مدوناتسياسة

المعركة ضد الشّاهد: ظاهرها مطالب إجتماعية وجوهرها حسابات سياسة

مدونات

 

تواصل مؤشرات الانهيار الاقتصادي الكبير بالظهور في شاشة المراقبة لدى المحللين والخبراء الاقتصاديين، آخرها الانخفاض الحاد لمخزون العملة الصعبة الذي لا يتجاوز احتياطي 60 يوما، لأول مرة في تاريخ تونس.

أما على الجانب الآخر، فتتواصل الصراعات السياسية، لتحتل صدارة المشهد، وتقسّم الأطراف الفاعلة  إلى معسكرات متضادّة، في معركة كسر عظم  بين من يريد الاستحواذ على السلطة والقرار من جانب، وبين من يسعى لتثبيت أقدامه في السباق الانتخابي المقبل، عبر إثارة قضايا جانبية تشغل الرأي العام عن الهوة الاقتصادية والاجتماعية التي تقف البلاد على شفيرها.

 

تشغل الازمة السياسية الأخيرة الحيز الأكبر من الاهتمام والمتابعة لكونها تضع على المحك ثامن حكومة عرفتها تونس منذ الثورة أمام باب الخروج نهائيا من السلطة. هذا المسار الذي وصل إليه الموقعون على وثيقة قرطاج عكس هشاشة التوافقات المبرمة، وكشف عن النوايا الحقيقية للأطراف السياسية والاجتماعية.

أزمة سياسية وقودها الاقتصاد

بدأت الأزمة بخلاف بين حزب نداء تونس ورئيس الحكومة يوسف الشاهد حول طرق تسيير الدولة، فقد رفض الشاهد-الذي زكاه نداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل في بداياته ودعمه- أن يطبق “التعليمات” بحذافيرها، وأصر على ان تكون له “لمسته” الخاصة في إدارة الملفات خاصة ملف الفساد.

هذا “التمرد” دفع الشاهد ثمنه بأن تخلى عنه شق من حزبه، تابع لمديره التنفيذي ونجل الرئيس حافظ قايد السبسي، الذي أعلن عليه حربا خاضها بلا هوادة، مستعينا بالاتحاد العام التونسي للشغل الذي نزل بكامل ثقله في الصراع مستخدما ماكينة الاحتجاجات الاجتماعية” لإجبار رئيس الحكومة على التنحي من منصبه.

وبلغ الأمر بالمنظمة الشغيلة أن تلوح بورقة الإضراب العام إذا لم ترضخ الحكومة لمطلب الإستقالة، معللة معركتها السياسة  بشعارات إجتماعية كالحد من البطالة وتحقيق مطالب قطاعية.

 

 

والحال أن المشاكل التي يعيب الإتحاد على الحكومة عجزها عن حلها عميقة تمتدت جذورها لحكومات سابقة، لم تكن أفضل أداء،  في ظل أزمات اقتصادية خانقة يتطلب حلها إصلاحات هيكلية يستوجب إجراؤها استقرارا سياسيا يهتز يوما بعد يوم مع طبول الحرب التي تقرع.

يزعم الاتحاد أن التلويح بالمنديل الأحمر، أو الإضراب العام،  الخط الدفاعي الأخير أمام التراجع السريع للاقتصاد، مؤكدا بأن تغيير الحكومة جذريا سيضمن الخروج من الحلول “الترقيعية” نحو معالجة جدية للملفات الساخنة.

لكن الإتحاد لا يطرح للعموم أي برنامج واضح لما بعد الشاهد او تصورات اقتصادية تخرج عن المربع الذي تدور فيه تونس منذ الثورة، رغم التغيير المستمر للحكومات.

يحاول الاتحاد، ومن ورائه حزب نداء تونس، إقصاء رئيس الحكومة الحالي من الدائرة السياسية، للحد من شعبيته، في استباق لعمل انتخابي لسنة 2019، بينما يستعمل رئيس الحكومة بدوره، نفس الأدوات، للرد على خصومه.

فيوسف الشاهد، يؤكد أن رفضه تمرير مقترحات ومطالب النقابات ليس تعنتا انما مراعاة للوضع الاقتصادي في البلاد، وأعلن أكثر من مرة أن الحكومة ماضية في تطبيق مشروعها الإصلاحي والتنموي دون انتظار موافقة من أحد، ويصر الشاهد على استعمال صلاحياته كاملة، كما يرفض الخضوع للضغط السياسي والنقابي الذي يمارسه حزب نداء تونس والاتحاد.

 

مؤشرات اقتصادية سيئة

رغم ذلك، لا تحظى اختيارات الشاهد الاقتصادية القائمة على الاقتراض الخارجي أساسا والتقشف الداخلي بالـاييد الشعبي في ظل غياب نتائج ملموسة للإصلاحات المعلنة، وظهور مؤشرات اقتصادية كارثية مثل التراجع الحاد لمخزون العملة الصعبة الذي لا يغطي حاليا سوى 60 يوما، حسب آخر تصريحات البنك المركزي التونسي.

واجه الاقتصاد التونسي المنهك سنة صعبة ارتفعت فيها نسبة التضخم المالي بسبب تراجع قيمة الدينار التونسي أمام العملة الصعبة، وارتفاع تكلفة توريد المواد الأولية، وتفاقم عجز الميزات التجاري وتراجعت قيمة الصادرات والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الاستهلاكية والوقود الذي شهد 4 زيادات في السعر سنة 2018 في انتظار الزيادة الخامسة.

هذه المؤشرات سببت ضغطا على حكومة الشاهد كونها كانت نتيجة خياره الالتزام بتعليمات صندوق النقد الدولي لضمان الحصول على القرض، وزاد الوضع تأزما تعطل المفاوضات الاجتماعية وتدهور المقدرة الشرائية التي جعلت المواطن في حالة غضب دائم من الوضع الذي لا يستجيب لتطلعاته او احتياجاته.

في ظل إصرار كل الأطراف الفاعلة على الساحة اليوم على مواقفها، لا يبدو أن الصراع المستعر بينها سيهدأ قريبا والأرجح أننا مقبلون على سنة سياسية بالغة السخونة، خاصة مع سعي خصوم الشاهد لنقل المعركة من أروقة المقرات إلى الشارع، بحجة التخفيف من معاناة المواطن وأزمات الإقتصاد، وهم لا يزيدونها إلا تعميقا وتعقيدا..

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد