الرئيسيثقافةغير مصنف

رواية الياطر لحنا مينة: عندما تروّض المرأة أعتى الرجال

شهد سلامة- مجلة ميم

 

بين الكاتب السوري الذي رحل مؤخرا والبحر حكاية لم تكف  عشرات الروايات لسبر كل اغوارها.

بين هذا الرجل والبحر قصة عشق صاغها في مدونة سردية ثرية بالتفاصيل والانسانيات.

ومن بين الروايات التي جادت بها قريحة حنا مينة تستوقفنا ” الياطر” كواحدة من اجمل النصوص الروائية التي يحفل بها الادب العربي المعاصر.

 

ففي هذه الرواية تتقاطع عوالم كثيرة يخيل للقارىء لأول وهلة أنه لا رابط بينها. كما اراد الكاتب ان يجمع بين سطور الياطر مرجعيات مختلفة تتواءم حينا وتتنافر احيانا ولكنها حيكت بأنامل ماهرة جعلت منها نسيجا متناسقا.

 

 

الياطر رواية الأزرق الكبير الذي يختزل العالم بين امواجه فيصبح هو الجوهر وهو البداية والمنتهى كما اراد له السارد حنا مينة.

تبدأ الاحداث من زكرياء المرسنلي ذاك الصياد الذي لفظه بحر اللاذقية  او هو الذي فر منه ومن المدينة بأكملها باحثا عن الامان في مكان لا يعرفه فيه احد بعد ان ارتكب جريمة قتل.

فما كان من  هذا بحار الللاذقاني  الا ان فر الى مكان نائي على الحدود السورية التركية حيث يلتقي البحر بالغابة والسهل في تناغم ابدع الكاتب الراحل في وصفه.

وفي ذلك المكان يجد زكرياء نفسه وحيدا يناجي البحر الذي يمنحه الغذاء والامان والسكينة فهي يناجيه ويتحدث اليه وهو الوحيد الذي يعرف سره الكبير. ويقتات من سمكه ما يسد الرمق ويجعله يواصل حياته.

 

 

وكما يحدث في الملاحم الكبرى تنقلب حياة البحار الهارب رأسا على عقب عندما تظهر إمراة في حياته :

” هي معي … بقربي … استطيع في هذه اللحظة ان ادخل الخيمة معها وننام ولكن هذا يحدث غدا في النهار، أما الجلوس في ضوء القمر وسهرة مع انسان مع امراة وحبيبة بعد طول ليالي الوحدة فإنه لا يعوض ربما يقبض علي في الليلة القادمة وربما اقتل وقد لا تاتي هي وقد نفترق فلا نلتقي من يقرا الغيب “.

كانت هذه هواجس زكرياء وهو يلتقي شكيبة الراعية التي ستغير حياته بل ستصبح صلته بل العالم واكثر من ذلك ستصبح كل عالمه.

بهية وفاتنة هكذا تراها عيني زكرياء منذ البدء وهو يسقط منذ اللحظات الاولى اسير حضورها الطاغي وسطوتها الانثوية عليه .

ويتجاوز السارد في وصف علاقفة زكرياء بشكيبة من اللذة الجنسية الحسية والانبهار بمعالم الفتنة والجمال الى الى النظرة الايجابية للمرأة باعتبارها تختزل مجموعة من القيم كالرفعة والاباء وقوة الشخصية والقدرة على مساعدة الاخرين خاصة عندما يلمس من هذه المرأة روح المحبة والدعم .

فهذه الراعية التركمانية اوت زكرياء عندما كان في ذروة الشعور بالوحدة وجعلت من الغابة الشاسعة التي انعزل فيها مكانا جميلا ومفعما بدفء المشاعر.

 

 

وهذا ما احدث رجة في اسلوب تفكير زكرياء الذي كان ماجنا وانانيا وفردانيا قبل ان يلتقي بفتاة الغابة ويتحول الى كائن جديد:

“كنت محتاجا إلى صداقتها وثقتها واستمرار مجيئها إليّ. ولعلها الأولى, في حياتي, التي تحظى باعتبار الإنسانة مني, وتنتزع المودة من ضعفي, من شعوري بأني مدين لها بوجودها قربي, وبالخبز الذي حملته إليّ, وبالعاطفة التي ذوبتها دبساً وماءً في القرعة التي بيدي “.

ويمضي هذا البحار التائه الفار من خطاياه السابقة الى الاعتراف بفشله في الماضي سواء عاطفيا من خلال علاقته الباهتة مع زوجته صالحة التي لم يذق خلالها طعم الحب او من خلال سلوكه الفردي الذي انبنى على العنف والمجون والاستهتار والانانية.

ومن خلال الدور الايجابي الذي لعبته شكيبة في حياة زكرياء تبرز النظرة الايجابية لحنا مينة للمرأة ولقدرتها على ترويض اعتى الرجال.

ولقد لعبت المرأة في هذه الرواية دور الياطر الذي هو مرساة المركب وهو الذي يحيل على النجاة والملاذ والمرفأ.

والحقيقة ان هذه النظرة الايجابية للمرأة نادرة عموما في الادب العربي وخصوصا في ادب حنا مينة ذاته الذي لم يتخلص من ارث النظرة التقليدية للنساء والادوار الموكولة لهن.

نذكر ان الكاتب السوري الكبير حنا مينة قد رحل عن دنيانا يوم 21 اوت اغسطس 2018  وهو المولود يوم 9 مارس اذار 1924.

وله عديد المؤلفات السردية التي تتمحور حول قضايا انسانية واجتماعية وهي تدور في مجملها في مناخات البحر ومن بينها “المصابيح الزرق” و”حكاية بحار” و”الشراع والعاصفة” و”المرفأ البعيد” و”المرصد” و”نهاية رجل شجاع”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد