مجتمعاختيار المحررينسياسة

بعد سنة ونصف من انتخاب ماكرون.. فرنسا لا تسير للأمام

 

لم يكن صيف 2018 مشمسا على الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، فقد تخللته سحب رمادية قاتمة غمرت شعبيته وحضوره، الذين يشهدان تراجعا حادا، منذ وصوله إلى قصر الإيليزيه قبل سنة ونصف.

فوفق مؤسسة إيبسوس تراجع ماكرون تراجع نقاط بنهاية تموز/يوليو، وبات يتمتع بـ 32% فقط من الآراء الإيجابية، وهي أدنى نسبة له منذ أيلول/سبتمبر 2017، بعد ان تسببت قضية معاونه السابق ألكسندر بينالا المتهم في ضلوعه في أعمال عنف وضرب متظاهرين وانتحال صفة شرطي في تحركات احتجاجية شهدتها فرنسا في عيد العمال عالمي في 1 مايو الماضي.

 

أزمة بينالا لم تكن سوى قمة الجبل الجليدي “فالمصائب ” تهاوت على رأس ماكرون مهددة بزعزعة مسار صاحب حركة “فرنسا إلى الامام” التي يبدو أنها خيبت آمال الفرنسيين بعد ان تعثرت الوعود الرئاسية على عتبات المصاعب الاقتصادية المتراكمة منذ عقود.

استقالات موجعة

جاءت الضربة الأولى لماكرون، عندما أعلن وزير البيئة والمقدم التلفزيوني الشهير نيكولاس هولو استقالته من منصبه على الهواء مباشرة خلال مقابلة إذاعية، في 28 أغسطس/أوت الماضي، وفسر الاستقالة بأنه “لم يعد برغب في الكذب” وأن المشاكل لا يتم التعامل معها بشكل صحيح داخل الحكومة.

استقالة هولو الصادمة والمعبرة عن فشل حكومة ماكرون في احتواء اختلافات أعضائها الداخلية وعدم جديتها في التعامل مع بعض الملفات ألقت الضوء على أخلال التمشي الذي اختاره ماكرون، وبدأت في تعرية عيوب “التصينع” في “الموديل” الحديث الذي تبناه ماكرون، دون أن يجدي “الملمّع” في إخفائها.

ثم انضمت وزيرة الرياضة الفرنسية لورا فليسيل لهولو وأعلنت استقالتها “لأسباب شخصية” دون مزيد من التوضيح.

 

 

وتحظى لورا فليسيل بتقدير كبير لدى الفرنسيين، مما جعل من انسحابها ضربة أخرى موجعة لماكرون. إذا بدأ الحزام الحكومي يتفتت من حول الرئيس الشاب، ولم يعد للشعارات التي بشر بها في الانتخابات، ولم ينزلها واقعا، من معنى.

انطلقت حملات التشكيك في مدى جدية السياسات الإصلاحية التي قدمها ماكرون على انها الحل الأمثل للنهوض بفرنسا من جديد، بعد أن أعلن عن اعتماد سياسة التقشف خلال المخطط الحالي. لكن تقارير إعلامية كشفت عن مصروفات كبيرة يتطلبها الإليزيه، منها نصف مليون “يورو” كلفة تغيير طقم الأدوات المنزلية في القصر الرئاسي المصنوع من البورسلين، مما أثار تساؤلات حول جدية الإصلاحات المعلنة التي يمارس نقيضها وراء الأبواب المغلقة.

ماكرون كان قد أعلن سابقا عن مشروع الإصلاح الضريبي الذي من المفترض أن يبدأ العمل به مع انطلاقة عام 2019، تحول باقتطاع الضريبة مباشرة من الراتب كما هو معمول به في أكثرية البلدان الأوروبية، لكن إلى حد الآن، لم تتوفر معطيات واضحة حول المسألة وهو ما جعل دافعي الضرائب في قلق دائم.

 

إصلاحات دون نتائج ملموسة

تراجعت شعبية ماكرون في الأوساط السياسية وداخل حزبه “الجمهورية للأمام” أيضا، فلم تر الإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عنها كوعود انتخابية النور إلى الآن، بينما بدأت القرارات التي اتخذها من إصلاح قانون العمل وتحرير السوق، في الضغط عليه من جهتين، فرؤساء الشركات يعتبرون هذه الإجراءات منقوصة ويطالبون بتوسيعها.

من  جهة أخرى، تقود النقابات موجة من الاحتجاجات ضد ما اعتبرته اعتداءا على حقوق العمال وضربا للطبقة الشغيلة.

قابلت الحكومة هذه الاحتجاجات والإضرابات بتعامل أمنى صارم رسّخ صورة سلبية حول رؤية الرئاسة وطريقتها في التفاوض والحوار.

على الصعيد الاقتصادي، تعاني فرنسا من أزمة اقتصادية مزمنة، فعلى مدى 30 عاما، ارتفعت معدلات البطالة لتصل إلى 10%، أغلب المتضررين منها من الشباب الذين يدعي ماكرون تمثيله ورفع رايتهم.

ولا تزال قوانين العمل الفرنسية تمثل العقبة الحقيقية امام فتح مجال تنافسي أكبر لباريس في العالم، فالعمال يتمتعون بحقوق كثيرة تتعارض مع المصالح الاستثمارية للشركات، حسب الرؤية الحكومية.

اما الجانب الثالث فيتعلق بارتفاع الضرائب على عائدات الشركات، فهي أعلى من الدول الأوروبية المجاورة، لذا أعلن ماكرون مشروع إصلاح ضريبي لجذب استثمارات خارجية لفرنسا.

لكن، بعد سنة ونصف، لم تحقق البرامج التي تم تبنيها أي نتائج ملموسة، فلا البطالة تراجعت، ولا القدرة الشرائية انتعشت، فيما الضرائب ترهق الطبقة الوسطى والوسطى العليا وتؤدي إلى تآكلها باستمرار.

وأمام الشغور الحكومي الحالي، سارع ماكرون للإعلان عن تعديل وزاري مصغر لسد الشغور واسترجاع ثقة الفرنسيين، بعد ان وصلت شعبيته إلى أدنى مستوياتها، فهل ينجح في إعادة المسار الحكومي إلى الطريق الصحيح وتجسيد الآمال التي علقها عليه الفرنسيون والاتحاد الأوروبي الذي راهن على ان يكون لفرنسا الدور القيادي من جديد في تقوية الوحدة الأوروبية؟

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد