مجتمع

بعد أمطار أغرقت العاصمة .. الدولة تتهم المواطن!

 

في كل مرة تهطل الأمطار في تونس، يتجدد الجدل حول هشاشة البنية التحتية، فحالة الطرقات الكارثية، خاصة في المدن الكبرى، وتعطل مصالح المواطنين والشلل شبه الكلي لحركة النقل يحيلان موسم الامطار كابوسا حقيقيا بالنسبة للتونسيين، وتتصاعد التشكيات والاحتجاجات من الحلول الجزئية والوقتية لمشكل مزمن، عمّر أكثر من الطرقات المنهارة، وشبكات الصرف الصحي المتهالكة..

 

وتتجدد الأسئلة ذاتها: لم يقع اعتماد تخطيط عمراني محكم، ولم لا تقاوم شبكة الطرقات السيول المتوقع هطولها كل سنة وتتسبب كل مرة في معاناة لا تطاق وأضرارا مادية جسيمة؟ وغيرها من الأسئلة الحارقة التي تدخل المواطن في حالة من الحنق والحيرة العميقة في ظل شح الإجابات الشافية في دولة تغرق في شبر ماء، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار في المرة الأخيرة 70 ملم حسب المعهد الوطني للرصد الجوي..

 

الدولة تحمل المسؤولية للمواطن!

 

 

خلال حضوره في برنامج على موجات إذاعة “إكسبرس أف أم“، وجه وزير التجهيز والإسكان محمد صالح العرفاوي الاتهامات مباشرة للمواطن، وحمله مسؤولية الفيضانات التي غرقت فيها الطرقات في مدينة تونس الكبرى ليلة البارحة.

واعتبر الوزير أن التصرفات غير المسؤولة التي يقوم بها المواطنون من إلقاء الفضلات بطريقة عشوائية على حافة الطرقات تؤدي عند هطول الامطار، إلى انجرافها داخل شبكات الصرف الصحي ما يسبب انسدادها، بالتالي استحالة تصريف مياه الأمطار قبل إعادة فتح المصب الرئيسي للصرف الصحي.

 

 

هذه الاتهامات تبناها أيضا والي تونس، الشاذلي بوعلاق، الذي أكد خلال تصريح سابق لجريدة الشروق التونسية، أن البناء الفوضوي المحاذي للأودية ولمجاري المياه يعطل حركة سيلان مياه الأمطار.

 

دولة تغرق في شبر ماء، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار في المرة الأخيرة 70 ملم حسب المعهد الوطني للرصد الجوي

8 ملايين تونسي مهددون بالغرق

حسب إحصائيات حديثة، يبلغ عدد السكان في المدن التونسية حوالي 8 مليون ساكن، بنسبة 70%، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 75% بحلول سنة 2030.

هذا التجمع الحضري الكبير، المتواجد في 350 مدينة، لا تستطيع الدولة حماية غير 7 أو 8 مدن من بينه من السيول ومياه الأمطار، حسب ما صرح به وزير التجهيز والإسكان محمد صالح العرفاوي.

فقد أكد الوزير أن الموارد الموجودة لدى الدولة ووزارة التجهيز خاصة محدودة للغاية، ولا تمكن من التعامل مع كميات كبيرة من الأمطار، وقال على سبيل المثال، تحتاج مدينة تونس وحدها ل1000 مليون دينار لحمايتها من الأمطار، تم توفير حوالي 200 مليون دينار فقط منها، تستغل لتهيئة الجهة الغربية مثل سبخة السيجومي، بينما لا تزال الجهة الشرقية كلها دون حماية!

وقال الوزير أيضا إن العمل على توفير الحماية متواصل ويتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف، مثل وزارة الفلاحة، التي يحاولون بالشراكة معها وضع استراتيجية لحماية المدن عن بعد، بإنشاء بحيرات اصطناعية تستوعب الكميات الهامة من المياه.

وشدد وزير التجهيز التونسيد على دور المواطن الكبير في الحفاظ على الطرقات، رغم أنه قد ذكر سابقا أن واقع البنية التحتية في تونس هش ومتداع وتعود مشاكله لعقود خلت، وهي الحقيقة التي ألف التونسيون سماعها كل موسم أمطار دون الخروج بحلول جذرية.

 

هل أعلنت الدولة عجزها عن حل هذا الملف المزمن ونفضت عنه يدها مفضلة أن توجه الأصبع للمواطن وتتركه ليواجه مصيره البائس وحده؟

مواطنون عالقون ساعات.. وشركة النقل تؤكد: الحافلات موجودة!

تسبب غرق الطرقات العادية منها والسيارة في تونس العاصمة في احتقان مروري كبير، وقضى العديد من المواطنين ساعات طويلة عالقين في أماكن عملهم، وفي سياراتهم نظرا للإختناق المروري مع انسداد عديد الطرقات حتى أجزاء من الرئيسية منها، او مشوا مسافات طويلة للوصول إلى منازلهم.

وهو مشهد بدأ التونسيون يعتادون عليه، لغياب وسائل النقل العمومي خاصة، فقد أفاد عديد المواطنين بغياب تام لحافلات النقل العمومي بعد هطول الأمطار الغزيرة، فيما يترك المواطن ليتدبر أمره بنفسه، في ظل شح سيارات الأجرة التي يؤثر أصحابها حماية سياراتهم من السيول والبرك المنتشرة هنا وهناك.

لكن رغم شهود العيان، أصرت شركة نقل تونس على نفي غياب حافلاتها، واكد مدير الاتصال بالشركة محمد الشملي في تصريح لراديو “أكسبرس أف أم” أن الحافلات جميعها موجودة على الطرقات والمستودعات خالية.. لكنها بقيت عالقة في الاختناق المروري!

باتت مواسم الأمطار تعني للتونسيين إنطلاق موسم الغرق في عدة سنتيمترات من المياه الموحلة القذرة التي تغمر طرقات المدن وأنهجها، ناهيك عن المسالك الترابية في الأرياف، التي قد تنقطع لأيام ويتعرض سكان الضيعات البعيدة لخطر الانعزال والموت أحيانا لضعفائهم من مرضى ومسنين ورضع يستحيل وصول سيارات الإسعاف إليهم..

ورغم ان الأمل في إيجاد حلول جذرية لتغيير المخطط العمراني وتأهيله بما يتناسب مع المتغيرات المناخية، إلا أن تحميل المسؤولية الكلية للمواطن في ظل انهيار البنية التحتية الراجع لعقود سابقة خطيرة. فهل أعلنت الدولة عجزها عن حل هذا الملف المزمن ونفضت عنه يدها مفضلة أن توجه الأصبع للمواطن وتتركه ليواجه مصيره البائس وحده؟

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.