اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الوجه الآخر لرشيد طه: التروتسكي المتمرّد

 

 

رحل رشيد طه وكتب الكثيرون حول وفاته، انتظرت حتى تهدأ العاصفة التي أثارها رحيله لأكتب عن فنّان الراي الذي أحببته منذ صغري. الراي موسيقى الوجع بشمال إفريقيا وما أقرب الوجع إلينا، الراي حزين مثل البلوز والجاز يخترق حواسنا ويثير أحزاننا المتراكمة حتى طبقات المسؤولية وإيقاع الحياة السريعة، تنبش موسيقى الراي أحزاننا كما ينبش خلد صغير الأرض ليصنع بيتا، وموسيقى الراي تعرّي هشاشتنا المخفية، نحن كائنات هشة ننتظر اللحظة المناسبة لنكتشف هذه الهشاشة الصادقة.

 

جاءني خبر وفاة رشيد طه أثناء زيارتي لوهران الفترة الماضية، كان الطقس حزينا وممطرا، وكان الخبر فاجعة لمن يعرف رشيد طه عن قرب، اقترح صديق صحفي ” رضوان بالشيخ” أن نتنقل إلى مسقط رأس الراحل رشيد طه وأن نحضر جنازته، ذهبنا إلى مدينة سيق التابعة حاليا لولاية معسكر والتي كانت تابعة لوهران فيما مضى، قرية صغيرة تبدو ملامح الفقر  بادية على البيوت بالآجر الأحمر ، نحن في الجزائر العميقة، الجزائر التي حملها رشيد طه في أغنياته، ذلك المنفي الذي حمل أوجاع الجاليات المغاربية في فرنسا العملاقة وفرنسا الحلم الكبير لشبابنا، فرنسا التي لم يطلب  منها رشيد طه أوراق الجنسية الفرنسية رغم إقامته الممتدة لعقود هناك ، يقول صديقي الوهراني الصحفي رضوان بالشيخ :” لقد انتمى رشيد طه إلى اليسار مبكرا ونشط مع التروتسكيين غضب منهم فيما بعد رحل إلى فرنسا  ، لقد غلبتهم فكرة البورجوازية فتخلوا عن أفكار اليسار الحقيقية “.

 

 

 

يبدو الأمر شاعريا ونحن في قرية سيق التي اختارها الفنان اليساري الراحل لتكون نهاية رحلته في الحياة القرية الصغيرة في عمق الجزائر التي لا نعرفها جيّدا لتكون استراحة المحارب الأخيرة، مئات من البسطاء حضروا الجنازة وفنانون وصحفيون تواجدوا بقرية سيق لينقل الراحل حتى في لحظته الأخيرة رسالته : إنّ الجزائر العميقة التي انتمى إليها تستحق عناء التنقل إليها حتى وإن كان الذهاب إليها يأتي عن طريق المقبرة الصغيرة بقرية سيق فطريق الموت أصدق الطرق.

 

” جوزوفين مش اسم صحيح

بسونيم نسربي الريح

نسربي ونسمع الشعبي وتاني الراي

راني نتوحش ع بلادي

نسموه باي باي

معنديش choix

نجيب الخبزة ع ولادي

نخلص الكرية “

 

 

لم ينجح رشيد طه كما نجح غيره أو لنقل لم يتواجد رشيد بالحفلات واللقاءات الصحفية بالعالم العربي كما تواجد الشاب خالد وغيره ولكنّه كان مختلفا عنهم فهو يختار أغانيه بعناية فائقة ويعيد غناء التراث الجزائري بعمق الباحث والمنتمي إلى فكرة يدافع عنها، تحدثت أغلب أغنياته عن الغربة والمنفى وعن الحرمان والغدر ولكنّه أضاف مسحة مختلفة عن أغاني الراي لقد حملّها وعيه المبكرّ  بإنتماءه الطبقي.

تظهر ثقافة رشيد طه الواسعة من خلال مواقفه من الإسلاموفوبيا، من الهيمنة الغربية، وتعاطي الغرب مع العرب والإسلام، ربّما لم تعجب مواقف رشيد السياسية البعض، لم يكن طه مجرّد فنان محدّث أدخل الروك على أنغام أغنية الراي بل  فنان صاحب رسالة حتى وإن حاول البعض النيل من مسيرته بعد موته.

 

 

 

اختار رشيد طه الرجل اليساري والتروتسكي الثائر على طريقته المكوث بالمنفى الفرنسي لعله أدرك زيف اليساريين في المجتمعات التي ننتمي إليها فناضل بالنيابة عنهم وغنّى للمحرومين والمهمشين. انتقد الراحل فرنسا وكأنّه يمارس يساريته الممكنة في عالم استعلائي مازال ينظر إلينا  نظرة استعمارية دون أن يدرك بعد أننا قد تحررنا وأن هناك ذوات حرّة وواعية مثل رشيد طه وغيره مازالت تحارب هذه النظرة الاستعلائية والاستعمارية بأشكال فنيّة خالصة ربّما يرقص عليها الغرب ولكننا نحن سكان شمال افريقيا ننتشي بأوجاعنا التي نقلتها حنجرة رشيد طه ونستذكر تاريخا مظلما مارسته القوى الاستعمارية في حقّ شعوبنا وأراضينا التي نهبت خيراتها، ارقصوا على أنغام أغاني رشيد ونحن لنا الذاكرة التي لا تنسى.

 

 

 

رحل رشيد طه بعد مسيرة زاخرة من العطاء والإبداع وأيضا من الرفض والتمرّد ليكتب من أحرف سيرة فنّان مختلف أدخل الفرح والحزن إلى القلوب وأجبر الكثير على احترامه في حياته ومماته، تجربة فنان مكث طويلا في الغربة ومازال قلبه في أرضه الأمّ، عاد الراجل إلى الأرض التي جاء منها والتحم بترابها سيأتي يوما ما وسيغني المهمشين والمحرومين نشيد انتصارهم وتحررهم ربّما لحظتها يتذكرون رشيد طه وإن لم يحدث ستظل أغان مثل جوزفين والمنفيّ شاهدة على وجع المغتربين.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد