الرئيسيثقافةغير مصنف

فيلم فاطمة للمخرج  فيليب فوكون: مكابدة سيدة مغاربية تقتات من زحام فرنسا

شهد سلامة- مجلة ميم

 

 

ليس من عادة السينما الفرنسية ان تتناول قضايا النساء المهاجرات اللواتي شاءت الظروف ان يقبعن في الظل .

فهذه السينما لم تكن معنية بهذا النمط من النساء وهن خارج دائرة اهتمامها.

فهؤلاء النساء اللواتي يمثلن ملح الارض ويكدحن من اجل ان يكون له مكان تحت السماء الفرنسية  وحياة كريمة في عاصمة كبرى يداس فيها الضعفاء.

 

 

 

 

ولكن فيلم فاطمة كسر هذه القاعدة وجعل من المهاجرات موضوعا اساسيا له هذا الفيلم عرض مؤخرا  بالمعهد الفرنسي بتونس وهو الشريط الروائي الطويل الذي حاز على جائزة  لويس دوليك  عام 2015 و جائزة سيزار الاوسكار الفرنسي  لافضل فيلم عام 2016 نظرا لقيمته الفنية ولمضمونه الجاد والجديد عن السينما الفرنسية.

فهذا الفيلم مقتبس عن روايتين للكاتبة المغربية فاطمة الايوبي وهما “صلاة الى القمر “و ” اخيرا استطيع المشي وحيدة”.

وتم انتاجه بتعاون فرنسي كندي وجسد ادوار البطولة فيه كل من ثريا زروال ووزيتا هانرو وكنزة نوعيش و شوقي عماري و فرانك اندريو .

وتدور احداث هذه الفيلم حول البطلة فاطمة وهي سيدة مغربية شاءت الظروف ان تنتقل للعيش في فرنسا  بعد زواجها لكن جرت الرياح بما لم تشتهي سفنها فكان الطلاق من زوجها، لتجد نفسها تائهة في الزحام الفرنسي  دونما سند مادي او معنوي ومجردة من كل الاسلحة التي يمكن ان تواجه بها صعوبة الحياة  حتى اللغة الفرنسية لا تتقنها. وليس هذا فحسب فهي تتحمل مسؤولية ابنتيها اللتين تعيشان في كفالتها.

 

 

 

 

وتعمل فاطمة باصرار محاولة تأمين عيش كريم لهما.

ويسلط الفيلم الضوء على حياة فاطمة التي لم تجد من سبيل لتأمين عيش الكفاف الكريم ومستلزمات دراسة ابنتيها  سوى  ان تشتغل عاملة تنظيف .

وتبدو الحياة في منتهى القسوة مع فاطمة التي تواجه تمرد ابنتها الصغرى المراهقة التي تدعى سعاد. وان تتفهم ظروف دراسة ابنتها نسرين طالبة الطب التي ترى احلامها الشاهقة فيها.

يحدث هذا فغي ظل غياب امكانية التواصل والحوار بينها وبين ابنتيها فمن المفارقات انهما لا تجيدان العربية وهي لا تتقن الفرنسية ومن هنا تبرز معالم القطيعة داخل هذه الاسرة التي تكابد ربتها من اجل ان تكسر كل الحواجز وتلتصق باهتمامات بناتها وان تلتحم بمشاعرهن تماما كما تعاني من اجل ان تندمج في مجتمع يحكم غلق ابوابه في وجوه المهاجرين مجتمع يصعب فك شفرته وتفكيكها من قبل سيدة بسيطة وفقيرة.

 

 

 

 

وبشكل شفيف تتابع كاميرا فيليب فوكون يوميات فاطمة التي توزع وقتها بين العمل كمنظفة وبين تلقي دروس في اللغة الفرنسية وفي اوقات فراغها القليلة تدوّن  في دفترها حوارات متخيلة مع بناتها محاولة ايجاد جسر وهمي للتواصل بينهما.

وفي هذا الفيلم الذي يتجاوز المباشراتية ويطرح بعمق قضية اندماج المهاجرين وتحديدا النساء المهاجرات في المجتمع الفرنسي المتعدد والمتنوع والذي يتباهى بمتانة منظومة العيش المشترك فيه.

الفيلم يعلن ايضا وان لم يتم ذلك بشكل مباشر عن عنصرية مقيتة تشق المجتمع الفرنسي وتواجه المهاجرين والتي يتطرق لها المخرج من خلال عديد المشاهد كموقف احدى السيدات من فاطمة بمجرد ان رأـ مظهرها الخارجي والثانية التي ارادت اختبار امانتها بعد ان عرفت اصولها.

 

 

 

 

ويراوح الفيلم بين حياة جيلين من المهاجرين جيل فاطمة التي تعاني وتكابد من اجل الاندماج وجيل ابنتها الذي يخيل اليه انه حقق الاندماج بمجرد تمكنه من اللغة ودراسته في فرنسا وانفتاح بعض الافاق امامه لكنه يواجه ايضا بسلوك عنصري بغيض.

ومن الهوامش المهمة التي يمكن ان نتطرق اليها في هذا الفيلم هي ان البطلة التي قدمها فيليب فوكون في دور فاطمة عاملة التنظيف وهي ثريا زروال هي في الاصل عاملة جاء بها المخرج لتقوم بهذا الدور وهي لا تتقن الفرنسية ولعل هذا الاختيار كان موفقا فقد بدت عفوية وطبيعية وهي تؤدي دورا انسانيا غاية في الاهمية.

واذا كنا في الاستهلال قد اكدنا ان السينما الفرنسية لم تعد التطرق الى مثل هذه القضايا وبالصدقية التي شاهدناها فإذا علمنا ان المخرج فيليب فوكون ولد في المغرب وعاش فترة من حياته في الجزائر ولم تكن والدته تتقن الفرنسية   في طفولته وهو بذلك يتطرق الى موضوع يلامس جانبا من حياته الشخصية. وهو من المهتمين عموما بقضايا الهجرة والمهاجرين.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد