مدوناتغير مصنف

عن الصداقة بين “هو وهي”..

مدونات

 

 

لطالما أثارت “الصداقة بين الرجل والمرأة” الجدل في المجتمعات والأوساط المختلفة؛ فالكثيرون يرونها غير ممكنة بل مستحيلة وإن وجدت فهي “علاقة أفلاطونية” وضرب من “المثالية المفرطة”، لكن مع مرور الوقت اختفت هذه التسميات نتيجة لشيوع هذا النوع من العلاقات.

 

ويتوقف الجواب بدرجة كبيرة على “مفهوم الصداقة” لدى كل شخص، هل هي مجرد تبادل الأحاديث الشخصية وتلقي الدعم بشأنها، أم هي علاقة تمازج وانخراط تام في حياة الصديق، أم مرحلة من التوافق والتقارب نظراً لظروف معينة أو حتى علاقة منفعة واستفادة متبادلة.

 

 

في أواخر القرن 18، بدأت الدعوات للصداقة بين الجنسين مع صعود الحركة النسوية، لكن المجتمع التقليدي –الذي اعتاد الفصل بين الجنسين في الجلسات العائلية؛ فالنساء ينهين إعداد الطعام ليجلسن أمام التلفاز ويتبادلن النميمة والثرثرة، فيما يجلس الرجال ليدخنوا ويتحدثوا عن السياسة والتجارة- لم يكن ليتقبلها بسهولة، خاصة وأن الغريزة الجسدية أو الجنس يظلان التصور الأقرب للحضور الذهني عندما نرى رجل وامرأة معاً.

 

وفي تسعينيات القرن 19 أصبحت تلك المطالبات أكثر قوة وظهر مصطلحي boyfriend، و girlfriend على اعتبار أن الرفقة بين الجنسين تمنح المرأة قدراً من المساواة وتجعلها في علاقة ندية أو متكافئة مع الرجل، فيما اعتبرها البعض دليلاً على تحول نظرة الرجل للمرأة على أنها “إنسان” وليس “جسد” والتعامل معها من هذا المنطلق.

 

 

بدون قدر من الصداقة لن يستطيع الرجل والمرأة التعامل على كافة الأصعدة؛ داخل الأسر، في الدراسة، في العمل، وحتى في إطار الزواج

 

 

لكن بمرور الوقت تطورت الصداقة بين الجنسين لخطوة مبدئية أو مطلب مهم لعلاقة الارتباط العاطفي، أي صداقة يعقبها حب وتوافق، وربما يتطور لزواج.

وبحثت العديد من الدراسات سلبيات وإيجابيات ما يعرف بالصداقة العادلة أي الحقيقية بين الرجل والمرأة وتوصلت إلى أن هذا النمط من العلاقات يعزز احترام الذات ويزيد المعرفة بالجنس الآخر والتفاهم والاحترام له بالتبعية، وإن لفتت إلى شيوع بعض المشكلات مثل الغيرة والتحول لحب من طرف واحد أو فشل العلاقة مع الشركاء الحميميين الفعليين بسبب الغيرة أو رفض العلاقة أو حتى المقارنة بين الشخصين.

 

بالنسبة لي كانت الصداقة مع الجنس الآخر “ملهمة” دائماً، بداية من الذكور في إطار العائلة، تدرجاً لرفاق الدراسة ومن بعدها العمل، إلى زملاء المهنة وحتى بعض المصادر المقربة التي تعاونت معها.

 

لسبب لا أفهمه كنت أميل في الغالب لمصادقة الجنس الآخر وأرى في صداقتهم قوة ودعما لا أحصل عليه من رفقة الفتيات، ربما لتوافق الاهتمامات، فأنا أحب الحديث عن العمل والمستقبل كما الرجال، بينما تفضل كثير من الفتيات الحديث عن الأمور الشخصية والاهتمامات الأنثوية، وبالطبع لا أجمل ولا أعمم.

 

أثمن ما أراه من صداقات بين الأزواج المنفصلين أيضاً وأرى بها، وإن قلت، دليلا على الوعي بأهمية هذه العلاقة النبيلة بين الجنسين، وإثباتا لضرورة وجودها بين أي شخصين من الجنسين لحدوث تفاهم.

 

وقد لا أختلف كثيراً مع من يقولون بأنه “لا توجد علاقة صداقة خالصة بين الرجل والمرأة، وغالباً ما تشوبها شبهة المنفعة أو الحب أو حتى الاستغلال”.

 

لكن السؤال المهم هنا: هل توجد حتى صداقة خالصة بين امرأتين أو رجلين؟! جميع العلاقات في عالم اليوم الذي لا يعلو فيه صوت على المادية تسير بهكذا طريقة .. نصادق من ينفعنا نفسياً أو مادياً أو اجتماعياً.. نصادق من نرتبط بهم في العمل للتخفيف من تعقيد الأمور..

 

لكن تحدث الأزمة عندما يرتبط أحد الصديقين؛ فالشريك غالباً لن يتفهم اتصال الصديق متأخراً لرواية حادثة أو مشكلة ما، أو لمجرد الاطمئنان عليه –كما هو معتاد- وفي النهاية، يكون هناك حل من اثنين لا ثالث لهما؛ أن تتحول الصداقة لعلاقة عائلية متبادلة أي الصديق وشريكته الحميمية مع الصديقة وشريكها في صداقة أسرية لا تقبل العلاقات المنفردة وتحكمها ضوابط خانقة، أو أن تنتهي تلك الصداقة وتفتر بمرور الوقت وهو عادةً الأقرب للحدوث.

 

 

لا توجد علاقة صداقة خالصة بين الرجل والمرأة، وغالباً ما تشوبها شبهة المنفعة أو الحب أو حتى الاستغلال

 

 

كثيراً ما نتداول مصطلح “Friend Zone  ” بالكثير من السخرية والاستهجان، على اعتبار أنه فشل للرجل في الوصول لقلب المرأة، لكن ماجدة الرومي ردت على ذلك قبل سنوات عندما قالت “كن صديقي ليس في الأمر انتقاص للرجولة.. كن صديقي فإن كل امرأة تحتاج إلى كف صديق..”، وأعتقد أنه أصبح هناك وعي أكبر بحاجتنا لهذا النمط من العلاقات بعيداً عن التفكير بأنها “سبب خراب البيوت وفساد الرجال وانحراف الزوجات”.

 

ويمكن القول؛ بدون قدر من الصداقة لن يستطيع الرجل والمرأة التعامل على كافة الأصعدة؛ داخل الأسر، في الدراسة، في العمل، وحتى في إطار الزواج. لكن هذا يفرض أن نكون –رجلاً أو امرأة- أكثر وعياً بمقتضيات هذه الصداقة وأكثر تمييزاً لطبيعة العلاقة والفروق بين صداقات العمل وصداقات الدراسة وغيرها، مع احترام العلاقات والارتباطات الأخرى، كالزواج أو الارتباط العاطفي.. فلكل علاقة من هذه واجبات وحقوق ينبغي عدم الإخلال بها من الطرفين وباستمرار، وإلا حدثت الأزمة وحادت العلاقة عن طريقها المرسوم.

 

أستثني من ذلك، العلاقات المبنية على الخداع، بمعنى رجل يصادق امرأة بهدف الوصول إلى جسدها، فلن تصبح هذه العلاقة حقيقية بأي مرحلة وإن تغيرت رغبة الرجل، أو فتاة تصادق رجلاً كمرحلة أولية لإقناعه بالارتباط العاطفي بها.. في مثل هذه الحالات لا يمكن اعتبار العلاقة صداقة، لأنها مبنية على خداع، والأصل في الصداقة المعرفة الخالصة وإن توالت المنافع بعدها.

 

إذا ما الذي يضمن لنا صداقة حقيقية مع شخص من الجنس الآخر؟!

 

الوضوح والصراحة أهم الأركان، المصارحة بطبيعة أهدافنا من هذه العلاقة، عدم التسرع والتأكد من صدق نوايا الآخر في الصداقة، مع اختباره بعدد من المواقف والأزمات قبل ائتمانه على أسرارنا وتفاصيل حياتنا، البحث عن صداقات طويلة مستمرة بعيداً عن الصداقات العابرة المرهقة والتي ربما تؤدي لأذى كبير، وأخيراً ينبغي الانتباه إذا تحولت الصداقة لعبء لأن ذلك مؤشر قوي لا يمكن الاستهانة بها على ضرورة الرحيل.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد