مدوناتغير مصنف

حدثُ الهجرة المحمدية…هجرة حال لا هجرة مكان

رأس السنة الهجرية

 

 

مثلت هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الحبشة حدثا تاريخيا ترتبت عنه تحولات كبرى في الجزيرة وفي العالم كله، تلك الهجرة تظل حدثا استثنائيا يستقرئه المؤرخون وعلماء الأديان والشرائع وأصحاب الأفكار والنظريات ويمكننا أن نقف على بعض معاني تلك الهجرة في نصنا هذا:

 

هجرة حال لا هجرة مكان

لم تكن تلك الهجرة مجرد خروج من مكان إلى مكان آخر إنما كانت هجرة من حال إلى حال،هجرة بيئة منغلقة متحجرة تسودها تقاليد وعادات لا يقبلها العقل ولا تخضع لمنطق وحكمة وتهيمن عليها نوازع القوة والسيطرة والغلبة المستندة إلى القبيلة والعصبية والمال.

 هجرة بيئة لم تكن تسمح بطرح فكرة جديدة وقيم جديدة ولا تقبل بإقامة علاقات بين البشر على قاعدة المساواة في القيمة الإنسانية وعلى مبدأ العدالة وعلى فضيلة الحرية،ولم تكن تسمح بمخاطبة من يظنون أنفسهم “سادة” بمفردات جديدة من مشتقات فلسفة الأخوة والتعارف والحرية.

هجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل إلى الحبشة كانت هجرة واعية بخصوصيات ذاك المكان وبروحيته لا فقط بجغرافيته ومناخه الطبيعيين ، “إنها بيئة لا يُظلم فيها أحدٌ” وإن فيها ملكا هو أقرب ما يكون إلى القيم الرسالية الجديدة قيم المساواة والحرية والعدالة وعقيدة التوحيد.

 

 

 

 الشجاعة والحكمة

كان يمكن أن يتمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة لا يغادرها ويتصدى لقريش بشجاعة يعرض عليها رسالته ويتحمل الإساءة والأذى، وكان يمكن أن يقبل بقتله فيكون شهيدا في سبيل الله.

لم تكن الشجاعة تعني اقتحام المهالك إنما الشجاعة تعني تبني المواقف الحكيمة والقرارات الدقيقة حتى وإن لم يقبل بها عموم الناس،الشجاعة ليست قرارَ ذهاب إلى التهلكة،إنما الشجاعة قرار ذهاب إلى المستقبل وإلى الحياة بما هي فعل تحرر وإبداع وتشييد للعمران البشري المتكامل المتعارف.

 

 

 

 

استعجال الشهادة هو موقف “كسول” وهو استعجال لخلاص فردي ينتهي بصاحبه إلى الخروج من معركة الرسالة في انتظار جنات الخلد التي وعد بها الله الشهداء والأتقياء والصالحين.

الوعي النبوي العميق هو الذي يجعل صاحبه يحرص على استطالة “زمن الكفاح” أو زمن الرسالة يواجه فيها الجهل والأنانية والغطرسة والغلظة والأحقاد والتكبر وكل مشتقات “الكفر” الذي هو كفر بالحياة وبالجمال وبالحرية وبالعدالة والمساواة، فالله الذي يكفر به الكافرون ليس لأنه واحدٌ ولكن لأنه لا يقبل بتكبرهم وأنانيتهم وتسلطهم وجهلهم وجهالتهم واستغلالهم للضعفاء واستعبادهم للمُعْدَمين.

 

 

 

 الرسالة، الزمن والإنسان

هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه إلى يثرب هي أيضا هجرة في الزمن وهي هجرة في الأمل وفي المستقبل إذ لا يُقدم على مثل ذاك القرار إلا من كان مسكونا بالأمل ومفعما بالشوق وواثقا من أن المستقبل سيكون مختلفا عن الحاضر ،المؤمن الرسالي يؤمن بأن حركته في الزمن إنما هي حركة إخصاب وإبداع وإنتاج للأفكار والقيم وهي حركة في العلاقات والمعاملات التي تؤسس لمستقبل أرقى وأنقى.

تلك الهجرة كانت هجرة في الإنسان متحررة من كل أشكال العنصريات والعصبيات القبلية ومن انغلاق المعتقد والتصور، فالإنسان هو مقصد الشرائع والأديان وهو المنتصر إليها وناصرها بوعيه وإرادته وحبه، النجاشي كان علامة إنسانية في ظلمة وجهالة وعصبية وتعصب وكان منارة يُتجه إليه في تيه حضاري وإنساني وروحي رهيب،الرسالة المحمدية هي رسالة الله إلى الناس وهي رسالة الناس في التاريخ وإلى المستقبل لا يحتكرها المسلمون ولا يمارسون عليها وبها وصاية على العالم إنما يهتدون بها إلى العالم ويستدعون إليها العالم يُسهم في معرفتها وفي التعريف بها استنقاذا للبشرية كل البشرية من الشقاء والضلال.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد