اختيار المحرريندين وحياة

الشيخ محمد الصالح النيفر.. مصلح رائد ومؤسس مدرسة البنت المسلمة

 

 

يعد  الشيخ محمد الصالح النيفر، أحد رجال الإصلاح التونسيين، ومن أبرز الأعلام الزيتونيين، ينحدر من أسرة آل النيفر العريقة، التي كان لها حضور مكثّف في الإطار التدريسي بجامع الزيتونة، وقدمت العديد من العلماء والمدرسين والقضاة والمفتين، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

والشيخ محمد الصالح النيفر سليل عائلة علمية فقهية، كان والده محمد الطيب النيفر، مفتي الديار التونسية، وجمع جدّه الشيخ صالح بن أحمد النيفر بين الخطابة بجامع الزيتونة وخطّة باش مفتي المالكية، وانحدرت والدته، حنيفة بن عطار من عائلة جزائرية من مدينة تلمسان.

وكغيره من الأعلام البارزين، اختلفت المراجع في تحديد تاريخ مولده، حيث ذكرت الموسوعة التونسية المفتوحة، أن الشيخ محمد الصالح ولد في 10 مارس/ آذار 1905، في حين أشارت مواقع أخرى، نقلا عن كتاب ابنته  أروى النيفر، “من “رواد الصحوة الاسلامية في تونس والجزائر“، أنه ولد في 26 ديسمبر/ كانون الثاني 1902م في مدينة المرسى، بسانية النيفر، في تونس (السانية لفظ عامي، بمعنى الأراضي الخاصة).

 

 

 

 

تلقى تعليمه في الكتّاب، أين بدأ بحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى مرحلة التعليم الابتدائي بمدرسة السلام القرآنية، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة، سنة 1916، وارتقى في جميع مستوياتها. تتلمذ على يد جهابذة العلماء الزيتونيين، على غرار الشيخ محمد العزيز جعيط ومحمد النخلي، اللذين كانا من أبرز شيوخه، إلى أن تحصل على شهادة التطويع في 5 جويلية/ يوليو 1923، طبقا للنظام القديم، الذي كان معمولا به آنذاك.

وبعد تخرجه، انضمّ إلى سلك المدرسين بالجامع الأعظم سنة 1929 بصفته متطوّعا، ثمّ ارتقى إلى الطبقة الثانية سنة 1935، ولم يرتق إلى الطبقة الأولى إلا في 1953، ثمّ كلف بإدارة الفرع الزيتوني للبنات.

 

 

 

تنوع العمل الجمعياتي

لم يمنع الشيخ النيفر انشغاله بالتدريس بجامعة الزيتونة، من ممارسة نشاطه الجمعياتي، إذ أسّس في ديسمبر/ كانون الأول 1930 جمعية “النشء الرياضي” التي اهتمّت بتنمية الرياضة في الوسط الزيتوني، وضمّت في حدود سنة 1935 ثلاثين رياضياّ.

وبعد 3 سنوات، ساهم الشيخ في بعث “جمعية علماء جامع الزيتونة“، في فيفري/ شباط 1933، برئاسة إبراهيم النيفر، وضمّت عددا من أساتذة الجامع، وتولّى الشيخ هو كتابتها العامّة، بمقترح من الشيخ الجزائري وخريج جامع الزيتونة عبد الحميد بن باديس.

كما كان أحد مؤسسي نقابة المشايخ المدرسين بجامع الزيتونة وفروعه، التي عرفت ب”نقابة العلماء”، بعد أن أصدر قانون فرنسي، صادق عليه الباي أحمد باي الثاني، يسمح بتأسيس نقابة لكل من يجمعهم حرفة أو وظيفة واحدة.

تولّى الشيخ محمد الصالح  كتابتها العامة، وكان أحد المحرّضين على الاضراب الذي شنّه أساتذة الجامع في ديسمبر 1943.

 

 

 

 

رغم المصاعب التي لحقت به، جراء نشاطه الجمعياتي، وخاصة في نقابة المشايخ الزيتونيين، لم يستسلم الشيخ، وأسس جمعية الشبان المسلمين، التي اهتمت بالمشروعات الاجتماعية والخيرية، وآلت إليه رئاستها، وعرفت ازدهارا كبيرا واتسع نشاطها حتى بلغت فروعها 113.

 

وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1947، انبثق عن الجمعية، مدرسة “البنت المسلمة”، التي أسست لها عدة فروع بالعاصمة وعدة مدن تونسية أخرى، من الشمال إلى الجنوب، واهتمت بتعليم البنات والإرتقاء بملكاتهن. كما أسست الجمعية مشروع دار الرضيع للاهتمام بالطفولة المهملة،  بالإضافة إلى تأسيس فرع كشفي.

 

 

 

 

ولم ينحصر نشاطه عند ذلك، حيث بادر إلى المشاركة في جانفي/ كانون الثاني 1946 في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي تدخّل في جلسته الافتتاحية مطالبا بضرورة توسيع العمل النقابي إلى مناطق الجنوب.

 

اتهم الشيخ محمد الصالح النيفر، سنة 1933، بتهمة التحريض على الاضرابات التي عمت صفوف طلبة الزيتونة، والتشجيع على المظاهرات التي امتدت إلى معظم المدن التونسية، بسبب “أحداث التجنيس”.

وأوقف في شهر مايو/ أيار عن العمل، مع قطع الجراية، إلى حين صدور العفو عنه في مطلع السنة الدراسية الموالية.

 

 

 

 

الصراع مع بورقيبة

كان بورقيبة يسعى لاستمالة الزيتونيين والحصول على ثقتهم لأنه يدرك أن لهم ثقلا كبيرا في الوسط الإجتماعي التونسي وتاثيرا واسعا، من ذلك تشجيعه قبل الاستقلال للأنشطة الجمعيتية، وخاصة جمعية الشبان المسلمين، حيث أشارت المراجع إلى أن رئاسة الشيخ النيفر لها، كانت باقتراح من عناصر تابعة للحزب الدستوري الجديد.

غير أن وقوف الشيخ بعد الاستقلال ضدّ التوجهات المعادية للهوية العربية الإسلامية التي بدأ بورقيبة يفصح عنها، من قبيل إغلاق جامع الزيتونة ومصادرة أملاكه متمثلة أساسا في الحُبُس والأوقاف، وتشريد خِرّيجيه وإلغاء التعليم والتدريس فيه، والدعوة لإفطار رمضان، أدى إلى معاقبته بإحالته على التقاعد المبكر.

وأوقف النيفر عن إمامة جامع التوفيق، وصدر قانون في الرائد الرسمي لانتزاع مدرسة البنت المسلمة وفروعها ومصادرة جميع أملاكها.

وفي 1961 صدر قرار بحل جمعية الشبان المسلمين وفروعها وإيقاف جميع أنشطتها الشبابية والرياضية والنسائية والصحفية كما أُمِّمَت دار الرضيع.

 

 

الهجرة إلى الجزائر

دفع ذلك بالشيخ محمد الصالح النيفر إلى الهجرة إلى الجزائر، وكان ذلك في سنة 1963، أين استقر بمدينة البليدة وعين مديرا في أحد مدارسها  الثانوية، ليتولى بعد ذلك تدريس الفلسفة الاسلامية وتاريخ الأدب العربي بالمعاهد الثانوية، بالشرق الجزائري.

وبعد 4 سنوات، درس الحضارة والتشريع الإسلامي بجامعة قسنطينة، ليفتح له المجال بعد ذلك لتأسيس جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي، لتقديم دروس في الوعظ والإرشاد.

 

 

 

 

في سنة 1970، عاد الشيخ العلامة النيفر، إلى تونس، ليعود إلى العمل الجمعياتي من جديد، وهو ما أدّى إلى إحالته على المحاكمة سنة 1981 دون أن يصدر عليه حكم بالسجن.

 

في شهر فيفري/ شباط 1993، رحل الشيخ الزيتوني، أحد رواد الحركة الإصلاحية، ولم يحفظ له غير كتيب واحد يحمل عنوان “الصلاة عماد الدين”، الذي نشر سنة 1975، بتونس، فيما  خصّص له زين العابدين السنوسي فصلا في كتابه الأدب التونسي في القرن الرابع عشر ضمّنه خمس عشرة قصيدة من قصائده.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد