مجتمع

أرقام صادمة لنسب الأمية في تونس.. لماذا انهار النظام التعليمي؟

 

سبب تصريح وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي حالة من الفزع والذعر في صفوف الأكاديميين ورجال التعليم، بعد أن أعلن الوزير عن وصول نسبة الأمية في تونس إلى 19.1 %، وهي أعلى نسبة منذ الاستقلال، والشروع في إصلاح التعليم، بعد ان كانت في سنة 2016 لا تتجاوز 18.6%.

 

الأرقام كشفت انهيارا كاملا لمنظومة التعليم العمومي التي راهنت عليها أجيال ما بعد الاستقلال وشكلّت لعقود المصعد الاجتماعي الأساسي في تونس.

 

اليوم، لم يعد للتعليم في تونس ذات القيمة الاجتماعية بعد أن تنامت معدلات البطالة في صفوف حاملي الشهائد وتغيرت موزاين المجتمع واصبح للتغيير الطبقي محركات أخرى تعدت المستوى الدراسي أو العلمي. لكن لم يأت هذا التغيير فجائيا دون مقدمات، بل سبقته مؤشرات عديدة تم التغاضي عنها لسنوات، تراكمت حتى شكل انفجارها صدمة تهدد بتقويض أسس اهم ركيزة اجتماعية وفكرية: التعليم.

 

 

 

نسب الأمية.. إلى الخلف در

إذا سألت أحد أبويك عن التعليم في تونس في سنوات الستينات والسبعينات لأجابك بانه أشبه بالمعسكر، يدعى فيه التلميذ إلى تقديم فروض الطاعة والولاء للكتاب والكراس المدعومين من الدولة دون بهرج كثير أو مستلزمات إضافية، فقد كان التعليم شبه مجاني حينها، وكان هذا جزءا من السياسية البورقيبية في تحديث المجتمع التونسي المنهك بعد عقود من الإستعمار.

لم تكن هناك تعقيدات كثيرة، كانت المدرسة النافذة الوحيدة التي يتطلع منها الطفل وأهله من ورائه إلى مستقبل أفضل، وكانت أحلام الأطفال تدور حول دراسة الطب والهندسة والتعليم، أيام كان للشهائد العليا قيمة مادية واجتماعية.

 

عادل الحاج سالم

 

هذه الصورة التي يتذكرها عادل الحاج سالم، المدرس بالتعليم الثانوي والناشط المدني، شارفت على الاختفاء وشملتها تغيرات عديدة.

فقد تراجع دور المدرسة، وبدأت المنظومة التعليمية في الانهيار منذ الثمانينات، رغم مساعي إصلاحها، ولم تفلح البرامج التي اعتمدها نظام بن علي، خاصة برنامج محو الامية الذي انطلق منذ سنة 2005 في إنقاذها، وثبت فشله في النتائج المعلنة مؤخرا.

وحسب عادل الحاج سالم، فإن البيئة المحيطة بالتلميذ والطفل عموما لا تشجع على الدراسة ولا تقدم الوعي الكافي للأهل كي يحرصوا على مواصلة أبنائهم لدراستهم، في ظل الانحطاط الإعلامي والفكري الذي تعيشه الساحة التونسية حاليا، وتغليب الرداءة على الأفكار الجادة والمفيدة.

“ليست الأمية هي الجهل بالكتابة والقراءة فقط، يقول عادل، بل أصبحنا في زمن يتجه لاعتبار الجهل باستعمال الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة أميا، فقد أصبحنا نتحدث عن أمية الكترونية، مدى انتشار الارتباط بالإنترنت، إنها الأمية التكنولوجية هي التي يجب أن نقلق بشأنها، فأمية القراءة والكتابة من المفروض اننا تجاوزناها”.

التعليم..واقع صعب

من جانبه، طالب الدكتور سامي نصر الأخصائي في علم الاجتماع، بالتثبت من الأرقام المعلن عنها وطرق احتساب النسب، فإعلان خمس الشعب التونسي أمي، لا يعرف القراءة والكتابة، يطرح تساؤلات كثيرة.

 

د.سامي نصر أخصائي في علم الاجتماع

 

واعتبر الدكتور سامي نصر، ان هناك عملية تدمير ممنهجة للشعب التونسي الذي يعيش حاليا ازمة على كل المستويات، اقتصادية وسياسية وفكرية، وتدهور التعليم وانتشار الامية هو شكل من أشكال الأزمة التي نعيشها اليوم.

حاليا، تغيرت مقاييس النجاح والفشل، ولم تعد للنجاح في التعليم او الحصول على شهادة قيمة اجتماعية، وانهارت القيمة التعليمية في الأسرة، وحلت محلها موازين أخرى مادية، فأصبحت الأسر تعتبر حاملي الشهائد مشكلا لا حلا، وتفضل أن توجه أبناءها لتعلم حرفة يدوية او التجارة بدلا من التعليم.

ويقول د. سامي إن للتكلفة المادية للتعليم هي الأخرى دورا كبيرا في تراجع المنظومة، فقد ارتفعت التكلفة بشكل جنوني وأصبحت تضغط على الأولياء، وتدفع بالأبناء الى الخروج المبكر من مقاعد الدراسة، ووهم مجانية التعليم بقي فقط شعارا لا أكثر.

باختصار، ما لا يختلف عليه اثنان اليوم هو أن التعليم في تونس يحتاج إصلاحات جذرية تعيد له منزلته ودوره في في سلم الارتقاء الاجتماعي.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق