ثقافةغير مصنف

الخوارزمي مكتشف علم الجبر‎

الحضارة الإسلامية والعلوم

 

 

هو ذلك الّذي اُشتُقَّت من اسمه كلمة algorithme، أي الخوارزميّة، وهي هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، وهو صاحب كتاب الجبر والمقابلة ومكتشف قيمة الصفر، وصاحب أوّل خريطة جغرافيّة موضوعة على أسس علميّة عرفها العالم آنذاك، الخوارزمي.

 

واسمه الكامل هو أبو عبد اللّه محمّد بن موسى الخوارزمي، اُختُلِف في تاريخ ميلاده لكنّ أغلب الظنّ أنّه وُلِد بين عاميْ 780 و785 ميلادي (160/165هجري)، في مدينة خوارزم في خراسان، وانتقلت عائلته بعد ولادته بفترة قصيرة إلى بغداد.

 

بلغ الخوارزمي من العمر ما أهّله للسفر طلبًا للعلم في بيت الحكمة، كان يكتب المسائل الحسابيّة ويحلم بالأرقام، ويحوّل كلّ حركة من حركات اليوم إلى رقم.

 

بعد أن حصل على الإجازة العلميّة من بيت الحكمة في علوم الرياضيّات، عيّنه الخليفة هارون الرشيد عالمًا من بين علماء الرياضيّات في مكتبتها. وذات يومٍ، أرسل في طلب الخوارزمي ليناقشه في مسائل عدّة منها مسائل الرياضيّات. ثمّ سأله الخليفة إذا أراد أن يقبل على دراسة علوم أخرى غير علوم الرياضيّات، فأيّ علم سيفكّر في تعلّمه؟ فأجابه الخوارزمي: “الآن، أفكّر في أمر واحد، وهو كيفيّة تيسير دراسة الرياضيّات للناس كافّة، فلا خير في علمٍ لا يُطَبَّق في الحياة العمليّة بما ينفع الناس”.

 

ويُحْسَب للخوارزمي أنّه أوّل من وضع جداول رياضيّة لتعليم المبتدئين العمليّات الحسابيّة من جمعٍ وطرح وضرب وقسمة، وكانت تُسمَّى هذه الجداول الرياضيّة بالخوارزميّات.

 

صفحة من النسخة الأصليّة لكتاب المختصر في الحساب للخوارزمي

 

 

وبعد انتصار هارون الرشيد على الدولة البيزنطيّة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًّا)، عاد بآلاف الأسرى الروم إلى بغداد، وأبى أخذ فدية لإطلاق سراحهم، واشترط مقابل ذلك الحصول على المؤلّفات العلميّة والفكريّة اليونانيّة في مكتبة الامبراطور، حيث عرفت بيت الحكمة أكبر حركة ترجمة في تاريخ الحضارة العربيّة، ترجمة الكتب العلميّة والفكريّة الّتي خلّفتها الحضارات اليونانيّة والفارسيّة وغيرها.

 

ضمن هذا المشروع، كان الخوارزمي مشرفًا على ترجمة تلك الكتب إلى العربيّة، وخصوصًا كتب الرياضيّات. وما يثير الإعجاب، أنّه علّم نفسه بنفسه اللغة اليونانيّة ومفرداتها كي يستطيع إنجاز هذه المهمّة الصعبة.

 

 

مخطوطة من كتاب الجبر والمقابلة تعود للقرن الرابع عشر ميلادي

 

 

ظلّ الخوارزمي يفكّر في معارف الجبر الرياضيّة الّتي لم تزل حينها مسائل ممزّقة ومتفرّقة في التراث العلمي الرياضيّ للهنود والمصريّين واليونانيّين، وعقد العزم على جمع ما تفرّق من علوم الجبر وإعادة النظر فيها، وعكف شهورًا على الدرس والتأمّل ووضع الفروض النظريّة؛ وإذ به يقوده هذا العمل الجبّار على المدوّنات العلميّة الرياضيّة القديمة إلى ميلاد علمٍ جديد، أسماه “الجبر والمقابلة”، دوّنه في كتاب يحمل العنوان نفسه، تُرجِم أثناء عصر النهضة الأوروبيّة منذ القرن الخامس عشر إلى اللغة اللاتينيّة، فاستفاد منه علماء الغرب كثيرًا في تطوير العلوم الرياضيّة والفيزيائيّة، من خلال اطّلاعهم على المعادلات الرياضيّة الّتي ينبني عليها علم الجبر وتطويرها واستغلالها في شتّى الحقول العلميّة، خاصّة في علوم الطبيعة. فالخوارزمي كان له الفضل في عمليّة الفصل الدقيق بين الحساب والجبر.

 

 

صورة توضيحيّة للاسطرلاب

 

 

اعتكف الخوارزمي شهورًا في بيته لترجمة كتاب الحساب الهندي الّذي خلّد ذكراه بين علماء الرياضيّات في كلّ البلدان والعصور وجعل عنوانه “الحساب الهندي” اعترافًا بالحقّ لأهله، وهو عمل في غاية الأهمّية، حظي باهتمام مترجمي عصر النهضة الأوروبيّة الحديثة، ومثّل هذا الكتاب لبنة أساسيّة لنشأة اكتشافات رياضيّة علميّة جديدة خاصّة في مجال فنّ العدد، أيْ ترتيب الأرقام وتركيباتها، فلأوّل مرّة أصبح للأرقام وظيفتيْن، وظيفته كرقم ومنزلته أو موضعه في العدد ذاته، سواء كان  في الآحاد أو العشرات أو الآلاف، إضافة إلى ظهور رقم جديد وهو “الصفر”، بعد أن كان يُعبَّر عنه في الحضارة الهنديّة بمسافة فارغة بين رقميْن، لكنّه أصبح مع الخوارزمي رقما مدوّنًا كبقيّة الأرقام.

 

 

صفحة من كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة (نظام الترقيم)

 

 

ومن تراث الحضارة الهنديّة، ترجم الخوارزمي أيضًا “كتاب السند هند” ولخّصه وبسّطه لعامّة القرّاء، وهو موسوعة فلكيّة عُرفت في الحضارة العربيّة باسم “زيج الخوارزمي”، وهذا الكتاب هو عبارة عن جداول فيها معلومات معلومات فلكيّة عن حركات الكواكب ومواقعها وتتبّع ما يتغيّر من أحوالها مع مرور الزمن، فكان يُعتَبر مرجعًا بالغ الأهمّية لكلّ علماء الفلك الّذين جاؤوا من بعده، بما فيهم علماء الفلك الأوروبيّين بعد ترجمة هذا الكتاب مرّات عديدة في عصر النهضة الأوروبيّة.

 

تمثال للخوارزمي وهو يمسك بآلة الأسطرلاب، في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا في طهران

 

 

في علم الجغرافيا ورسم الخرائط، صحّح الخوارزمي أبحاث العالم الإغريقي بطليموس معتمدًا على أبحاثه الخاصّة، كما أنّه أشرف على عمل مجموعة من الجغرافيّين لإنجاز أوّل خريطة للعالم المعروف آنذاك، وقام بوضع كتاب “الربع المعمور” أو “صورة الأرض”.

 

 

مثال للخوارزمي بمدينة خيوة بأوزباكستان

 

 

اهتمّ علماء بيت الحكمة آنذاك بالبحث في مجالات علميّة كثيرة، أهمّها العلوم الرياضيّة والعلوم الفلكيّة والجغرافيا الّتي كانت تحتاجها الحضارة العربيّة الإسلاميّة آنذاك للتوسّع الحيوي لدولة الخلافة عبر الفتوحات الإسلاميّة خاصّة في دول آسيا، وكان الفلكي أو الجغرافي هو من يحدّد الطرق والمسالك الّتي تسير فيها الجيوش إلى وجهتها. والخوارزمي هو من أوائل الّذين قسّموا العالم المأهول جغرافيًّا إلى أقاليم، واشتهر في ذلك الوقت ما يُسمّى بالأقاليم السبعة، وذلك عبر آلات قياس عديدة منها الاسطرلاب والساعة الشمسيّة. وهو ما دعا الخليفة المأمون لأن يضعه على رأس مجموعة من العلماء، كلّفها بقياس محيط الأرض، وهو ما يوحي باعتراف العلماء حينها بكرويّة الأرض.

 

لقد كان الخورازمي من العلماء الأوائل في الحضارة العربيّة الإسلاميّة الّذي عبّد الطريق أمام جيل مميّز من علماء العصر العبّاسي وما بعده، من خلال مساهمته الجليلة في ترجمة الإرث العلمي اليوناني والهندي، وشرحه وتفسيره ونقده. وفي علم الرياضيّات، فتح الخوارزمي بابًا واسعًا للإنسانيّة ساعدها في تطوير العلوم الرياضيّة والطبيعيّة ليصل العلم إلى ما عليه الآن من تقدّم وازدهار.

 

الوسوم

اترك رد