاذبة ستتخلى عن كلّ قناعاتها التي تتخلص في بعض الشعارات السطحية إن ظفرت بالعريس.

 

ربّما لا يدرك البعض أنّ هذه المقولة تستهدف الوعي النسوي في عمقه وتنتقص من نشاط النساء ضدّ الاستعباد الذكوري الذي يطالهن، كما أنّها تدمرّ مؤسسة الزواج بشكل صريح وتجعله شكلا جديدا لاضطهاد المرأة في اللاوعي لهؤلاء المنتقدين.

لم يستوعب البعض أنّ للنساء قدرة على الرفض والنضال من أجل المطالبة بحقوقهن والحفاظ على حريتهن وكرامتهن خارج أشكال الاستعباد الذكورية التقليدية. إنّ نشاط المرأة ضدّ الهيمنة الذكورية يعد بمثابة ناقوس خطر يهدد عروش الرجال الذين تمكنوا طويلا من إحكام قبضتهم على النساء عبر آليات  استعباد اقتصادي تقليدي.

 

 

يسخر البعض من الناشطات النسويات والمعروفات اصطلاحا بال “فيمنست” بأنّهن مجرّد ردّة فعل نفسية لبعض العوانس الباحثات عن الزواج

 

 

مع خروج النساء  إلى العمل تحررت المرأة نسبيا من التبعية المالية وأصبحت شريكا للرجل  في الإنفاق، بل ربّما طرفا أكثر من رئيسي فيه، ورغم ذلك لم تبدد النظرة الدونية التقليدية حولها ككائن ضعيف تابع، وهو ما جعلها تعي خطورة الوضع لتنتفض بعض النساء ويطالبن بالمساواة والحريّة، سواء من خلال نشاطهن في الجمعيات النسوية أو مواقفهن الصريحة المدونّة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت بشكل أساسي في إبراز صوتهن المغيب منذ سنوات احتكرته خلالها أطراف معينة داخل الصالونات والفنادق، لتصبح  اليوم قضية المرأة اليوم قضية مبدئية لها مدافعون ميدانيون، بعيدا عن المحتكرين والمتاجرين.

تعالى صوت النساء من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية والشرائح الاجتماعية المختلفة ليتحدثن عن القمع والعنف المسلط عليهن بشكل أثار قلق البعض من وعي ويقظة النساء في اللحظة الراهنة.

 

 

الحلّ الأمثل أن نناضل جميعا نساء ورجالا محافظين وليبراليين من أجل مجتمع قائم على الاحترام والمودّة والمساواة

 

 

وإن كان بعض النساء قد ذهب إلى التطرف في الحالة النسوية التحررية رفضا لكلّ ماله علاقة بالرجل فأمسى الدفاع عن النساء لديهن متمحورا  بشكل أساسي في عداء الذكور،  فإنّ الأغلبية منهن اخترن الشكل الطبيعي القائم على المساواة في الحقوق والواجبات..

قد تكون هذه أغلبية صامتة لم نسمع لها صوتا، مما أظهر الحالة النسوية المتطرفة الأولى في موقع قوّة، ولكنّ هذا لم يمنع بعض المتطرفين من الذكور من ضرب الحالة التحررية النسوية عبر دعم شكلها المتطرف والسخرية منه على حساب شكلها الإعتدالي القائم على الحرية والمساواة.

يسخر البعض من الناشطات النسويات والمعروفات اصطلاحا بال “فيمنست” بأنّهن مجرّد ردّة فعل نفسية لبعض العوانس الباحثات عن الزواج، في شكل احتقاري لكيان ووجود هؤلاء النسوة اللواتي يطالبن بالحقوق المسلوبة عبر تقاليد اجتماعية قروسطية بالية تتعارض مع أيّ منطق ومع كلّ الشرائع.

يصبح الزواج في عرف هؤلاء مجرّد مؤسسة استعباد، أشبه ببيت الدعارة، حتى وإن كان المنطلق السخرية من النشاط النسوي، وهم يكرسون بذلك عن غير وعي تخلف مؤسسة الزواج في شكلها التقليدي الراسخ في عقولهم.

 

 

يسعى بعض المتطرفين من الذكور إلى ضرب الحالة التحررية النسوية عبر دعم شكلها المتطرف والسخرية منه على حساب شكلها الإعتدالي القائم على الحرية والمساواة

 

 

فإن رفضت بعض النسويات مؤسسة الزواج لتخلفها حسب رأيهن، فإنّ الطرف المقابل  من الذكور المستهدفين لهن يؤكد هذه النظرة المتطرفة، حتى وإن استبطنوا العكس، لتتهاوى هذه المؤسسة في أنظار البعض ويتم تجاهل مقوماتها الأساسية:  المحبة والإحترام المتبادل.

“فيمنست حتى يأتي العريس” مقولة راسخة في عقول البعض، تعرّي حقيقة أوضاع النساء في مجتمعاتنا المحافظة. فهي إن طالبت بحقوقها إما عاهرة تتلحف بهذه الشعارات لتبرير فجرها،  أو عانس ترغب في الزواج مهما كان الثمن، حتى وإن كان التخلي عن مبادئ النسوية التي ناضلت من أجلها كثيرا.

إنّ الأزمة المجتمعية التي نعاني منها اليوم وليدة تطرف ذكوري أنتج تطرفا نسويا مضادّا، ويعود أصل الإثنين  إلى الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب مجتمعاتنا منذ سنوات.. ولعل الحلّ الأمثل أن نناضل جميعا نساء ورجالا محافظين وليبراليين من أجل مجتمع قائم على الاحترام والمودّة والمساواة، دون تطرف قائم على التمييز الجنسي والعنصري والديني.

 

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق