اختيار المحررينثقافة

كاظم الساهر ونزار قباني في جدلية الشعر والأداء

 

لا فرق بين الشعر واللحن، فهو إبداع ممزوج بحس فني، هو وجد وحب وإلهام وتطور وانسجام للكلمة مع الإيقاع. فاللحن لا يستثني من عمر القصيدة والكلمة لا تمحى من عمق اللحن، أو ربما وقعت القصيدة في عشق اللحن فتشبثت به. والعشق الصعب لا يتحمل الفراق.

 

 

هي باختصار علاقة الفنان العراقي كاظم الساهر بقصائد الشاعر السوري الكبير، نزار قباني، توجتها مجموعة من الأعمال الفنية تعدّ الأكثر جماهيرية في مسيرة كاظم كمغني وملحن.

ولم يكن كاظم الساهر قيصرا، بل لبس الدرع وحمل السيف الذي توج به بعد أدائه لأشعار قباني، حتى أن الشاعر السوري هو من لقبه ب،”قيصر الغناء العربي”بعد أن كان يناديه بالمتسكع.

 

جدلية الفنان والشاعر

كاظم الساهر فنان مجتهد، وصوت ناعم حزين، قوته تكمن في عاطفيّته وإحساسه العالي علاوة عن جاذبيته في طريقة الأداء الذي يستجدي من خلاله جميع حواسه، التي طرقت أبوابا لم تكن لتفتح لولا هذا التجلي الفني.

بدأ خطواته كمطرب شاب، درس في معهد الموسيقى بالعراق، حفظ الألوان الموسيقية لمدنها ونال منها مخزونا عظيما من الشعبي إلى البدوي والطربي بإيقاعه وتلاوينه.

 

 

فيما كان نزار قباني شاعر عصره، الذي قاد السفينة التي جمعت اللحن والشعر في بحر العمالقة، فلحن له موسيقار أجيال محمد عبد الوهاب وغنى له عبد الحليم حافظ وأدت له نجاة الصغيرة…

وكان قباني الشاعر الأبرز، الذي وصل إلى جمهوره مكتوبا في دواوين، ومسموعا بحنجرة مطرب، حيث قال في أحد لقاءاته الإعلامية “استطعت أن أؤكد أن الشعر لكل الناس ومن لم يقرأني مكتوبا قرأني مغنى”.
وفي علاقة الشاعر والمغني، ينتصر الإثنان وقد يخسر من فوّت على نفسه فسحة طرب. وقد شبه نزار علاقته بالمطربين الذين قدموا أشعاره بعلاقة محمد عبد الوهاب والشاعر أحمد شوقي.

 

 

فهناك من اعتبر أن عبد الوهاب كان محظوظا بالتعامل مع شاعر في قيمة أمير الشعراء، في المقابل يرى قباني أنّ أحمد شوقي هو الرابح في هذه الصفقة، فلو لم يغنيها عبد الوهاب، وفق تعبيره، “لبقيت معروضة على أسوار سوق الازبكية”.

وقال في لقاء تلفزيوني على شاشة “ام بي سي”، “أعتبرها خطوة مهمة جدا للوصول إلى الناس ، أنا أطبع 5 أو 10 آلاف نسخة من ديواني فقط بينما اريد ان اصل لملايين العرب”، ويعني بذلك الوصول إلى الجمهور العربي عن طريق اللحن باعتباره الأكثر انتشارا.

ويعتبر قباني أنّه محظوظ بالتعامل مع عبد الوهاب الملحّن المثقف والعندليب عبد الحليم حافظ، الذي  اختلطت بينهما الحدود فلم يعرف، حسب قوله، من هو المغني ومن الشاعر.

كاظم ونزار: الرحلة التي لا تنتهي

درس الفنان العراقي في معهد الدراسات الموسيقية، حيث تعلم أصول الفن والتلحين وتشبع بخبرة أبرز أساتذته، الذين كانوا يمثلون عمود الفن العراقي الراقي.

ولحّن الساهر “عبرت الشط”، الأغنية الشعبية التي كاد يطرد من المعهد بسببها، حيث غضب أساتذته من توجهه إلى هذا الغناء الذي يختلف عن شكل الأداء المرجو من قبلهم.

فحاول كاظم إنقاذ الموقف، بتقديم لحن” إني خيرتك فاختاري” خلال حفل للطلاب في المعهد، فنالت إعجابهم وزاول تعليمه.

 

 

 

وكانت “إني خيرتك فاختاري”،  أوّل أغنية لحنها دون أن يطلبها من صاحبها، لكنها مثلت بداية عمل مشترك بين الثنائي، بعد أن أعجب نزار بالعمل.

سافر كاظم إلى لندن حيث مكان إقامة قباني وأسمعه الأغنية كاملة، ومن ثم سجلها في لبنان. ولاقت شهرة بالغة من أواخر الثمانينات إلى اليوم.

 

 

 

 

وساهمت في إشعاع نجم عربي بأعمال شعرية خصه بها شاعر المرأة مثل “جسمك خارطتي”، التي حوّل كاظم عنوانها إلى “زيديني عشقا” خوفا من ان لايقبلها الجمهور، ومدرسة الحب، أكرهها، حافية القدمين، تناقضات..

وفي برنامج البيت بيتك، تحدث كاظم عن آخر أيام نزار القباني، التي كتب فيها قصيدة “الحب المستحيل” وهو على فراش المرض. فأخبرته ابنته أنها تحايلت عليه ليرتاح فردّ عليها “هذه اغنية كاظم يجب أن أتمّها”.

توفي قباني، وبقيت قصائده مخلدة في ألحان القيصر، الذي استفز بها جمهوره العربي المتعطش لهذا الطابع الغنائي.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد