مجتمع

ما حقيقة إصابة 52 مريضا بإلتهاب الكبد الفيروسي في مصحة خاصة بقفصة؟

تحقيق: "المرضى بالقصور الكلوى الأكثر عرضة للإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي صنف "ج""

 

 52 مريضا بالقصور الكلوي يصابون بإلتهاب الكبد الفيروسي، في محافظة قفصة في الجنوب الغربي التونسي، بسبب العدوى من معدات تصفية الدم غير النظيفة بالمصحة.

 

صالح صميدة، كهل من محافظة قفصة، يعاني من مرض القصور الكلوي منذ سنوات، هو من بين المرضى ال52 الذين اكتشفوا مؤخرا أنهم مصابون بمرض التهاب الكبد الفيروسي، في  مركز خاص بحي سيدي أحمد زروق المختص في تصفية الدم لمرضى القصور الكلوي، الذي يُعالجُ فيها بسبب “الإهمال الطبي” و التلاعب بصحة المرضى.

جوان 2017: إصابة 32 شخصا بمرض التهاب الكبد الفيروسي

بدأ الحديث عن اصابة قرابة 32 مريض بالقصور الكلوي في مركز خاص بسيدي أحمد زروق في ولاية قفصة، بمرض التهاب الكبد الفيروسي في شهر جوان 2017، بسبب العدوى من معدات تصفية الدم غير المعقمة بالمصحة.

 

صالح حميدة: أحد المرضى بالتهاب الكبد الفيروسي

 

 اكتشف صالح صميد أنه ضمن قائمة المرضى الذين أصيبوا بالتهاب الكبد الفيروسي،والتي ؤتضم 52 من ضمن 80 شخصا يتلقون العلاج في المصحة المذكورة.

ويروي صميدة في تصريح لمجلة “ميم” إن المستشفى الجهوي بقفصة وجهه إلى المصحة الخاصة للقيام بعمليات تصفية الدم بعد اصابته بالقصور الكلوي، مشيرا إلى أنه لاحظ منذ البداية عدم توفر شروط النظافة في المصحة وعدم  قيام الإطار الطبي بتعقيم معدات تصفية الدم، وتراكم الأوساخ في غرف المصحة وفق تعبيره.

ويؤكد صميدة أن الاطار الطبي وصاحب المصحة لا يحترمون كراس الشروط التي تضبطها وزارة الصحة وتفرضها على المستشفيات الخاصة والعمومية سواء في تنظيف المعدات أو المصحة، وأن العاملين  لا يمتلكون الخبرة الكافية في تقديم العلاج للمرضى وهو ما تسبب في تعكر صحة البعض منهم.

 “في شهر جوان 2017 اكتشفنا وجود حالات من المرضى أصيبوا بالتهاب الكبد الفيروسي المعروف باسم “بوصفير” وهي إصابات من الدرجة الخطيرة  HÉPATITE C بسبب عدم اتخاذ إجراءات تتعلق بنظافة المصحة وتعقيم المعدات وتوفير الأدوية الضرورية للمرضى الذين هم بالأساس من كبار السن رجال ونساء”.

 

 

 

ويشير صميدة إلى أن “من بين الاخلالات الأخرى التي ساهمت في انتشار مرض التهاب الفيروس الكبدي بالمصحة استقبال مرضى جدد بالمصحة دون اخضاعهم لفحوصات شاملة تكشف حالتهم الصحية والأمراض التي يعانون منها قبل تصفية الدم، بالاضافة إلى عدم تعقيم معدات التصفية وهو ما نتج عنه العدوى من معدات تصفية الدم الغير نظيفة”

وقام صاحب المستشفى بتحاليل طبية للمرضى ليتبين إصابة 32 شخصا بمرض التهاب الكبد الفيروسي “ج” جراء العدوى من معدات تصفية الدم غير النظيفة، في شهر جوان 2017، وهو ما خلف موجة من التحركات الاحتجاجية في صفوف المرضى وعائلاتهم الذين طالبوا بفتح تحقيق في الغرض، خاصة وأن صاحب المصحة كان يستفيد من عائدات مالية ضخمة بفضل تقديمه علاجا لحوالي 80 مريضا بالقصور الكلوي آن ذاك، وفق صالح صميدة.

” طرقتُ جميع الأبواب لكنها أوصدت في وجهي”

وأضاف صميدة: “راسلت في ذلك الوقت عدة إدارات وتوجهت للسلط المعنية بمراسلات كتابية ومطالبتهم بالتدخل العاجل من أجل إنقاذ بقية المرضى من الخطر المحقق، إلا أنني لم ألق آذانا صاغية وتم إغلاق الملف في ظل تواصل معاناة المرضى في ذلك الوقت”.

في غرة جوان 2017، توجه صميدة المكلف بملف مرضى القصور الكلوي بمراسلة كتابية إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ليعلمها بالتجاوزات الخطيرة التي يرتكبها صاحب المؤسسة الصحية المذكورة في حق المرضى، وتواصل الاهمال الطبي بالمصحة وعدم تعقيم المعدات.

 

مراسلة لهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

 

وشدد صميدة في مراسلته التي “كان مصيرها سلة المهملات” على أن المعدات المستعملة في تصفية الدم غير مطابقة للمواصفات، وأن الإطار شبه الطبي غير مؤهل للعمل بسبب عدم تلقيه تكوينا جادا يتماشى وخصوصية التعامل مع مرض القصور الكلوي، خاصة وأن الكثير من المرضى يستعملون آلات دقيقة وباهظة الثمن في أجسادهم، مما يتطلب الكثير من الحذر والدقة في التعامل معها.

كما توجه بعدة مراسلات أخرى في جوان 2017،  إلى كل من وزارة الصحة ووالي قفصة ووزارة الشؤون الاجتماعية. إلا أن هذه السلطات لم تأخذ مطلبه بعين الاعتبار، رغم كارثية الوضع وخطورته، ما عدا بعض التدخلات البسيطة والتوصيات التي تقدمت بها وزارة الصح لصاحب المصحة بضرورة المحافظة على نظافة المعدات وتعقيمها واتخاذ إجراءات وقائية وإصلاح النقائص والثغرات واتخاذ الاحتياطات اللازمة في معالجة مرضى القصور الكلوي.

 

مراسلات

 

ومن بينالخطوات التي اتخذتها المجموعة المتضررة تقديم شكاية عدلية في الغرض تم على إثرها فتح تحقيق قضائي، دون الوصول إلى حل جذري وبقاء الحال على ماهي عليه، وتواصل معالجة المرضى الثمانين بين المصابين بالتهاب الكبد الفيروسي “ج” دون اتخاذ إجراءات لحماية المرضى المتبقين من امكانية انتقال العدوى إليهم.

 

 

حادثة شبيهة: “أصبت بالتهاب الكبد الفيروسي”

 عادت الحادثة لتطفو من جديد على الساحة ولكن هذه المرة كان عدد الضحايا أكثر من سابقتها، حيث أصيب 52 من بين 80 مريضا يتلقون العلاج في المصحة الخاصة بتصفية الدم في محافظة قفصة.

يقول صالح صميدة: “رغم تسويفنا من قبل السلطات المعنية بسبب الحصانة التي يتمتع بها صاحب المصحة الخاصة وتسوية وضعيته على حساب حياة المرضى بفضل معارفه، ورغم قضية الفساد التي بات يعرفها القاصي والداني، إلا أن السلطات المعنية لم تتحرك واقتصرت على توجيه جملة من التوصيات المتعلقة بتعقيم المعدات والحفاظ على نظافة المشفى”.

وتابع المتحدث باسم المجموعة: “لم يُثننا تراخي السلط المعنية عن الدفاع عن قضيتنا. واصلت مراسلة كل الأطراف المعنية، وفي 28 مارس 2018 توجهت بمراسلة لوالي قفصة أعلمه فيها بتواصل الاخلالات في المصحة المذكورة رغم التوصيات المقدمة لها وأن الأوضاع ازدادت سوءا خاصة بعد استعمال نفس المعدات في تصفية الدم للمرضى المصابين بالتهاب الكبد الفيروسي والمرضى الغير مصابين بهذا المرض كما أن عاملات النظافة يقمن بغسل الأغطية وأغلفة الحشايا التي يستعملها المرضى الحاملون للفيروس مع أغراض المرضى الأصحاء”.  

 

 

وأشار صميدة -في حديث له مع مجلة ميم” إلى أنه: “بعد إصرار المرضى على معرفة نتائج التحاليل التي قمنا بها مؤخرا، اكتشفنا في شهر أوت الفارط، أن عدد المصابين بمرض التهاب الكبد الفيروسي تضاعف ووصل إلى 52 مصابا، وأنا من بينهم. تعكرت حالتي الصحية بما أني بت حاملا لمرضين: القصور الكلوي الذي قصدت المصحة للتداوي منه والتهاب الكبد الفيروسي الذي نقلته إلي”.

 

 

 

 

صدمة … فمحاولة انتحار

بعد تضاعف عدد المصابين بمرض التهاب الكبد الفيروسي وارتفاعه من 32 إلى 52 بزيادة 20 مصابا، شهدت المصحة احتجاجات عارمة من المرضى المصابين بالتهاب الكبد الفيروسي، واهاليهم، الغاضبين من تواصل الإهمال الطبي بالمصحة التي لا زالت تجني أموالا طائلة من علاج مرضى القصور الكلوي.

وقد باشرت التفقدية العامة في وزارة الصحة العمومية تحقيقا في الموضوع للوقوف على خلفيات الحادثة وتحديد المسؤوليات.

إصابة 52 مريضا بالالتهاب الفيروسي رغم الإجراءات المشددة

من جهته، أكد جمال شاكر صاحب مصحة تصفية الدم بولاية قفصة “ليناديال”، في تصريح خاص لمجلة “ميم” أن المصحة سجلت في الآونة الأخيرة إصابة 52 من روادها ببوصفير صنف “ج”، رغم الإجراءات الزجرية التي اتُخذت للحيلولة دون تزايد عدد الإصابات بهذا المرض.

 

 

د. جمال شاكر: صاحب مصحة “ليناديال” بقفصة

 

 

وأضاف د. شاكر أن ادارة المصحة قامت بإعلام وزارة الصحة فور علمها باصابة 32 مريضا في مرحلة أولى (في جوان 2017)، ثم سرعان ما تضاعف العدد ليصل إلى 52 في مرحلة ثانية (أوت 2018).

وتحولت إثرها لجنة من التفقدية العامة التابعة للوزارة المذكورة لمعاينة الوضع، وأكد أعضاؤها أن ادارة المصحة تتبع كراس الشروط من حيث نظافة المكان وتعقيم المعدات.

 

تقرير وزارة الصحة

 

 

وقال : “قمنا بفصل المرضى المصابين بالفيروس عن المرضى غير الحاملين له كاجراءات وقائية لتجنب انتقال العدوى  للذين كشفت التحاليل الأولية أنهم غير مصابين بالتهاب الكبد الفيروسي، بالاضافة إلى تعقيم المعدات وغيرها من الإجراءات الوقائية”.

 

 

 

وتابع: “رغم هذه الإجراءات، اكتشفنا أن عدد المصابين ارتفع باعتبار أن الاصابة بعدوى التهاب الكبد الفيروسي “ج” أمر شائع في جميع مراكز تصفية الدم بكافة أنحاء الجمهورية، وذلك لا يُعد حالة شاذة”.

وشدد صاحب مصحة تصفية الدم على أن وزارة الصحة أكدت في تقرير دقيق أن المشفى طبق كافة المعايير القانونية والفنية  للحيلولة دون تفشي المرض وحماية المرضى من امكانية العدوى بالفيروس.

وأضاف أن المصابين بالقصور الكلوي من بين أكثر المرضىالمهددين بالإصابة بمرض البوصفير، فقد أثبتت الدراسات الأخيرة أن ما بين 39% و46% من الاصابات بمرض بوصفير تتركز عند المصابين بالقصور الكلوي، باعتبارهم يقومون بتصفية الدم بصفة متكررة وهو ما يجعل نسبة اصابتهم بالفيروس مرتفعة جدا.

 

 

ويُعتبر التهاب الكبد الفيروسي من أكثر الأمراض انتشارا في ولايات قفصة والقصرين، وينتقل من شخص إلى آخر عبر طريقتين: الجنس ونقل الدم، لذا يعد مرضى القصور الكلويمن أكثر الأشخاص عرضة للاصابة بالتهاب الكبد الفيروسي صنف “ج”.

 

 

وختم د. جمال  بأن وزارة الصحة تعهدت بتوفير الأدوية للمصابين الـ52 خلال الأسابيع القليلة القادمة، مشددا على أن المرض قابل للعلاج ولا يهدد حياة المرضى.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد