دين وحياة

الأمير عبد القادر: أبو الثورة الجزائرية

 

لا يغفل التاريخ عن شخصيات كان لها صدى كبيرا في عهود مضت، على غرار الأمير عبد القادر الجزائري، الذي تختلف المراجع حول تاريخ ميلاده، فبينما ذكر بعضها أنه ولد في 6 سبتمبر/ أيلول 1808، اعتبرت مراجع أخرى أنه ولد في 15 سبتمبر/ أيلول 1807.

ولكن أي إن كان التاريخ الصحيح، فقد اتفقت جميعها على أنه كان من عظماء عصره،

حيث اتصف  بالأدب والعلم والفقه والفلسفة، وحتى الشعر، كما عرف أيضا بالشجاعة والبسالة في مقاومة المستعمر الفرنسي للجزائر.

غزارة العلم منذ الطفولة

نشأ الأمير عبد القادر، الذي ينسب إلى الأدارسة بالمغرب الأقصى، في بيت علم ومعرفة، فقد عمل والده الشيخ محيي الدين الحسني، على حسن إنشاءه وتربيته وتعليمه، فتعلم وتأدب وحفظ القرآن الكريم والفقه وأصول الشريعة وهو في سن صغير، لم يتجاوز ال12 عام.

أرسله والده إلى مدينة وهران لمزيد نهل العلم، أين قضى سنتين في التتلمذ على يد أشهر علمائها،  فأخذ أصول الفقه على يد الشيخ أحمد بن الخوجة، كما تلقى العلوم الحديثة والصحيحة، من رياضيات وفلك وجغرافيا، وفلسفة على يد الشيخ أحمد بن الطاهر البطيوي قاضي أرزيو.

 

 

بالإضافة إلى تحصيل العلم والمعرفة، شغف الأمير عبد القادر، بالفروسية وبركوب الخيل وفنون القتال. 

 

 

 

 

وتروي المراجع التاريخية، أنه كان عابدا لله إلى درجة تصوف و عالما بالدين، لكنه في الآن ذاته عرف بعشقه لنظم الشعر، وما تزال أشهر قصائده محفوظة إلى اليوم، فكتب عن الفخر والفروسية، كما كتب في شعر الغزل قائلا :

“ألا قل للتي سلبت فؤادي    وأبقتني أهيم بكل واد”

“تركت الصب ملتهباً حشاه   حليف شجى يذوب بكل ناد”

 

كما كتب قصيدة أخرى طويلة متغزلا بزوجته، التي فارقها بسبب الخروج لمقاومة المستعمر الفرنسي، قائلا:

 

“ألا هل يجود الدهر بعد فـراق… فيجمعنا و الدهر يجري إلى الضد”

“و أشكو ما قد نلت من ألم …و متحمله ضعفي و عالجـه جهـدي”

“لكي تعلمي أم البـنـين بـأنه … فراقك نار و اقترابـك من خلـد”

 

 

الإمارة وبداية المقاومة

لم تمض مدة طويلة على عودته من رحلة الحج، رفقة والده، حتى  بدأت الأوضاع تسوء في الجزائر، وبدأ الزحف الفرنسي لاحتلالها وسرقة الأرض من شعبها، إلى أن وقع الاحتلال الفعلي في سنة 1830، مما اضطر الداي حسين إلى تسليم البلدة، غير أن الأهالي قرروا الدفاع عن أرضهم، وذلك بقيادة محيي الدين  الحسيني وولده عبد القادر.

لكن الوالد سرعان ما اعتذر عن قيادة المقاومة الشعبية، بذريعة كبر سنه  واختير ولده عوضا عنه، وكان ذلك في سنة 1833، ولقب من حينها بالأمير.

 

 

 

 

ومنذ تعيينه أميرا على بلدته، قام الأمير عبد القادر، بتشكيل حكومته ووضع أسس الدولة الجزائرية الحديثة، كما جمع المتطوعين وكون جيشا قويا وحقق نجاحات أرغمت قائد الجيش الفرنسي في وهران “دي ميشال” على عقد اتفاق هدنة معه في 26 فبراير/شباط 1834، ينص على سلطته على منطقة الغرب الجزائري ومنطقة الشلف، لكن الاستعمار لم يلتزم ببنود المعاهدة وقام بخرقها عدة مرات.

 

 

 

 

وخاض قرابة 40 معركة ضد المستعمر الفرنسي، من أهمها، معركة المقطع”، والتي دارت في  18 جوان/ يونيو 1833، ومعركة “مستغانم” ، والتي جرت في 27 جويلية/ يوليو 1833 ومعركة “التافنة” في 25 جانفي/ كانون الثاني 1836، إلى حين معركة  “وادي مرسي”، والتي دارت في 26 سبتمبر/ أيلول 1845 في منطقة جبال عمور.

 

 

مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة

لم يكتف الأمير عبد القادر الجزائري بمحاربة المستعمر الفرنسي، بل سعى أيضا إلى تقوية سلطته، فعمل على العناية بالجيش وتقويته، فقسمه إلى مشاة وفرسان ومدفعية، واستعان لتدريبه وتعليمه بضباط من الجيش التونسي والجند العثماني، كما سن له نظاماً يتعلق بمأكله وملبسه ورواتبه، ومدة التعليم وشروط الترقي.

وإلى جانب الجيش اهتم الأمير عبد القادر بشؤون الزراعة والتجارة والتعليم، وأنشأ المخازن لغاية ادخار الحبوب.

 

 

 

 

ولكن سرعان ماعاد  الصراع والكر والفر مع الجيش الفرنسي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1839 واستمرت الحرب أربع سنوات من دون انقطاع، وهو ما ساهم في سقوط حكمه وضعفه، إلى أن ألقي عليه القبض بعد سنوات من المقاومة وظل أسيرا إلى حين سنة 1852.

 

 

 

 

الرحلة إلى دمشق

توجه الأمير عبد القادر الجزائري سنة 1855 إلى دمشق، فاستقبله أهلها بالحفاوة والإجلال، حيث درَّس في المسجد الأموي وقبل ذلك في المدرسة الأشرفية وفي المدرسة الحقيقية.

و في عام 1860، يوم زحفت جموع الدروز ببنادقهم وسيوفهم على منازل النصارى لإبادتهم، وقف الأمير حائلاً، وأنقذ عدداً وافراً من النصارى، وجعل داره ملاذاً لهم، بمشاركه في هذه المرة كثير من أعيان دمشق، واحتضن منزله أكثر من 15 ألف مسيحي خلال تلك الفتنة التي حدثت بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما استحق عليه ثناء الجميع، وجاءته الأوسمة وعبارات الشكر من فرنسا وأكثر الدول الأوروبية.

 

 

 

 

بعد ذلك قضى الأمير عبد القادر ما تبقى من حياته في مباحثة العلماء، وإسداء الخيرات، والاشتغال بالذكر والعبادة والتصوف، كما انكب على الكتابة، ومن أشهر كتبه كتاب  “المواقف” وكتاب “ذكرى الغافل وتنبيه الجاهل” في الحكمة والشريعة، إلى أن توفي في 26 مايو/ أيار 1883، ودفن في مقام الشيخ محيي الدين بن عربي في الصالحية في دمشق، ليتم نقله رفاته بعد استقلال الجزائر ليدفن تحت ترابها.

 

لكن الأمير الجزائري، الذي قاوم الإستعمار ببسالة وقوة يشهد له التاريخ بهما، لم يسلم من محاولة التشويه، من الغرب، حيث اتهم بتعاونه مع المنظمات الماسونية، وانتسب إلى محافلهم، وهو ما روجه الكولونيل الفرنسي “وليام تشرشل” صاحب كتاب “حياة عبد القادر”، والتي تم نقلها من مفكرين عرب دون تدقيق، والذين اتهموه أيضا بالعمالة لفرنسا ونزعوا عنه صفة البطولة.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد