الرئيسيثقافةغير مصنف

تجربة سجن ستانفورد: أشهر التجارب في تاريخ علم النفس

هل يؤدي السجان والمسجون أدوارً على خشبة مسرح الحياة؟

 

 

“أخرجوني من هذا السجن إني أحترق…”، ليست تلك صرخات سجين مقموع إنما هي صرخات طالب وافق بنفسه على احتجازه في قبو جامعة أمريكية..

 

شهدت جامعة ستانفورد في شمال كالفورنيا سنة 1970 أشهر التجارب في تاريخ علم النفس وتمثلت هذه التجربة في تجهيز مكان شبيه بالسجن الحقيقي تمامًا في قبو الجامعة،لاحتجاز مجموعة من الطلبة المتطوعيين ،قصد القيام بتجربة علمية حول ما يمكن أن يحدث حين يوضع أناس جيدين في مكان سيء …هل المرفق الخارجي (المؤسسة) يفرض على الفرد اختيار قيمه؟ أم أخلاقه تمكنه من التغلب على المحيط السلبي؟

 

 

 

 

في عملية المحاكاة هذه وَقع تقسيم الطلبة بالتساوي إلى مجموعة من المسجونين ومجموعة من الحراس،وقد هزت نتائج هذه التجربة المجتمع الأمريكي،فتبين أن الأمريكي الأبيض المنتمي للطبقة الوسطى قادر على القيام بعدة سلوكات سادية إذا ماتوفرت له الفرصة ووُضع في سياق مختلف عن حياته العادية …

 

ناقش علماء في علم النفس والاجتماع هذه التجربة من زوايا نظر مختلفة منها :كيف تٌصنع السلطة ويُخلق الطغيان.. وسنحاول في هذا المقال التركيز على دور الملابس التي اختيرت للمشتركين في تقمص الشخصيات وعلى انسياق الفرد في تبني الأدوار الموجهة له،كما سنتطرق إلى سلطة المكان في التأثير على سلوك الفرد…

 

القصة

موّلت البحرية الأمريكية هذه التجربة لفهم الصراعات في منظومة السجن، ووقع تكليف الباحث في علم النفس “زيمبادرو” بالاشراف على هذه العملية، ثم تم الإعلان عن التجربة في الجرائد للحصول على مشاركين مقابل 15 دولار سعر يوم الواحد،  علما  أن هذه التجربة مدتها أسبوعان.

 

 

 

 

تقدّم للتجربة 70 شخص، وقد اختارمنهم “زيمباردو” 24 كانوا الأكثر ملاءمة من حيث الاستقرار النفسي والصحة البدنية، غالبيتهم من البيض، ذكور، ومن الطبقة الوسطى، وجميعهم طلاب في المرحلة الجامعية …

ولأن زيمبادرو رأى أن التجربة يجب أن تكون قريبة من الواقع، أمر بالقبض على مجموعة المسجونين في منازلهم بتهمة السرقة ثم اقتيدوا إلى السجن..

واتخذ زيمباردو دور آمر السجن، ثم اعطى الحراس مسؤولية السجن وإخضاع المساجين لسلطتهم وللنظام، وأتاح لهم استخدام التخويف أو حتى سلب شخصيتهم، لكن دون استخدام أي نوع من العنف الجسدي..

غيرّ الجميع ملابسهم الحراس (بزة ونظارات) والمسجونون (ملابس سجن)، وانطلقت التجربة. كان زيمبادرو رفقة  مساعديه يراقب الحراس والسجناء بكاميرا مراقبة لمدة أربعة و عشرين ساعة يوميا..

اعتقد الجميع أنها ستكون التجربة الأكثر مللًا على الإطلاق “فما الذي يمكن أن تفعله مجموعة صغيرة من الأفراد  يقبعون في زنازين منفصلة ويحرسهم أشخاص  ليس لديهم خبرة على الإطلاق مع السجون؟”

لكن ما حدث فيما بعد شكّل المفاجأة الأكبر للقائمين على التجربة ولا سيما زيمباردو.

 

 

 

 

انتهت التجربة بعد مرور أسبوع فقط من انطلاقها تحت طلب زميلة زديمبادو كرستين التي أتت لمعاينة التجربة، إذ صدمت بفضاعة مايحدث، وانتقدت زيمباردو بشكل لاذع، ملحّة على إيقاف التجربة لأنها لا تحتكم لأخلاقيات البحث العلمي.

كما أن زميباردو  أصبح غير موضوعي، فقد انخرط في التجربة وعرّض الطلاب إلى ألم نفسي كبير…

 

 الملابس وتبني الأدوار 

ارتدى الحراس بزات اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، وتم تزويدهم بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصري مع المساجين، كما حمل السّجانون في أيدهم عصي شرطة..

وكان على المساجين أن يلبسو رداءً فضفاضاً من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، وقد رجّح زيمباردو أن زيهم سيجبرهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسمانية غير مألوفة ومزعجة،كما خيطت الأرقام على ملابسهم لترمز إلى كل سجين  عوضاً عن اسمه… واعتمروا قبعات ضيقة من النايلون فبدت رؤوسهم كما لو أنها محلوقة تماماً كما رُبطت سلسلة صغيرة عند الكاحل …

 

 

 

يشير زيمباردو إلى أنه بمجرد ارتدائهم تلك الملابس، بدأ المساجين بالسير والتحدث بطريقة مختلفة فالسلسلة حول أقدامهم وسيلة للشعور الدائم ببيئة السجن، كما أنها منبه دائم على أنهم مسجنون ومضطهدون.. “حتى أثناء النوم، وعندما ترتطم السلسلة في إحدى قدمي السجين بقدمه الأخرى، سوف يُدرك أنه لن يستطيع الهرب، حتى في أحلامه.. كما أن فكرة الإشارة لهم جميعا بأرقام تسلب كل منهم فرديته وهويته…”

 

كذلك مارس الحراس منذ ارتدائهم للبزة دورهم في إخضاع السجناء لإجراءات الاعتقال الروتينية، وبدأ سلوك الاستنقاص والتنمر عندما سخروا من أعضائهم التناسلية، منذ أن قاموا بتفتيشهم عراة، وتنظيفهم من القمل ومنحهم هويات جديدة.

 

 

 

 

أحد الطلاب الذين سارعوا إلى ممارسة سلوك ازدارئي على المساجين بمجرد ارتداء كلا المجموعتين لأزيائهم، يعبر عما حدث بعد إنتهاء التجربة قائلا “نظرت إلى نفسي و استرجعت في تلك الأثناء صورة شرطي صارم قد شاهدته في أحد الافلام ثم توصلت لخلاصة أنه لا بد من أن هذه التجربة قد أقيمت لإثبات شي ما إذا كان علي أن ألعب دوري فبدأت باستفزاز المساجين”.

وعند خروج هذا الطالب من التجربة وفي مواجهة له مع أحد الطلاب المساجين، يوضح لصديقه بخجل أنه كان يؤدي دورا فقط، إلا أن زميله أخبره أن تأديته لهذا الدور قد أخرج أسوأ مافيه..

وفق علم النفس الاجتماعي، نلعب كأفراد عدة أدوار في حياتنا، ويتطلب الدور استخدام مجموعة من السلوكيات يمكن أن يتوقعها صاحب ذلك الدور، فكل دور في المجتمع ينطوي على سلوكيات محددة تنتج من اندماج التوقعات الصادرة من أفراد المجتمع لذلك الدور.

 

 

 

 

انخرط الطلاب في أدوارهم وساهمت الأزياء و المكان في تشكيل ملامح الدور. ولايختلف لعب الأدوار هذا عما نلاحظه على أرض الواقع في كثير من السجون أين يمارس السجانون سلوكات سادية على المساجين و لا تكون أفعالهم دائما بأمر فوقي من السلطة، فالشرطي نفسه ينتهج تصرفات يرى أنها محددة مسبقا ويجب عليه انتهاجها كمؤد لدور على خشبة المسرح…

يلقن الشرطي أنه يجب أن يحافظ على الأمن كما أنه يجب أن يكون رادعا وزاجرا، أما في البلدان التي لا تزال تحاول ترسيخ قيم الديمقراطية فيرتسم دور الشرطي في أنه يجب أن يكون عنيفا وغير رحيم، ونلاحظ في بلداننا العربية مدى تأثير ارتداء الزي على نفسية الشرطي، من طريقه مشيته وحديثه وحركاته الجسمانية وارسال نظراته ..

فالزي أيضا يرسم ملامح الدور، وأسوق هنا مثال تجربة مسرحية قام بها أحد المنشطين المسرحيين بولاية منزل بورقيبة حيث جعل تلاميذه يرتدون ملابس أنيقة جدا وطلب منهم المشي ذهابا و إيابا، وقد كان من بينهم فتى يرتدي ملابس بالية وبمجرد تغييره لثيابه وارتدائه لربطة العنق والجاكيت، تغير شكل ظهره المنحني فانتصب جذعه وراح يمشي بفخر،كان جليا أن ذلك غير نظرته لنفسه…

 

 

 

 

وفق قاموس اكسفورد للغة الانجليزية “لعب الأدوار هو تغيير سلوك أحد الأفراد للقيام بدور ما إما للقيام بدور اجتماعي على نحو غير مقصود أو القيام بدور محدد عن قصد”

ركّز زيمباردو على اختيار الأزياء والمكان المناسبين للتجربة ومنح الحراس مساحة من السلطة، فلعب الجميع أدوارهم جيدا.

وبانقضاء يوم واحد من التجربة كانت هناك حركات تمرد وعصيان ومعاقبات زاجرة…

ولم يكن الخروج عن الأدوار سهلا، فالسجين رقم 416 بعد أن طلب من زمباردو مغادرة السجن عدل عن رأيه عندما سمع أصدقاءه يصرخون أنه سجين سيء وواش.

و لأنه لا يريد أن يقال عنه ذلك فضل البقاء، وحينها تفطن زمباردو إلى أن عقل الطالب تشوّش من خلال سياسة لعب الأدوار، وذكره ” أنت طالب ولست سجين!”

التنسيب المكاني

زيمباردو كان مهتما أيضا بقدرة المرافق الاجتماعبة على التغلب على الأفراد، فالتجربة تختبر ردّات فعل الناس تجاه العيش في محيط ظالم وسلبي وتركّز على الظروف التي تخلقها سلطة المكان في توجيه السلوك العام للناس.

ولذلك تمّت تهيئة المكان ليُحاكي سجنًا حقيقيًا يحتوى على زنزانات صغيرة تستوعب كل واحدة منها 3 مساجين، وممر صغير اعتُبر ساحة السجن، وغرفة للحبس الانفرادي، وغرفة أكبر للحراس. واستعان زمباردو في إنشاء سجنه الخاص بمساعدة كارلو بريسكوت الذي خدم لأكثر من 17 عامًا في عدة سجون أمريكية.

 

 

 

 

سرعان ما تحول السجن إلى مكان منفر وغير صحي وصار الدخول إلى الحمامات امتيازاً، قديحرم منه السجين المعاقب، وقد أجبر الحراس بعض السجناء على تنظيف المراحيض بأيديهم، واقتادوا كل من تمرد إلى زنزانة مظلمة أعدت خصيصا للعقاب وسميت ب“زنزانة السيئين”.

يشبّه زيمباردو الناس بالتفاح والمحيط بالعلب، فإذا ما وُضع التفاح في علبة نتنة فإنه يتعفن، ومن هذا المنطلق يشير الباحث  إلى الفكرة القائلة بأن الموقف أو الظرف يحدد سلوك الناس وليست أخلاقهم أو صفاتهم وهو ما يعرف بـ“التنسيب المكاني situational attribution”. 

 

 

 

 

ولايكتفي عالم النفس زبمبادرو بفكرة التنسيب المكاني في تفسير سلوكات الأفراد السيئة، بل يطرح عوامل أخرى، منها طبيعة الفرد (التفاحة) والنظام الذي يصنع المحيط (العلبة)، إذ يقول

“النظام يخلق الظرف الذي يفسد الأفراد، والنظام هو الخلفية القانونية والسياسية والثقافية،وهنا تكمن السلطة التي يمتلكها صنّاع العلب الفاسدة،وبالتالي إذا أردت تغيير شخص ما فعليك تغيير الظرف،ولكي تغير الظرف عليك أن تعرف أين تكمن السلطة ضمن النظام”.

من خلال هذه التجربة، يمكن القول بأن بيئة السجن تمثل عاملا مهما في صنع سادية السجّانين وخوف المساجين، كما أن السلطة دون مراقبة تقود الى استغلالها بطريقة سيئة.

ونتبيّن أيضا أن الأفراد ينقادون بسهولة للأدوار المنوط بهم القيام بها، ففي التجربة باعتبارها محاكاة للوقع كان الانسحاب من لعب الادوار مستحيلا مما يضعنا أمام السؤال التالي: هل يمكن للإنسان الانسحاب من دوره عندما يهان وتداس كرامته وتكون المقاومة واجبة لفرض شروط على السلطة والنظام؟

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد