مجتمعغير مصنف

في القيروان: حملات لمساعدة العائلات الفقيرة على تدريس أبنائها

ناجح الزغدودي- مجلة ميم

This post has already been read 3 times!

 

 

تولي العائلة التونسية اهتماما كبيرا للعودة المدرسية (15سبتمبر/ايلول) من كل عام لابنائها في مشهد وحركية ملفتين الى حد الاستنفار المادي والمعنوي وتنشط حركية اقتصادية ملحوظة من اجل شراء ما يمكن شراؤه استعدادا لسنة جديدة على مقاعد المدرسة.

في المقابل، يتجند متطوعون من بين الجمعيات والأشخاص والمربين لجمع تبرعات وعطايا تساعد العائلات الفقيرة على مجابهة مصاريف تدريس ابنائها وتسعى الى حماية الاطفال الفقراء من هجر المدرسة وحمايتهم من الانحراف والامية.

 

 

تعرف في هذا الريبورتاج على مبادرات الجمعيات الاهلية وجهود المواطنين في مد يد المساعدة وتخفيف العبء على العائلات ورعاية الفقراء في محافظة القيروان التي تسجل أعلى نسب الفقر والأمية والتسرب المدرسي.

 

عائشة أم 4 أبناء مسجلون بالمدرسة الابتدائية. شرعت منذ أيام في اقتناء بعض المستلزمات التي يحتاجها ابناؤها من ملابس واحذية وحقائب مدرسية. تقديرات اسعار المستلزمات المدرسية لتلميذ المرحلة الاساسية تتراوح بين 130 و200 دينار للتلميذ الواحد الى جانب الملابس وغيرها من الاحتياجات لذا ستكون العائلة مطالبة بتوفير أزيد من 1000 دينار لتوفير الحد الادنى من الاحتياجات.  بينما لا يتجاوز دخل العائلة ال 500 دينار وهو ما يضعها امام وضع مالي حرج، ويحرج الابوين في تلبية احتياجات الابناء.

 

يبرز الاهتمام الممتزج بالحرج والضغط المادي، بشكل اكبر في تجهيز العائلات الفقيرة لابنائها بالأدوات المدرسية بدءا بالأقلام وصولا الى المحفظة وما تحويه من كتب وكراسات تتفاوت قيمتها حسب امكانيات العائلات من جهة وحسب ما هو معروض بالأسواق. كما تشمل النفقات ملابس جديدة وأحذية رياضية وميدعة واشتراكات التنقل والمطعم المدرسي والمبيت وغيرها من المصاريف الطارئة.

 

تولي العائلات التونسية اهتماما كبيرا بتعليم ابنائها وتعتبره واجبا من جهة كم تعلق عليه امالا لتحصين ابنائهم في بناء مستقبلهم. لهذا تخصص جزءا هاما من امكانياتها المادية من اجل ضمان عودة ابنائها للدراسة في احسن الظروف.

 

 

 

 

وتتزايد قيمة المخصصات سنويا، وفي تحيين للمنظمة التونسية لارشاد المستهلك (غير حكومية) انه تم تسجيل ارتفاع بنسبة 30 بالمائة في قيمة الأدوات المدرسية.  كما تتفاوت المخصصات المالية حسب دخل العائلة خصوصا بعد خروجها من سلسلة مناسبات انفاق خلال الصائفة، بدأت بعيد الفطر ومرت بالاصطياف ثم نفقات عيد الاضحى وصولا الى هذا الموعد السنوي المشهود. هذا دون الحديث عن ميل بعض الاسر الى تدريس ابنائها بالمؤسسات التعليمية الخاصة ذات التكلفة العالية (7 الاف دينار لمرحلة 3 سنوات الاعدادي أي ثلث دخل أستاذ).

 

فتبدو حيرة العائلات المعوزة ازاء توفير مسلزمات أبنائها مثل من “يواجه جبلا بفأس” كما يقول المثل التونسي. وهذه الصعوبات تمثل احراجا بالنسبة للعائلات تجاه ابنائها وكثيرا ما يكون الاحراج دافعا نحو سحب الاباء لابنائهم من المدارس خصوصا الاناث او احجام الابناء عن الذهاب الى المدرسة. وتتسبب الظروف المادية في التسرب المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة ناهيك عن تدني النتائج المدرسية.

 

تخصص الحكومة التونسية مساعدات اجتماعية لفائدة العائلات الفقيرة بقيمة شهرية 180 دينار تونسي مع تمكينها من مساعدات تزامنا مع العودة المدرسية بلغت بمناسبة العودة المدرسية والجامعية 2017-2018،  13 مليون دينار،  انتفع بها حوالي 308 ألف تلميذ. وتم تمكين كل تلميذ من مساعدة ب30 دينار والطالب من 100 دينار. الى جانب مساعدات جملية بقيمة 500 ألف دينار يقدمها الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي (منظمة حكومية) لحوالي 15 ألف تلميذ لم يتمتعوا بالمساعدات المالية.

 

من المنتظر ان يباشر في محافظة القيروان اكثر من 122 الف طفل دراستهم بمختلف المراحل الاعدادية والثانوية يوم 15 سبتمر الجاري من بين اكثر من مليوني تلميذ وتلميذة.

 

تنتفع سنويا حوالي 30 الف عائلة معوزة بالجهة بالمساعدات الاجتماعية وهي نسبة ضعيفة مقارنة بما تسجله الجهة من نسب الفقر التي تصل الى 45 بالمائة من 600 الف ساكن منها نسبة 10.5 بالمائة نسبة الفقر المدقع.

 

 

 

مواد مدرسية

 

انزلاق اضافي نحو الفقر

علاوة على التحضيرات الاولية التي قامت بها العائلات سيعود كل تلميذ اثر أول حصة دراسية بعد 15 سبتمبر ومقابلة المدرسين، مرفوقا بقائمة طلبيات اضافية من الأدوات التي لم تتنبأ بها العائلة مثل لفافة أوراق وحافظة أوراق وأنواع معينة من الكراسات (بعضها يصل الى 12 دينارا للكراس ما يساوي ثمن 10 كراسات عادية) وأصناف محددة من الادوات مثل لصاق معين وغلافات كتب وكراسات موحدة وملصقات. فيعود الطفل ببراءته الفطرية، فرحا بالقائمة الجديدة وهو لا يعلم ما سيسببه هذا من ضغط للأبوين وحرج مادي اضافي.

أمام ارتفاع اسعار الادوات المدرسية وتضاعف التكلفة في ظل الازمة الاقتصادية التي تواجهها الاسر التونسية وتسجيل انزلاق في قيمة الدينار التونسي (مطلع 2013  واحد دولار يساوي 1.53 دينار في حين بلغ سعر 1 دولار امريكي يساوي 2.7761 دينار تونسي في سبتمبر 2018)،  وما يعني من تعثرات كبيرة للعائلات أمام نفقات دراسة الابناء، تضاعفت خلال السنة الدراسية الحالية مجهودات الحملات التطوعية والمبادرات التضامنية لعديد الجمعيات الاهلية النشيطة من اجل جمع التبرعات وتقديم مساعدات للعائلات الفقيرة عبر توفير كتب مدرسية ومحفظات وملابس وأيضا منح مالية للطلبة الى جانب تقديم الاحاطة النفسية والاجتماعية لعدد كبير من الاطفال اليتامى والأرامل.

 

الهدية: حقائب مدرسية

اعلنت عديد الجمعيات عن استعدادها لجميع تبرعات المواطنين من ادوات مدرسية وهبات مالية قصد تقديمها للعائلات الفقيرة. وقد نشطت الحملات التطوعية عبر شبكات التواصل الاجتماعية لترغيب المتبرعين وحثهم على مساعدة الاطفال.

اتخذت الحملات عدة أشكال منها جمع كتب مدرسية مستعملة أو جمع كتب وأدوات متفرقة أو مساعدات نقدية ولاقت تجاوبا من قبل مانحين ومتبرعين من المواطنين والمربين ورجال الأعمال وشركات قدمت هدايا في شكل دعاية مثل بنوك وقنوات تلفزية. ومكنت من تقديم مساعدات محترمة لفائدة مئات المنتفعين من بين المطالب التي تلقتها.

جمعية الحكمة للبناء والإصلاح بمنطقة بوحجلة (100 الف ساكن) نظمت حملة من “حقي نقرأ ونتعلم” لجمع مساعدات مدرسية لفائدة العائلات المعوزة .وقد كررت التجربة هذا العام تحت غطاء الجمعية بعد أن مكنت العام الفارط من تجهيز 150 تلميذ.

 

 

المنظمات والجمعيات الخيرية تسعى لمساعدة الأسر المحتاجة بتوفير بعض من مستلزمات الدراسة

 

 

أما هذا العام فتلقت الجمعية 400 طلب مساعدة من عائلات محدودة الدخل. وتمكنت الجمعية حسب رئيسها ماهر غيضاوي من توفير مساعدات ل160 عائلة عبر وصولات نقدية تتراوح بين 50 و100 دينار لكل عائلة. واكد الغيضاوي ان رجال أعمال ومواطنون قدموا مساعدات مالية من اموال الزكاة وهبات.

كما أقامت الجمعية شراكات مع منظمات وجمعيات اهلية تنشط بولايات مجاورة لمساعدة ابناء منطقة بوحجلة نظرا لتدني المقدرة الشرائية لسكانها وحاجة مئات العائلات الى المساعدة.

“الهدف هو حماية التلاميذ من التسرب المدرسي والانحراف والأمية” يقول ماهر مشيرا الى ان معتمدية بوحجلة تسجل اعلى نسب الامية خصوصا في صفوف الفتيات وتحدث عن تزايد انقطاع التلاميذ عن المدارس لأسباب عديدة منها الظروف الاجتماعية (500 منقطع سنة 2016 و700 منقطع سنة 2017).

شكل آخر من التطوع قام بها مجموعة من المربين بمحافظة القيروان قاموا بتخصيص ركن مساعدات باحدى المكتبات ودعوة المواطنين الى التبرع بوضع بعض الادوات المدرسية في صندوق المساعدات ويتم اخر اليوم تجميعها ثم توزيعها على العائلات المعنية. ومكنت المبادرة (مازالت متواصلة) من جمع بعض المساعدات للعائلات التي تسلمها في كنف السرية ودون تصويرهم.

 

 

تعمل جمعيات خيرية كل عام على مد يد العون للأسر بتوفير جزء من حاجيات أبنائها المدرسية

 

منح للطلبة طوال العام الدراسي

لا يقتصر نشاط جمعية “الإحسان” لكفالة الأيتام بالقيروان على العودة المدرسية وانما يتعداها الى عدة انشطة تطوعية على امتداد العام تشمل الاحاطة النفسية والتربوية والثقافية للمنتفعين بنشاط الجمعية.

بدات عملية جمع التبرعات منذ 2014، اول سنة دراسية عن احداث الجمعية. وأفادت مديحة الهمامي ممثلة الجمعية لمجلة ميم أن الجمعية بدأت حملاتها التضامنية سنة ب60 منتفعا وفي سنة 2017/2018 تم توزيع 198 حقيبة مدرسية لمختلف المستويات المدرسية بعدد من المناطق بمحافظة القيروان منها مناطق ريفية وتم توسيع نطاق التدخل. وبلغت هذه السنة اكثر من 250 منتفعا.

تقدم الجمعية ايضا منحا شهرية لفائدة طلبة الجامعة ذوي الدخل المحدود تبدأ بمساعدة بقيمة (150/200 دينار) في بداية العام الجامعي ثم يتمتعون بمساعدة شهرية بقيمة 130 دينار لمن يدرسون خارج محافظة القيروان و100 دينار شهريا لمن يدرسون داخل المحافظة تصلهم عن طريق التحويل المالي. وبلغ عدد المنتفعين بهته المنحة 11 طالبا مقابل 6 منتفعين العام الفارط.

يُقبل مواطنون متطوعون على التبرع بالمساعدات. كما يقبل اخرون على التكفل بكافة نفقات عائلة من اللوازم المدرسية. وبعض هؤلاء المتبرعين من ذوي الدخل المتوسط بدافع انساني.

كما تهدف الجمعية ضمن مشاريعها التربوية الى احداث مركز تربوي وترفيهي للأطفال اليتامي وفاقدي السند العائلي عبر انشطة رياضية وتربوية ورعاية نفسية للعائلات التي تواجه صعوبات اجتماعية. كما تقدم الجمعية الاحاطة الصحية النفسية للأمهات وتدريبهم على طرق رعاية الابناء بشكل علمي.

 

الفقر يهدد التعليم

تسجل محافظة القيروان سنويا حوالي 10 الاف انقطاع مبكر عن الدراسة في صفوف تلاميذ المرحلة الاساسية بسبب عدة عوامل يعد الفقر احدها.

يشير الباحث في علم الاجتماع الدكتور عماد الرقيق ان الوضع الاقتصادي للعائلة هو احد ابرز اسباب الانقطاع المبكر للطفل والمراهق عن الدراسة.   ويقول الدكتور الرقيق: اذا كان المراهق ينتمي الى عائلة معوزة أو محدودة الدخل فانه سيواجه مشاكل كثيرة منها الشعور بالدونية مقارنة بزملائه الآخرين نتيجة عدم حصوله على «مصروفه» اليومي. كما أنه سيحرم من متابعة الدروس الخصوصية نظرا الى عجز عائلته عن توفير ثمن هذه الدروس وبالتالي سوف لن يتحسن مستواه الدراسي ولن يتم التغلب على النقص الذي يعانيه في بعض المواد. كل ذلك يؤدي الى قلة تركيزه وشروده المتكرر أثناء الدرس”.

في مقابل ارتفاع نسبة الفقر وعدد الاسر ذات الدخل المحدود، يقفز محافظة القيروان الى اعلى نسب الامية على مستوى وطني بنسبة 39 بالمائة وهو ما يخالف القيمة الحضارية للقيروان، عاصمة العلوم ومنارة الاشعاع الحضاري طيلة قرون منذ تأسيسها.

رغم محدودية مساحة الحملات التضامنية، فان تدخلاتها لانقاذ ما يمكن انقاذه من الاطفال من شبح الانحراف والانقطاع المبكر عن الدراسة، تعتبر تجربة اجتماعية رائدة من صميم البعد التضامني الذي تحض عليه القيم الكونية للمجتمعات الانسانية أولها قيم الاسلام السمحة التي تتجسم في السيرة النبوية والقرآن الكريم.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.