منوعاتمجتمعاختيار المحررينثقافةغير مصنف

كيف انقذت شجاعة رجل كتب ومخطوطات مكتبة سراييفو من المحرقة

      

 

أصوات المدافع تدوّي بقوّة، وشوارع سراييفو خاوية وسط الحصار الضّاري الذي فرضته عليها القوّات الصّربية..

بين مكان وآخر تجد لافتات معلّقة تقول “إحذروا! قنّاص”، ففي الحقيقة لا أحد يجرؤ على عبور الطّريق خوفاً من القنّاصة الذين يترصّدون في أماكنهم بمبان عالية داخل المدينة.

وسط هذا كلّه ، كانت هناك ثلّة من الشّباب العاملين بدأب وصمت، يرتّبون مخطوطات قديمة، وكتباً عتيقة في صناديق موز، ويخاطرون بنقلها تحت وابل القصف، من مكانها القديم في مكتبة الغازي خسروبك، إلى أمكنة أخرى أكثر أماناً، في عملية استمرّت سنوات عديدة، هي مدّة حصار سراييفو، أطول حصار شهدته عاصمة أوروبية بعد الحرب العالميّة الثّانية.

 

 

 

حريق المكتبات

بطل هذه القصّة هو المدير السّابق لمكتبة الغازي خسروف بك العريقة التي يعود عمرها لخمسة قرون، مصطفى ياهيتش.

يقول ياهيتش إنّ العدوان الصّربيّ على المدينة كان لا يهدف فقط إلى تحويل حياة السّكّان لجحيم حتى يستسلموا  ”بل كان الصّرب يريدون إثبات أنّ مسلمي البوسنة لا ينتمون لها، بل هم بقايا للغزاة الأتراك، لذا كانوا يهتمّون بإزالة كلّ ما يشهد على وجود المسلمين البشناق الفكريّ تاريخيّاً”.

 

 

 

 

وهذا ما حدث  بالفعل ومنذ بداية الحصار، حيث أصابت القذائف الصّربية المعهد الشّرقي الذي اعتبر من أغنى الأماكن في العالم بالمخطوطات ودمّرته  في أيّار عام ٩٢، وكذلك مبنى المكتبة الوطنية القابع في وسط سراييفو القديم استهدفته القنابل الفسفورية في آب من العام ذاته، وأحرقته كاملاً بما فيه حتى تحوّل لما يشبه الرّكام، قدّر عدد الكتب المفقودة والمحترقة بما يساوي ٤٤٠ كيلومتراً من الرّفوف المتّصلة، وتعاون عاملو المكتبة مع المارّة في الشّوارع ورجال الإطفاء في محاولة استنقاذ ما أمكنهم، وكانت الحصيلة فقط ما نسبته خمسة بالمئة من كتبها.

 

 

 

 

احتوت مكتبة الغازي خسروف بكما بين عشرة آلاف مخطوط كان محفوظاً، وخمسمئة ألف كتاب نادر بلغات عدّة، منها العربيّة والفارسيّة والتّركيّة العثمانيّة والبوسنيّة القديمة المكتوبة بالعربية والمسمّاة ب “الهميادو”، ولغات أوروبيّة مختلفة، ومؤلّفات لبوسنيين مسلمين في شتّى العلوم.

أدرك ياهيتش أنّ الدّور قادمٌ عليها لا محالة وكانت وجهة نظره أنّ “واجب حماية تلك الكتب والمخطوطات لا يقلّ أهمّيّة عن واجب حماية حياة الإنسان، إنّها تمثّل جذورنا و تاريخنا، إذا فقدناها سنفقد هويّتنا وسنفقد المستقبل.”

 

 

صورة لمصطفى ياهيتش مع أسرته أثناء حصار سراييفو

 

 

عمليّات النقل

كان ياهيتش قد تبوّأ منصب مدير المكتبة منذ خمس سنوات، وخلال الحصار حافظ على دوامه اليوميّ في المكتبة، رغم أنّ بيته لم يكن يبعد أكثر من خمسمئة متر عن خطوط العدوّ، وأسرته كانت مختبئة في القبو معظم الوقت، وكان الطّريق للمكتبة يبعد حوالي سبعة كيلومترات، ولتفادي الخطر ، كان ياهيتش يسلك طرقاً داخليّة ويجتاز مقبرة محتمياً بشواهد القبور الضّخمة فيها.

جمع ياهيتش فريقاً من المتطوّعين والعاملين في المكتبة ، تضمّن هذا الفريق عاملة نظافة، وحارساً ليليّاً. عمل هذا الفريق على نقل الكتب إلى مسجد السلطان محمد الفاتح، أمّا المخطوطات فلندرتها وزيادة خطر استهدافها قد عمل على تغيير مكانها من واحد  لآخر كل خمسة أو ستة أشهر،

” كنّا نتحيّن أوقات الهدوء النسبيّ وساعات الضّباب كي نستغلّها في نقل المخطوطات”

 

 

 

 

وبلغ مجموع المرّات التي نقلوها فيها ثماني مرّات. خبّأ ياهيتش المخطوطات  الأكثر قيمة في قبو بنك وسط المدينة، أمّا بقيّة  المخطوطات فقد تبدّل مكانها بين غرفة تبديل الملابس في المسرح الوطني، إلى مدرسة البنات الشّرعية، ومن مبنى أثريّ كان هو المكان الأصليّ للمكتبة، لجامع أثريّ قليل الروّاد، وأمكنة أخرى.

 

 

 

 

استخدم ياهيتش ورفاقه صناديق موز لينقلوا الكتب فيها، وعرّضهم هذا مرّة لخطر غير خطر القنّاصة،” أثناء نقل الكتب استوقفتنا عصابة من لصوص الشّوارع، رؤوا معنا صناديق الموز وظنّوا أنّ فيها موزاً حقيقيّاً، وهو نادر في المدينة ويباع بسعر غال، فأرادوا سرقتها منّا ولكنّهم توقّفوا عن ذلك لمّا رؤوا انّها ملآى بالكتب”.

 

ومع كلّ هذه التّدابير ، رأى ياهيتش أنّ الخطر ما زال قائماً، فلا مبنى في المدينة خارج عن دائرة خطر وصول القذائف أو امتداد الحرائق إليه ، ولذا بدأ عملاً جديداً.

 

تصوير المخطوطات

عبر “ نفق الحياة “ الذي حفره المدافعون عن المدينة تحت المطار  لكسر عزلتها عن العالم الخارجي والذي بلغ طوله سبعمئة متر، تمكّن ياهيتش بمساعدة الجيش البوسنيّ من تهريب جهاز تصوير ماكروفيلم صنع في النّمسا، وبمساعدة فنّيّ تصوير وطاقم المكتبة.

 

 

 

ياهيتش في جناح المخطوطات بمكتبة الغازي خسرو بك

 

 

 

قام ياهيتش  بتصوير ألفي مخطوطة، برغم الصّعوبات التي كانت تحيط بهذا العمل، إذ أنّ التّيّار الكهربائي كان ينقطع بين الفينة والأخرى، واستخدموا بطاريّات السّيّارات لتوليد الطّاقة، حتّى يحافظوا قدر الإمكان على سير العمل.

 

 

صفحة من مخطوط قديم للمصحف الشّريف محفوظ في مكتبة الغازي خسرو بك

 

 

صفحة من مخطوط قديم للمصحف الشّريف محفوظ في مكتبة الغازي خسرو بك ٢

 

صفحة من مخطوط قديم للمصحف الشّريف محفوظ في مكتبة الغازي خسرو بك٣

بعد انتهاء الحصار

عندما انتهى الحصار في عام 1995، عادت المكتبة إلى مبنى مدرسة البنات الدّينيّة ، وواصل ياهيتش العمل على رقمنة وفهرسة محتوياتها بالكامل وصيانتها من أجل الحفاظ عليها وتقليل خطر تدميرها في المستقبل.

 

 

ياهيتش في جناح المخطوطات بمكتبة الغازي خسرو بك

 

 

 

وفي عام 2014 افتتح مبنى مكتبة غازي خسرو بك الجديد بالقرب من المبنى القديم، ويرتادها الكثير من الطّلّاب والباحثين للإستفادة من محتوياتها النّفيسة، ووثّقت قصة ياهيتش ورفاقه في فيلم وثائقي أنتجته البي بي سي عام ٢٠١٢.

 

 

مكتبة سراييفو اليوم بعد ترميمها

 

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

اترك رد