اختيار المحررينسياسةغير مصنف

تركة نداء تونس أم تأسيس حزب سياسي مستقل.. ما الذي يريده الشاهد؟

أزمة نداء تونس

 

 

من داخل عباءة نداء تونس وجبة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، خرج رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد ليخطو أولى خطواته في عالم السياسة، وجاء تعيينه على رأس حكومة توافق وطني ليحظى بمباركة جميع الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج، وظن نداء تونس ان رجله سيكون على القدر الكافي من الولاء الحزبي ليتبع المسار المرسوم له، لكن سرعان ما تغيرت الموازين..

 

أثبت يوسف الشاهد منذ البداية ان له سقفا عاليا من الطموحات الخاصة، وبدأت معركته مع نجل الرئيس مبكرا حول من يحكم الحزب، ثم تطورت إلى سؤال: من يرث النداء وناخبيه؟

 

 قطيعة بين قرطاج والقصبة..إلى أين؟

لم تعد القطيعة بين قصر قرطاج والقصبة خافية على أحد، فبعد أن كان رئيس الحكومة يلتقي برئيس الجمهورية مرتين أسبوعيا، أشارت تقارير إعلامية إلى ان الاثنين لم يجتمعا منذ قرابة أسبوعين، فالباجي قايد السبسي غاضب من يوسف الشاهد، الذي نجح في إجباره على التراجع ومراجعة حساباته السياسية، بعد إصراره على مواصلة العمل لا فقط صلب الحكومة بل في استمالة وحشد قواعد وقيادات من داخل الحزب لتكوين جبهة سياسية خاصة به، تدعم طموحاته المتنامية.

 

بدأت خيوط اللعبة السياسية في الإنفلات من بين يدي الباجي قايد السبسي وابنه، مدير النداء التنفيذي، مع تفتت كتلة الحزب البرلمانية وموجة الاستقالات الاخيرة.

بدا هذا واضحا في تصريح حافظ قايد السبسي، الذي أكد ان “الشاهد ولد النداء” ملمحا أنه لن يخرج من “جلباب أبوة الرئيس” الذي لا يزال يدير العمل الحزبي لنداء تونس رغم استقالته النظرية منه.

 

يبدو غضب الرئيس مفهوما،  مع بروز الطموحات السياسية لرئيس الحكومة، وتعمق الشعور بمرارة “الخيانة” الذي ينتاب الندائيين الموالين لآل الباجي، وهم يرقبون الشاهد وهو يقاتل لاستمالة أعضاء الحزب، لتوسيع نفوذه الداخلي، فيما يعمل بلا هوادة في إطار صلاحياته الحكومية على توسيع قاعدته الشعبية وترسيخ صورته كرجل دولة جسور قادر على التحدي وفرض إرادته في مرحلة بالغة الدقة.

 

الشاهد طموح خطر؟

قبل سنة 2012، لم يسمع التونسيون باسم يوسف الشاهد أو حافظ قايد السبسي، فالشاهد دخل الساحة السياسية حديثا في ركاب الحزب الجمهوري الذي كان أحد مؤسسيه، لينظم سريعا إلى مركب النداء سنة 2013 رفقة سعيد العايدي ويكتفي بعضوية المكتب التنفيذي في انتظار وصول المركب لشاطئ الانتخابات الرئاسية.

 

وصل الباجي قايد السبسي إلى قصر قرطاج، وحمل معه طموح يوسف الشاهد المتنامي، الذي أوجد لنفسه موطئ قدم سريع في البطانة الداخلية للسبسي، خاصة وانه يتمتع بصلة قرابة مع آل السبسي وحظي بمباركة العائلة ليتدرج في المناصب، من كاتب دولة لدى وزير الفلاحة في 2015، إلى ترؤس لجنة 13 التي عينه فيها الرئيس بنفسه، وصولا لحقيبة وزارة الشؤون المحلية سنة 2016.

 

في بداياته، أسند يوسف الشاهد نجل الرئيس وانقذه من مآزقه المتتابعة التي جلبها وجوده غير المبرر في الحزب ونفوذه المرتبط بوالده، لكن الصعود الصاروخي للشاهد وتمكنه من مفاصل الحزب أشعل الحرب بين الطرفين لتدور رحاها في ساحات الحكومة ومؤسسات الدولة.

 

رغم الضربات المتوالية للشاهد، أثبت انه ليس خصما سهلا، واستطاع النجاة من الفخاخ المتكررة التي نصبها له نجل الرئيس، والتي رمت إلى حصاره، آخرها تأليب المنظمة الشغيلة والدفع بها لمواجهة مباشرة مع الحكومة لتنحية الشاهد، الذي استطاع، بدعم من حركة النهضة، البقاء صامدا طيلة هذه الفترة.

 

لا يقف طموح الشاهد عند رئاسة الحكومة، التي لن تتجاوز وإن طالت، موفى سنة 2019.. من المؤكد أن بضعة أشهر أخرى في القصبة ليست المستقبل الذي يتطلع إليه، وهو لم يخف رغبته في تصدر المشهد منذ البداية مع الحرب التي سارع إلى الإعلان عنها ضد الفساد طلبا لاكتساب التأييد الشعبي.

 

غير أن المسار الحقيقي الذي ينوي يوسف الشاهد اتخاذه لم يتضح بعد، في خضم المعركة حامية الوطيس على “التركة الندائية” بين نجل الرئيس والشاهد، معركة كانت تونس بأكملها شاهدة عليها على شاشات التلفاز في وقت الذروة..

 

في نفس الوقت، يواصل الشاهد مغازلة الفرقاء السياسيين داخل النداء، والأحزاب الصغرى والنواب المستقلين والمستقيلين، سعيا لضمّهم تحت جناح ائتلاف سياسي جديد، وتروج أنباء عن مشاورات يجريها مع بعض قياديي الحزب الوطني الحر، لجمعهم في كتلة واحدة..

 

المؤكد في كل هذا المسلسل بتقلباته وتعرجاته هو أن الشاهد يخطط للبقاء أمدا بعيدا في صدارة المشهد السياسي التونسي، من أجل ذلك تجرأ على الخروج عن وصاية الرئيس وجبة الأب المؤسس، وشق طريقه لتكوين حزام سياسي خاص به يسند قراراته، ويحقق عبره طموحاته وتطلعاته..

 

فهل ينجح الشاهد في تحقيق ما يصبو إليه، أم يلقى مصير جل المتمردين عبر التاريخ، الذين تحركهم أشواق الزعامة فيغادرون السرب، ليجدوا أنفسهم في العراء بلا غطاء يحميهم.. خاصة وأن من قدم له الحماية بعد أن تجند القصر للإطاحة به كان حركة النهضة، خشية من هز الإستقرار الهش بالبلاد.. فهل ترفع عنه هي أيضا الغطاء إذا تحققت من جموح تطلعاته للقيادة والريادة، فيلفي نفسه وحيدا في مواجهة الطوفان؟

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد