ثقافة

جميل راتب: مسافر زاده الإبداع

 

لم يكن جميل راتب فنانا عاديا، بل كان مثقفا يتمتع بقدرة على أداء أبرز الأعمال المسرحية على الركح، ويناقش أهم الأحداث السياسية، وهو من جيل آمن بأن الفنان ليس مجرد شخصية تؤدى أمام الكاميرا بل هي مسؤولية تاريخية وثقافية.

فالتزم بقضية التحرر من الاحتلال وساند الثورة المصرية لعام 1952 التي قادها الضباط الأحرار ضد النظام الملكي، كما شارك في ثورة 25 يناير2011، للإطاحة بنظام حسني المبارك.

 

لقّب بشرّير الشاشة، بسبب أدائه لأدوار الشرّ وتميزه فيها، كما عرف بأرستقراطيّته لانحداره من عائلة مصرية ثرية.

مرت سنوات نجاحه العربي المتأخر بسرعة، بعد إقامته في العاصمة الفرنسية باريس لسنوات، دون أن تمحي أعماله من ذاكرة الأجيال الذين عاشوا على وقع نجاحات “لورنس العرب”، ترابيز…

 

صورة نادرة لجميل راتب في طفولته

 

 

وهو الذي قال إن الموت ليس سوى مصير عاديّ لكل إنسان، وراحة من مشاكل الحياة المختلفة ومن عذاب معاناة الكبر والمرض.

لقد آمن بأن الحياة التي قدمت له ما تمنى في حياته وجعلت منه فنانا صاحب رسالة، ستأخذه في يوم ما ليلتقي بأحباءه في العالم الآخر، حيث يشاركهم حياتهم.

ورحل، ليلة الأربعاء في مستشفى “الأنجلو أميركان” في القاهرة، بعد أن فقد صوته خلال ساعاته الأخيرة، راضيا عن ما قدمه طيلة حياته الشخصية ومسيرته الفنية، التي تراوحت بين الشرق والغرب، وربما يصح تلقيبه بـ”عصفور الشرق”، على حد تعبير الكاتب المصري توفيق الحكيم.

سألته مقدمة أحد البرامج الفنية في حوار له عن العمر الذي يريد أن يعيشه، فأجابها ضاحكا ” مكفاية”.

هذا التصالح الذي عاشه ومات حاملا إياه، أنساه تعب المرض وجعله من القلائل الذين كانوا شجعانا أمام الكاميرا فلم اختفت انتصروا على تحدي الأضواء وعقدة النجومية.

مسافر زاده الإبداع

بين فرنسا وتونس والمغرب والقاهرة…، تنقل راتب حاملا إبداعه أين ما حلّ، ولعلّ ما يميزه هو انفتاحه على جميع السياقات الثقافية وإتقانه لها رغم اختلافها.

فقد غاب عن مصر قرابة 30 عاما وعاد إليها للعمل في التلفزيون والمسرح والسينما بعد أن عمل في المسرح الفرنسي والسينما الفرنسية و الأمريكية.

 

 

واستمرت إقامته في فرنسا من 1946 إلى عام 1974، أين قدم أوّل أفلامه “ترابيز”، والعديد من الأعمال السينمائية الأخرى، أشهرها في فيلم لورانس العرب إلى جانب النجم المصري العالمي “عمر الشريف”.

كما أدى 5  مسرحيات لشكسبير، مجسدا قدرة  كبيرة على التعبير من خلال خشبة المسرح.

يقول محمود قاسم في كتاب “أشرار السينما المصرية” هذا الفنان العائد من اللغة الفرنسية إلى مصر في عام 1975 سرعان ما وضعته السينما في أدوار الشر وكان صلاح أبو سيف هو أول من فعل ذلك في فيلم “الكداب” والغريب أنه في العام نفسه فإن كمال الشيخ وضعه في الإطار نفسه في فيلم “على من نطلق الرصاص”.

 

في فيلم “لورانس العرب” رفقة عمر الشريف

 

وكان في ذلك الوقت على مشارف الخمسين من عمره، ولم يقدم في بلده سوى فيلم “أنا والشرق” عام 1958.

وجد الجنتلمان المصري، مكانه في الساحة الفنية، فأدّى أدوارا مختلفة بداية مع فاتن حمامة قبل أن يجد فيه المخرجون ما يميزه عن غيره من الممثلين في أدوار الشرّ.

كما ساهمت ملامحه، وفق قاسم، في أن ينوع أدواره في أفلام عديدة منها “شعبان تحت الصفر”، “البداية”، “الكدّاب”، الذي اعتبره الكاتب من أهم أوائل الأفلام التي كشفت الفساد في الإدارات المصرية.

 

 

كما أكد راتب في تصريحاته الإعلامية أن أدوار الشرّ التي انحصر فيها، كانت ذات أهمية كبيرة لأنها تبرز قيمة الممثل وقدراتها في التمثيل عكس الأدوار العادية الأخرى.

وما بين الشرير الشعبي والشرير الأنيق، تغيرت أدواره وشخصياته وفق السياق الذي وضع فيه.

مع بداية التسعينات، انتقل الراحل إلى تونس والمغرب، حيث قدم أعمالا فنية مغايرة للسينما المصرية وأكثر انفتاحا وتحرّرا منها.

وكانت تونس المحطة الأبرز، حيث قدم 3 أفلام وهي “حلق الوادي”، باللهجة التونسية، وفيلم “كش ملك” وفيلم “شيشخان”، التي تصنف أفلاما عالمية. كما قدم مسرحية مع الممثل الكبير علي بن عياد، في دور عطيل، التي كان لها صدى محليا كبيرا.

أعجب الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة بالعرض، الذي تابعه حتى نهايته. كما دعاه للغذاء في منزله مع بن عياد أين قال له “لو لم أكن ديكتاتورا لكنت ممثلا”.

 

 

واقترح بورقيبة على راتب تمكينه من الجنسية التونسية، التي رفضها الممثل المصري.

أثرت التجربة السينمائية التونسية على راتب، الذي اعتبر في تصريح إعلامي له،  أنها بلاد منفتحة جدا على العالم الثقافي وسباقة في ذلك، حتى أنها كانت أول بلدان الربيع العربي.

ورأى أنّ لهذا الانفتاح تأثير كبير على تجربته بعد ذلك في مصر، حيث قدم أعمال سينمائية ومسرحية أخرى.

ومنحه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الصنف الأول من الوسام الوطني للاستحقاق في قطاع الثقافة، على هامش مهرجان قرطاج السينمائى 2016، لمكانته الفنية الكبيرة تونسيا وعربيا وعالميا.

المثقف والسياسة

لم يشغل الفن، راتب، عن السياق السياسي الحامي التي كانت مصر إحدى أوجهه مع صعود جمال عبد الناصر إلى الحكم. وكان له دور في السياسة المصرية في أشكال فنية.

كان لديه توجها سياسيا يساريا دون الانضمام إلى أي حزب سياسيّ، بل قاد ثورته بشخصيات تقمصها عبثت بمصالح الناس وأدت إلى تفشي الفساد في الإدارات والمصانع ومختلف المجالات.

ونادى بضرورة أن يكون الممثل مثقفا “يجب أن يكون للمثل فكر سياسي وموقف كمواطن داخل المجتمع”.

 

 

إذ لطالما اعتبر أنّ الفن نفسه أخذ الشكل الثاني من هذا الدور، ومن يخدم الثقافة، وفق تعبيره، يخدم وطنه من خلال الرسائل التي يقدمها. ومع زيادة شعبيته يزداد تأثيره على السياسة.

ورغم نشأته في عائلة ارستقراطية، لم يكن يشعر بالانتماء إليها، على مستوى طريقة عيشهم أو اهتماماتهم اليومية التي كانت خارج أولوياته.

وتأثر بـ”هدى الشعراوي” وهي عمّة والدته، التي ناضلت ضد الاحتلال البريطاني ووقوفها الداعم لحرية المرأة والقضايا المتعلقة بها.

كما شارك في الثورة المصرية، وكان من الذين نزلوا إلى الشارع مدافعين عن إرادة الشعب من أجل التغيير، وهي مستمرة بالنسبة إليه حتى تتحقق مطالب الشعب ويتمّ إرساء الديمقراطية.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد