الرئيسيثقافة

هشام جعيّط.. مجهر التاريخ المغيّب في تونس

 

 

يعدّ هشام جعيّط، قيمة فكريّة وفلسفيّة عربيّة فريدة، درس الفلسفة والعلوم الانسانية قبل أن يجد في علم التّاريخ سبيل خلاص وطريقا وجد فيها ذاته الباحثة.

 

ويمثّل اليوم، أحد أبرز المفكرّين العرب الذّين قادتهم الخلفيّة التاريخيّة لدراسة الإسلام من خلال نظرة معمّقة اكتست الموضوعيّة في التوجّه ورؤية فلسفيّة في الطرح في علاقة الإسلام بالغرب وجدل الهويّة، الإسلام والسياسة…

 

نأى جعيّط المثقّف عن السياسة من أجل استقلاليّته البحثيّة والأكاديميّة، دون أن يتخلّى عن دوره في التوجيه، فساند الثورات العربيّة التي أسقطت الأنظمة الديكتاتوريّة ومثّلت منعرجا جديدا نحو تكريس الأنظمة الديمقراطيّة.

 

 

 

 

ولد هشام جعيّط لعائلة تونسيّة مثقّفة، وتعلّم في المدرسة الصادقيّة قبل أن يتوجّه إلى فرنسا لمزاولة تعليمه الجامعيّ، أين تحصّل على شهادة التبريز عام 1962.

حصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلاميّ من جامعة السوربون الفرنسيّة بداية الثمانينات، ونشر العديد من الدراسات والمؤلّفات المرجعيّة.

منح العديد من الجوائز الثقافيّة واختارته المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنشر ببيروت شخصية العام الثقافية لسنة 2016.

كما ترأّس المجمع التونسيّ للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” من 2012 إلى 2015.

 

 

 

 

انشغل في بداياته بنشأة الحضارات الكبرى مثل الحضارة الصينيّة، والهنديّة، واليونانيّة. وفي دراسته للإسلام اندرجت كتاباته ضمن بواّبة التاريخ دون إمعان في المحتوى. (رغم اطّلاعه الكبير على الدّين والتفاسير القرآنية).

 

 

 

 

قدّم أعماله باللغتين العربيّة والفرنسيّة، التي ساهمت في تأثيث توجّه فكريّ معاصر بروح نقديّة، ومن أهم مؤلّفاته “الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربيّ، الكّوفة: نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة، الفتنة: جدليّة الدّين والسياسة في الإسلام المبكّر،أزمة الثقافة الإسلاميّة، وثلاثيّة السيرة المحمّدية 1999 – 2014، (الوحي والقرآن والنبوّة، تاريخيّة الدعوة المحمّدية، مسيرة محمّد في المدينة وانتصار الإسلام).

 

 

 

 

هشام جعيّط والثورات العربيّة

يعتبر المؤرخ التونسي أنّ الثورات العالميّة التي ظهرت في العصر الحديث، وقعت في بلدان لها قيمة حضاريّة وعتاد عسكريّ، على غرار فرنسا وروسيا وإيران. ولعبت دورا كبيرا في تاريخ الإنسان الحديث لأنّها قامت على أفكار وأيديولوجيات.

ويؤكد على أهمية الثورة التونسيّة التي انتشرت في بعض الدول العربية بسرعة كبيرة، سواء في مصر، حيث سقط النظام الدكتاتوريّ أو ليبيا رغم تدخّل القوى الأجنبيّة.

وما حصل في تونس، بالنسبة لجعيّط، فشل في غيرها من البلدان العربيّة لأن هناك استعدادا نفسياّ للتغيير بسبب الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ.

ويرى أنّ الانحرافات والاضطرابات الموجودة تتنزّل في إطار الثورة والاضطرابات التي ترافقها.

وأرجع الأوضاع في البلاد  إلى غياب استعداد المواطنين للحريّة التي لابدّ لهم من استيعابها من أجل التجاوز، باعتبار أن الوضع التونسي يختلف عن السياق المصري من خلال طبيعة التغيير المدني لتونس والعسكري الذّي هيمن على بلد النيل.

ورغم الانتقادات التي وجهّت لمبدأ التوافق في البلاد، يقول جعيّط إنّه من النجاحات التّي حقّقتها تونس كدولة صغيرة لا تتحمّل الانقسام بين طرفين والدخول في صراع كبير.

 

مثقّف ينأى بنفسه عن السياسة

لم يكن هشام جعيّط صاحب طموح سياسيّ بقدر ما حاول تنزيل أعماله الفكريّة والتاريخيّة وآرائه للاستفادة منها.

وكان أحد المثقّفين القلائل في البلاد، الذّين لم يتنازلوا عن صفة المثقّف فيهم من أجل واجهة سياسيّة سواء مع دولة الاستقلال وما بعدها أو بعد قيام الثورة.

يقول الكاتب والناقد التونسيّ الطّاهر أمين، أحد أبرز المطلعّين على أعمال جعيّط إنّ “هشام جعيّط مفكّر صعب التّصنيف لسبب بسيط كونه “قيمة في حدّ ذاته”: إنّه خبير في مجال اختصاصه التّاريخيّ، ومعبّر دقيق عن روح “الجماعة” ضمن مستوى عروبتها ومستوى إسلامها، وملتصق بـ”الحقيقة” كما يعيشها ويكتبها، و”سياسيّ” واسع الاطّلاع داخل قدرة على التّحليل العميق كلّما تعلّق الأمر بالقضايا المصيريّة الكبرى مثل  قضيّة القوميّة العربيّة”.

 

 

 

 

ويتابع في تصريح لـ”ميم”،” إنّه “سياسيّ” ولكن ضمن حرص شديد على ضرورة المحافظة على استقلاليّته الفكريّة والإبقاء على مسافة نقديّة من “السّياسة التّطبيقيّة اليوميّة”، طالما أنّه لم يكفّ عن التّشديد الدّائم على قناعته القائلة: “المثقّف الذي يدخل السّلطة لا يعود مثقّفا بل رجلا سياسيّا”.

وتابع أمين “هشام جعيّط مدهش بتبصّراته: فهو- كما أراه، وكما كتبت عنه في كتابي “خطابات الإسلام التّونسيّ” الصّادر عن دار سحر/ تونس 2016- كاهن الحقيقة، وشاعر الحلم، وفيلسوف الحدس التّنبّئيّ. في كلّ ما كتب كان يحمل بداخله أعباء التّقليد الثّقافي العربيّ- الإسلاميّ، بأسئلته وآفاقه سواء على صعيد الذّات الباحثة عن ذاتها، أو على صعيد الآخر الذي نظّل بحاجة إلى تحدّي كشوفاته المعرفيّة. وهو بهذا المعنى، من أكثر المفكّرين العرب المعاصرين وفاء للتّقليد العربيّ- الإسلاميّ وللغته الثّقافيّة، من جهة؛ وأكثرهم انفتاحا واستيعابا لنتاج الحداثة الغربيّة.

 

غياب الصّدى التونسيّ لأعماله

لم تجد أعمال جعيّط صدى كبيرا في تونس، لنقص الاهتمام بالتاريخ الإسلامي من جهة، والفقر المعرفيّ للجامعة التونسية مقارنة بباقيّ الدول العربية.ّ

 

وأكّد المؤرخ التونسيّ أنّ الصّدى الذي حظيت به كتبه في فرنسا والمشرق العربيّ أكثر من تونس، بل وذهب إلى أنّ التأثّر التونسيّ بكتبه كان نتيجة للتأثّر بالفرنسيّين، حيث لاقت أعماله شهرة واسعة.

 

 

 

 

كما انتقد الفراغ الفكريّ للسّاحة الثقافيّة التونسيّة خلال بدايات أعماله البحثيّة وما بعدها، مقارنة بالتطوّر الفكريّ خاصّة في المشرق العربيّ.


وأكّد في حوار له مع مجلّة الفيصل الثقافيّة أنّ كتبه “لم تقرأ حقّا في تونس ولم يكن لها صدى حقيقيّا، بمعنى أنّه لم يقع تحليل هذه الأفكار ولم تقع الاستفادة منها”.


يعود ذلك وفق المفكّر التونسيّ إلى تكريس المسار الجامعيّ الوظيفيّ، والاهتمام بنشأة الدّولة الوطنيّة الحديثة مقارنة بغيرها من القضايا.

ويقول الطّاهر أمين في هذا السياق، إنّ جعيّط ليس مجرّد مفكّر أو مؤرّخ أو أستاذ جامعيّ: إنّه وسط ثقافيّ بأسره. المفارقة هي أنّ هذا الوسط الثّقافيّ لم يجد سوى “أنصاف المثقّفين” (المصطلح لجعيّط)، ومرتزقة صحافة، إضافة إلى سلطة مريضة بأوهام زعامتها على امتداد ستّين سنة كاملة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد