الرئيسيثقافةغير مصنف

فيلم “الملاك” عن صهر عبد الناصر الجاسوس: عرض مُحبِط لسيرة لم تكتمل فصولها

أفلام

    

 

أخيرا عرضت منصة نتفليكس (14 سبتمبر/أيلول 2018) فيلم “الملاك” الذي أثار جدلا واسعا منذ بث الإعلان الترويجي في فترة سابقة.

“الملاك” هو فيلم للمخرج أريل فرومين وكتب السيناريو المؤلف ديفيد آراتا.

هو عمل سينمائي اقتبس فترات محددة من حياة صهر الرئيس عبد الناصر ومدير مكتب السادات ورجل الأعمال المعروف أشرف مروان.

 

 

لأسباب متعددة لا يوجد أي ممثل مصري في الفيلم، بطل الفيلم ومتقمص شخصية أشرف مروان هو الممثل الهولندي ذو الأصول التونسية مروان كنزاري الذي خانته اللهجة المصرية، كذلك الممثل ذو الأصول الفلسطينية وليد زعيتر متقمص شخصية عبد الناصر وبقية الشخصيات التي أربكها عدم إتقانها للهجة فأصبغت الشخصيات بحالة ارتباك على امتداد ردهات الفيلم.

 

 

أخطاء بالجملة في الفيلم

ما لا يمكن استيعابه هو جملة الأخطاء التاريخية الفادحة الغير مفهومة في الفيلم وعدم اقتصاره على ما ورد في الكتاب وبعض التقارير الموثقة والصادرة هنا وهناك.

من اطلع على كتاب الملاك وشاهد الفيلم سيدرك فروقات واضحة سواء في جانب الشكل أو المضمون أن هناك خللا ما في سياق الأحداث.

أخطاء لم تسقط فيها الأعمال التي أنتجتها وعرضتها نيتفليكس سابقا.

من لم يقرأ الكتاب ولم يهتم يوما بشخصية أشرف مروان سيشعر حتما ببعض الهنات في الفيلم، خذ على سبيل المثال القصور الرئاسية ومؤسسات الحكم في مصر، التي لا تشبه مصر في أي شئ، ويكفي أن تعرف أن بعض مشاهد الفيلم صورت في المغرب لتدرك أنها عمارة بروح مغاربية صرفة.

ليس هذا فحسب فهناك بعض الملاحظات من قبيل أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يزر بريطانيا قط بينما في الفيلم أشرف عبد الناصر على عدة اجتماعات في لندن.

 

تلاعب بالتاريخ مع المشهد الأول

طبعا الفيلم أهمل الكثير من التفاصيل والمعطيات الواردة في الكتاب وهذا طبيعي،لكن من غير الطبيعي التلاعب بجملة من الحقائق التاريخية المؤكدة،خذ على سبيل المثال حادثة مطار روما الشهيرة.

المشاهد الأولى للفيلم حول حادثة شهيرة وقعت في روما (فبراير 1973) إذ يصور الفيلم مجموعة من الفلسطينيين بصدد تجهيز صواريخ على الكتف أدخلها أشرف مروان في حقائب دبلوماسية لضرب طائرة ركاب إسرائيلية بصدد الإقلاع سرعان ما تمنعهم أجهزة الأمن الإيطالية بوشاية من أشرف مروان نفسه.

هذا في الفيلم، أما القصة الحقيقية فتؤكد أن الإيطاليين ألقوا القبض على المجموعة في إحدى الشقق قبل تنفيذ العملية التي دعمها القذافي انتقاما من إسقاط الإسرائيليين لطائرة ليبية ورفضها السادات لأنها تشوش على عملية الإعداد لحرب أكتوبر،وافق السادات لاحقا على تنفيذ العملية (في الظاهر على الأقل) نزولا عند رغبة “العقيد” لكنه أوعز إلى أشرف مروان بإفشال العملية وإبلاغ الإيطاليين بها.

 

رواية إسرائيلية متكاملة وصمت مصري مطبق

الفيلم اعتمد أساسا على كتاب “الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل” للكاتب الإسرائيلي يوري بار جوزيف ويوثق سيرة أشرف مروان من ألفها إلى يائها مقدما أدلة ووثائق تتوافق مع الرواية الإسرائيلية الرسمية للأحداث.

 

فيلم مصري للرد على الملاك!

بعد صدور الإعلان الترويجي للفيلم مباشرة ومع احتدام الجدل حول الموضوع أكد أحد كتاب السيناريو المصريين أن هيئة الرقابة على المصنفات وافقت على سيناريو فيلم “العميل” الذي قُدِم لها منذ سنة 2016 والذي على ما يبدو سيكون نسخة مصرية خالصة لقصة أشرف مروان، ولا يفهم طبعا لماذا رفض الفيلم طوال عامين، لتخرجه الرقابة من الأدراج..

فقط لأن فيلما حول مروان سيصدر برواية إسرائيلية للأحداث!

 

الرواية الرسمية المصرية: “اعمل نفسك ميت”

طبعا وكعادة الأنظمة العربية لا توجد أي معطيات مصرية رسمية أو رواية متكاملة  للأحداث عدى بعض التصريحات المقتضبة من قبيل ما قاله الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بأن مروان شخصية وطنية قدمت خدمات جليلة لمصر.

أو الجنازة الوطنية التي أقامتها السلطات المصرية وحضرتها شخصيات رسمية كعمر سليمان مدير المخابرات حينها وقادة القوات المسلحة ومحمد سعيد طنطاوي مفتي مصر الأسبق وغاب عنها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي كان مشاركا في قمة أفريقية وغابت عنها أيضا عائلة أنور السادات.

 

 

 

شخصية مثيرة للجدل

الانتقادات الذي رافقت تصوير وعرض الفيلم تشكل نقطة في بحر الجدل المحتدم الذي لازم أشرف مروان منذ بروز اسمه في دوائر القرار المصرية وصولا إلى حادثة انتحاره أو مقتله في لندن، ويبدو أن الجدل لن يتوقف حوله أيضا حتى بعد مماته، كيف لا وهو صهر عبد الناصر ومدير مكتب السادات للمعلومات والصديق المقرب لعائلة حسني مبارك ورجل الأعمال المتهم بالفساد وصاحب الصفقات المشبوهة.

 

 

 

من هنا بدأت فصول الحكاية

يشير كتاب الملاك إلى أنه عام 1970 أثناء وجود مروان في لندن اتصل عبر إحدى حجرات الهاتف بالسفارة الإسرائيلية وطلب من الموظفة التي تستقبل الاتصالات أن يتحدث إلى أحد عناصر المخابرات الإسرائيلية لكنها حولته إلى مكتب الملحق العسكري،طبعا هذا الأخير لم يتعامل بالجدية الكافية مع الموضوع وأنهى الاتصال دون أن يكلف نفسه عناء التأكد من هوية أشرف مروان.

كرر مروان المحاولة كما يذكر الكتاب إلى أن جندته المخابرات الإسرائيلية وبدأت رحلة الجاسوسية التي طبعت حياة أشرف مروان بالإضافة إلى عالم السياسة والمال.

 

صورة أشرف مروان في حفل زفافه رفقة عبد الناصر

 

أشرف مروان ومغارة علي بابا للمعلومات

مروان الذي تعتبره إسرائيل أحد أعظم جواسيسها وقدم لها خدمات تضاهي وتفوق خدمات أخلص العملاء الصهاينة ومن خدماته “الجليلة” يذكر كتاب “الملاك”:

– سرب مروان للموساد معلومات تفصيلية بشأن التعاون المصري السوفييتي.

– قدم مروان للموساد وثيقة بمحضر اجتماع السادات وبريجنيف في موسكو، أكتوبر 1971.

-نقل مروان أحاديث كبار القادة ونظرائهم السوفييت واللقاءات الرسمية مع الدول العربية بما فيها لقاءات القمة ومقابلات السادات مع القادة الأجانب خلال رحلاته للخارج.

– سرب مروان للموساد معلومات حول الحوارات التي أجراها السادات في موسكو عام 1971، والتي تشير إلى رغبة مصر في امتلاك أسلحة تهدد العمق الإسرائيلي لردعها عن مهاجمة العمق المصري عند قيام الحرب.

– سلم مروان تقاريرا حول النقاشات داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة واجتماعات قيادات الجيش المصري.

-قدم مروان تقريرًا عن اجتماع عقده السادات مع كبار قادته العسكريين أعربوا فيه عن حاجتهم إلى أسراب من القاذفات المقاتلة بعيدة المدى (ما بين ستين وخمس وسبعين طائرة حربية كحد أدنى)، كشرط للذهاب إلى الحرب.

 

 

– نقل مروان اجتماعات الحكومة المصرية لدراسة التحديات الاقتصادية وإعادة هيكلة قوات الشرطة.

– قدم  مروان للإسرائيليين صورة واضحة حول بنية الجيش ولوائح بأسماء القادة وعدد الفرق وأسماء قادتها، والأسلحة المخزنة في المستودعات، ولوائح مفصلة عن الطائرات الحربية ومواقع أسراب طائرات القوى الجوية، وتفصيلات واسعة بشأن جميع الوحدات العاملة في الجيش المصري.

 

 

– أكد مروان للموساد نية السادات الذهاب للحرب بأسرع ما يمكن وشرح الأسباب الكامنة وراء قرار ترحيل السوفييت في يوليو/تموز 1972 كخطوة أولى باتجاه زيادة قدرة مصر على المناورة.

– في شهر سبتمبر/أيلول 1973 أكد مروان للموساد أن مصر قررت الهجوم بجانب سوريا نهاية العام.

– يوم 5 أكتوبر وبمحض الصدفة وخلال وجوده في لندن تأكد مروان أن الحرب ستندلع في السادس من أكتوبر وسارع بإبلاغ الإسرائيليين بذلك.

-تمكنت “إسرائيل” بفضل معلومات مروان من استدعاء قوات الاحتياط واتخذت عددًا من القرارات المصيرية الأخرى في الساعات الأخيرة قبل الهجوم جنبتها هزيمة نكراء  كما يؤكد كتاب الملاك.

 

أشرف مروان مع السادات

 

 

كتاب الملاك: لماذا يخون أشرف مروان!

أسباب متعددة جعلت من أشرف مروان خائنا لمصر كما يورد كتاب الملاك:

– المال: “كان مروان تواقا للحياة المترفة والفترة التي قضاها في لندن أظهرت له بشكل واضح ما يمكن أن يكون عليه ذلك” ومحاصرة عبد الناصر ورقابة أجهزته لأفراد العائلة والحياة المتقشفة التي فرضها الرئيس مصري منعت مروان من التمتع بحياة المترفين أو استغلال نفوذه.

– الغرور: الرئيس عبد الناصر كان لا يحب أشرف مروان وطلب من ابنته في أكثر من مناسبة أن تنفصل عنه، بالإضافة إلى شعور داخلي بامتهان كرامته من طرف الرئيس لذلك يرى مؤلف الكتاب بأن أفضل طريقة للانتقام من عبد الناصر هي الذهاب إلى “حضن” أعدائه أي الإسرائيليين.

– النرجسية: من خلال توقه اللامتناهي للمجد والسلطة والنفوذ والإصرار على أن يتبع الناس مشورته، كان مروان يشعر دوما بأن “باستطاعته تغيير مجرى التاريخ لا بل أن عليه القيام بذلك”.

– حرب 67 والخيبة القومية: وضع كتاب الملاك أشرف مروان ضمن قائمة الذين تخلوا عن الإيمان بأي فكرة قومية أو دينية أو اجتماعية بعد الحرب وبحثوا بدلا من ذلك عن الكسب السريع أي الخلاص الفردي بعيدا عن مصير الجماعة المهزومة.

– شخصية متحفزة للمغامرة: “سلوك مروان كان دائم الحاجة للمحفزات والرغبة في خوض المخاطر لذلك أدمن في فترة ما على القمار ثم لاحقا دخل عالم المال عبر صفقاته المشبوهة”.

 

سيرة حافلة وموت مستراب

قصة حياة ملتبسة ووفاة غامضة، لا يُعرف إن كان قد سقط مروان من شرفة شقته اللندنية (27 يونيو/حزيران 2007) في عملية انتحار أم أُسقط في حادث تصفية لشخصية حفلت حياتها بالأحداث المهمة.

بعد تحقيقات مطولة ومكررة خلص القضاء البريطاني إلى أنه لا دليل يثبت انتحار مروان ولا دليل يثبت قتله أيضا.

 

فيلم الملاك: أين أشرف مروان؟

كل هذه “الصفات” و”المؤهلات” المعروفة عن أشرف مروان لم تتعزز ولم يبرزها الفيلم بل كانت شخصية أقرب إلى الارتباك دخلت عالم الجاسوسية بدوافع غير واضحة وهي أقرب إلى لحظة طيش أو نزوة استثمرتها إسرائيل وقامت بابتزازه لاحقا وهو ما لم يَذكره أي مصدر سوى كاتب سيناريو الفيلم.

فيلم الملاك: جاسوس “السلام”

الفكرة الرئيسية التي حاول القائمون عليه إيصالها تَبرز بشكل سافر في نهاية الفيلم وتتلخص في كون أشرف مروان رجل سلام عمل طيلة فترة “جاسوسيته”على التقريب بين الأعداء واعتبر بطلا قوميا في مصر وفي إسرائيل أيضا،وهي عملية قفز غير مبررة وتحايل على الأحداث والحقائق التاريخية.

 

الوسوم

سيف الدين بوعلاق

كاتب وناقد تونسي

مقالات ذات صلة

اترك رد